زلزال إسلام آباد وبركان الداخل الأميركي: هل اقتربت نهاية الهيمنة وبدأ تفكك "الكيان"؟
نهاية "الكيان الصهيوني" لم تعد مجرّد شعار، بل هي واقع تفرضه الأرقام الاقتصادية، والكمائن العسكرية، وفشل الدبلوماسية الأميركية في حماية وكيلها المترنّح.
-
هل اقتربت نهاية الهيمنة وبدأ تفكّك "الكيان"؟ (أرشيف).
في صبيحة الأحد، الثاني عشر من نيسان/أبريل 2026، استيقظ العالم على وقع دويّ سياسي لا يقلّ أثراً عن دويّ الصواريخ الباليستية؛ فقد أعلن رسمياً عن انهيار "طاولة إسلام آباد" بعد 21 ساعة من المفاوضات الماراثونية العقيمة بين واشنطن وطهران.
غادر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، العاصمة الباكستانية خالي الوفاض، تاركاً وراءه دبلوماسية أميركية غارقة في "الوحل"، بعد أن رفضت إيران بشكل قاطع "شروط الاستسلام" التي حاولت واشنطن فرضها تحت غطاء النووي.
هذا الفشل ليس مجرّد تعثّر دبلوماسي، بل هو إيذان بتحوّل جيوسياسي عميق ينتقل فيه الصراع من "الحدود" إلى "القلب"، ومن ميادين القتال الإقليمية إلى "ضرب مقوّمات النظام الأميركي في عقر داره".
أولاً: وهم الأمان الأميركي.. ضرورة نقل المعركة إلى الداخل
لطالما استندت الغطرسة الأميركية في إدارتها للأزمات الدولية إلى شعور عميق بالأمان الداخلي؛ فواشنطن تدير الحروب بالوكالة أو عبر القصف الجوي بعيداً عن حدودها، مما يجعل صانع القرار الأميركي، وعلى رأسه دونالد ترامب، بمنأى عن الضغوط الشعبية والاقتصادية المباشرة التي تفرضها الحرب.
إنّ عنصر القوة الأساسي للولايات المتحدة يكمن في عدم شعورها بتهديد داخلي حقيقي، وهو ما يجب أن يتغيّر لكسر هذه الغطرسة.
التحوّل المرتقب في استراتيجية المواجهة يتمثّل في زعزعة الاستقرار الأميركي من الداخل عبر ثلاثة مسارات متوازنة:
1. المسار الاقتصادي (شريان الحياة): إغلاق مضيق هرمز الذي تشرعه طهران كسلاح استراتيجي سيؤدي حتماً إلى "طيران" أسعار النفط عالمياً، مما يضرب الاقتصاد الأميركي في مقتل ويؤجّج التضخّم.
2. المسار السياسي (ورطة ترامب المزدوجة): يجد ترامب نفسه اليوم محاصراً بين نارين؛ فاستئناف القصف يعني إغلاق هرمز نهائياً وضرب القواعد الأميركية، بينما قبول الشروط الإيرانية سيظهره ضعيفاً أمام خصومه الديمقراطيين الذين يتربّصون به لعزله.
3. المسار الأمني والسيبراني: إنّ استهداف المصالح الأميركية وتدمير مقوّمات الطمأنينة داخل المجتمع الأميركي هو الكفيل بإجبار واشنطن على مراجعة سياساتها التوسّعية ودعمها المطلق للكيان الصهيوني .
ثانياً: تآكل "الكيان الصهيوني".. اقتصاد الحرب والدمار الشامل
في الوقت الذي تفشل فيه واشنطن في الدبلوماسية، يواجه حليفها الاستراتيجي في المنطقة، الكيان الصهيوني، كارثة وجودية غير مسبوقة. تكشف التقارير العبرية عن استنزاف هائل للخزينة الإسرائيلية، حيث بلغت تكلفة الحرب متعدّدة الجبهات نحو 1.8 مليار شيكل يومياً . هذا النزيف المالي يترافق مع دمار واسع في الجبهة الداخلية؛ إذ تمّ تسجيل أكثر من 25 ألف مطالبة تعويض عن مبانٍ مدمّرة، منها 5000 في "تل أبيب" وحدها، مما يثبت فشل منظومات الدفاع الجوي أمام ضربات محور المقاومة .
