حصار موانئ إيران: موجة تضرب سواحل الصين ومرافئ العالم
الحصار ضد إيران وتبعات الحرب هناك لا تقف عند موانئ إيران، بل تتعداها لتمسّ بالأمن الطاقوي العالمي عامةً والآسيوي خاصةً ولا سيما الصين.
-
النفط الإيراني: موقعيته في سوق الصين (أرشيف).
في بحرِ التّوترات الذي يغمرُ الجغرافيا الغنيّة لمنطقةِ غربِ آسيا، ومع كل موجةِ عدوانٍ جديدةٍ تضربُ شواطئَ الاستقرار فيها، تصطفّ الأسئلةُ المفصلية حول طاولةِ العالم: هل يقفُ حصار الولايات المتحدة الراهن لمصادر الطاقة الحيوية في إيران -وما يتبعه من رد إيران بإغلاق مضيق هرمز- عند حدود إيران فقط؟ أم أنه يتعدّاها ليمسّ أمن الطاقة القومي الصيني؟ وكيف سيكون أثر ذلك على سلاسل الإمداد الطاقوية والعملية الإنتاجية هناك؟ وكيف ستكون استجابة الاقتصاد العالمي على ذلك؟
الصين: أحد أكبر مستهلكي نفط هرمز
تستحوذ الصين حاليًا على قرابة 16% من إجمالي الصادرات السلعية في العالم، مع فائض تجاري قياسي تجاوز 1 ترليون دولار بنهاية العام 2025. هذه القوة الإنتاجية الضخمة تبرر للصين كونها من أكبر مستهلكي النفط في العالم، حيث تستورد أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا، معظمها يأتي عبر هرمز الذي يمثّل شرياناً حيوياً لسوق الطاقة وأسواق التجارة الدولية.
ويمرّ عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي ما لا يقل عن 20% من إجمالي منتجات الطاقة العالمية من نفط خام ومشتقاته وغاز طبيعي مسال، منها 83% تقريبًا تتجه إلى الأسواق الآسيوية، منها 69% إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها. كل ذلك يخلق حساسية عالية (عالمية ومتعددة الأبعاد) لأي اضطراب سياسي أو أمني يصيب منطقة المضيق.
النفط الإيراني: موقعيته في سوق الصين
تعتمد الصين في 86.7% من مصادر طاقتها على الوقود الأحفوري، ما يصعّب عليها التخلي عن مورّدي النفط الحاليين (مثل روسيا وإيران وسائر مورّدي منطقة غرب آسيا) من دون تكلفة اقتصادية واجتماعية عالية. في المقابل، ترى بكين أن النفط الإيراني –على وجه الخصوص- يأتي بأسعار أقل من السوق، وهو ما يساعدها في الحفاظ على تكلفة طاقة منخفضة، وتعزيز القدرة التنافسية لصادراتها الصناعية.
ويُظهر تحليل لوكالة "رويترز" أن حوالى 90% من النفط الذي تصدّره إيران تشتريه الصين، أي أكثر من 1.8 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى قياسي في ظل الطلب القوي من المصافي الصينية المستقلة (مصافي أباريق الشاي)؛ ما يجعل نفط طهران من أهم المصادر التي تلبي الطلب الصيني على الطاقة بنحو 13.6% من واردات الصين النفطية، ما يشير إلى الترابط الكبير والوثيق بين الاقتصاد الصيني واستقرار صادرات الطاقة الإيرانية.
ويُطلق على مصافي النفط المستقلة في الصين اسم "مصافي أباريق الشاي" (Teapot oil refiners)، وهي مصافٍ صغيرة الحجم تتعامل عادة مع النفط الخاضع للعقوبات (مثل الروسي والإيراني)، وتمثّل نحو خُمس طاقة التكرير في الصين.
وفي حال استمرار الحصار الأميركي البحري في هرمز لموانئ إيران وتضييق الخناق أكثر على صادرات النفط الإيراني، فذلك قد يعني -من منظور بكين- ضغطًا مباشرًا على أمن الطاقة القومي الصيني، ما سيفرض –في أقل السيناريوهات حدّة- إعادة التفكير مليًا بالاستراتيجيات المرتبطة بسلاسل الإمداد الطاقوية ومصادرها البديلة، وربما في سيناريوهات أخرى –أكثر حدّة- قد تكون الشرارة الجيو-اقتصادية التي قد تفاقم الأوضاع الجيو-سياسية وتوابعها.
الصين: خطوة استراتيجية استباقية
يبدو أن الصين قد استشعرت المخاطر على إمداداتها، فعدّلت خططها ذات الصلة وتوجّهت نحو تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية وتسريع خططها لتنويع مصادر الطاقة. وتتضمن هذه الاستراتيجيات تسريع التحوّل نحو الغاز والطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على المواد الهيدروكربونية التي تمر عبر مضيق هرمز وذلك استجابةً لمبدأ "أمن الطاقة متعدد المسارات".
كما تعمل الصين على تطوير شبكات لوجستية برّية (ضمن مبادرة "الحزام والطريق" 2013) لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الأكثر عرضة لاختناقات الشحن.
وكانت مبادرة "الحزام والطريق" قد أُطلقت رسميًا في العام 2013 وهدفت الصين من خلالها إلى إحياء طرق التّجارة القديمة البريّة والبحريّة، والمحافظة على أسواق التّصدير، وفتح أسواق جديدة.
مبادرة "الحزام والطريق": المسار البري (الحزام) والمسار البحري (الطريق)
وتمكّن هذه البنية البرّية واللوجستية للصين من تحييد جزء كبير من المخاطر المرتبطة بالشحن البحري عبر مضيق هرمز أو النقاط البحرية الأخرى، خصوصًا في سيناريوهات الاختناقات أو انقطاع الإمدادات، بنتيجة الضغوط أو العقوبات أو السياسات العدائية بإعادة توجيه الصادرات.
يُضاف إلى ذلك، سعي الصين إلى زيادة العقود مع مورّدي النفط من خارج منطقة الخليج، مثل روسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية (فنزويلا مثالًا).
وفي هذا السياق، يُذكر أنه وفي أعقاب سيطرة الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي مطلع العام الحالي 2026، تعطّلت عقود الاستثمار والاتفاقيات التي كانت قائمة بين الصين وفنزويلا، ما يعتبر –بشكل أو بآخر- استهدافًا مباشرًا لسلاسل إمداد الطاقة الصينية.
فنزويلا: خسارة صينية مفاجئة
في أواخر العام 2025، أعلنت الولايات المتحدة، بعد عملية أمنية وعسكرية، سيطرتها على صادرات النفط في فنزويلا، واضعة يدها على أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (يتجاوز 300 مليار برميل).
وفي هذا السياق، كانت الصين قد برزت كشريك طاقوي رئيس لفنزويلا في إطار استراتيجية بكين لتنويع مصادر الطاقة، حيث استوعبت ما بين 55% و80% من صادرات فنزويلًا النفطية الشهرية في خلال 2023–2025، بما يقارب 700 ألف برميل يوميًا من النفط، وهو ما يشكّل نحو 4–5% من إجمالي واردات الصين النفطية.
وكانت موانئ النفط الرئيسة في فنزويلا قد توقفت مطلع العام الحالي عن تسليم الخام للعملاء الآسيويين لشركة بتروليوس دي فنزويلا التي تديرها الدولة، وذلك بضغط من الولايات المتحدة على كراكاس من خلال فرض حظر نفطي، وفقًا لتقرير رويترز، في حين استأنفت شركة شيفرون الأميركية تصدير النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة.
ويمثّل هذا تحولًا استراتيجيًا لافتًا، واستهدافًا طاقويًا للاقتصاد الصيني، ونقضًا واضحًا لعقود الاستثمار والاتفاقيات التي كانت قائمة بين الصين وفنزويلا.
نفط روسيا: نافذة طاقوية للتعويض
تُعد روسيا بالنسبة إلى الصين المورد الرئيس للنفط وذلك ضمن استراتيجية بكين لتنويع احتياجاتها من الطاقة وتقليل الاعتماد على إمداداتها التقليدية والمهددة. وتستوعب الصين (2.2 مليون برميل يوميًا) حوالى نصف الصادرات النفطية الروسية الإجمالية، وهي تشكل حوالى 17.7% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، وهذه الأرقام في أول سبعة أشهر فقط من العام 2025.
وكان حجم النفط الروسي الخام المُصدّر إلى الصين قد ارتفع من حوالى 80 مليون طن (كل طن متري = 6 براميل) في العام 2021 ليصل إلى حوالى 109 مليون طن في العام 2024، بنمو بلغ 36% تقريبًا، ما يعكس الأهمية المتزايدة للسوق الصينية بالنسبة لموسكو. ولكن إلى أي حد تستطيع السوق الروسية تعويض النقص المتزايد لدى الصين من جراء الأحداث الجيو-اقتصادية؟
خلاصة: بين تكتيك المواجهة واستراتيجيات الطاقة
بات جليًا أن الحصار ضد إيران وتبعات الحرب هناك لا تقف عند موانئ إيران، بل إنها تتعداها لتمسّ بالأمن الطاقوي العالمي عامةً والآسيوي خاصةً، ولا سيما الصين (أكبر مصدّر للسلع في العالم)، بنتيجة تعطيل سلاسل توريد مواد أساسية نوعية تمر عبر المضيق مثل الهيليوم والأسمدة وبعض المعادن وغيرها، فضلًا عن النفط والغاز المسال، والتي تعطّل بدورها إنتاجية قطاعات صناعية وزراعية وتكنولوجية واسعة حول العالم، كل العالم، مع ما يحمله ذلك من تبعات مركّبة تتعاظم كل يوم؛ إن كان في مؤشر أسعار المستهلكين للسلع الأساسية أو أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج والنقل والشحن والتأمين، وسائر مؤشرات الاقتصاد والتنمية هنا وهناك.
فهل يتعقّل متهوّرو هذا العالم لاسترجاع أهم محركاتِ الاقتصاد (الأمن والاستقرار) قبل فواتِ الأوان؟