لقد أعادت الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله مدناً رئيسية مثل "تل أبيب" وبئر السبع و"ديمونا" إلى "العصر الحجري" اقتصادياً وعمرانياً . هذا الانهيار الداخلي في الكيان يمثّل "الخطوة الأولى نحو إنهائه"؛ فالمجتمع الصهيوني الذي قام على وعود "الأمن والرخاء" يجد نفسه اليوم أمام كيان مفلس ومستنزف، يقوده نتنياهو الغاضب والمستبعد من كواليس القرار الدولي، والذي يدرك أنّ نهاية الحرب تعني نهايته السياسية والقضائية .
ثالثاً: مفرمة لبنان وتحطّم أحلام "الليطاني"
على الجبهة اللبنانية، تحوّلت الأطماع الإسرائيلية في الوصول إلى نهر الليطاني إلى كابوس عسكري. إنّ ما يحدث في الخيام وبنت جبيل ورشاف ليس مجرّد اشتباكات، بل هو "مفرمة" للنخبة العسكرية الإسرائيلية.
لقد نجح حزب الله في استعادة المبادرة التكتيكية بالكامل، وتحويل المناطق التي أرادت "إسرائيل" جعلها "عازلة" إلى مصائد يومية للدبابات والجنود . هذا الفشل الميداني يسقط أهداف واشنطن التي حاولت استخدام "الهدنة" لفكّ الارتباط بين الساحات وعزل لبنان عن إيران للإجهاز على المقاومة هناك .
رابعاً: لماذا فشلت المناورة الأميركية؟
لم تكن الرغبة الأميركية في التفاوض نابعة من نيّة حقيقية للسلام، بل كانت مناورة جيواستراتيجية تهدف إلى:
- شراء الوقت لامتصاص الصدمة الاقتصادية قبل الانتخابات وتحييد سلاح النفط .
- تجميع المعلومات الاستخباراتية (استطلاع تكتيكي) لتقييم الأضرار وإعادة تذخير القواعد .
- الابتزاز النووي لانتزاع تنازلات سيادية من طهران .
لم تنجح هذه الأهداف لأنّ طهران أدركت أنّ "الدبلوماسية هي استمرار للميدان"، ورفضت فصل الساحات، متمسّكة بوقف شامل للعدوان .
نحو نظام عالمي جديد بلا تغطرس
إنّ الساعات المقبلة مرشّحة لتصعيد كبير في "حرب الأعصاب". فإما أن تخضع واشنطن وتتنازل عن شروطها المفرطة وترفع العقوبات، أو أنّ المحور سيعلن رسمياً نهاية الهدنة الوهمية. إنّ ضرب أميركا من الداخل عبر الضغط الاقتصادي والسياسي، بالتوازي مع العمل على تدمير مقوّمات الحياة في الكيان الصهيوني الغاصب، هو السبيل الوحيد لكسر الغطرسة الصهيو-أميركية.
إنّ نهاية "الكيان الصهيوني" لم تعد مجرّد شعار، بل هي واقع تفرضه الأرقام الاقتصادية، والكمائن العسكرية، وفشل الدبلوماسية الأميركية في حماية وكيلها المترنّح.
وإذا لم تدرك إدارة ترامب أنّ ثمن استمرار هذه الحرب سيكون من كيس الاستقرار الداخلي الأميركي، فإنها ستجد نفسها أمام انهيار شامل يطال هيكل الهيمنة الأميركية في المنطقة والعالم. ولكن يبقى السؤال الأبرز، ما هي قدرة الولايات المتحده الأميركية على تحمّل عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي الداخلي؟