حدث تشييع "مرشد الثورة" أرعب الأعداء.. "المشرق السوري" في زمن ترابط المخاطر
العالم لا ينتقل من نظام قديم إلى نظام جديد مكتمل، بل من نظام مؤسسي نسبيّاً إلى حالة تفاوض مستمرة. القواعد لا تختفي، لكنها تصبح أقلّ عالمية وأكثر تجزئة.
-
يقف العالم اليوم على حافّة مرحلة جديدة تتنازعه عدة اتجاهات.
يقف العالم اليوم على حافّة مرحلة جديدة تتنازعه عدة اتجاهات: تيارات سياسية واقتصادية جبّارة تنوء تحتها عشرات المجتمعات الصغيرة التي تنشد الحياة الحرّة لعناصرها المجتمعية. فهل تكون هذه "المجتمعات الصغيرة" في خضمّ تلك التيارات المتنازعة مقدّمة للسقوط، أم نحن أمام لحظة إعادة بناء؟
يلاحظ عدد من علماء النفس الاجتماعي أنه عندما يقع مجتمع ما في أزمة خانقة، سياسية كانت هذه الأزمة أم اقتصادية، ناتجة عن حرب أم عن ثورة، ومن ثم يتعذّر الخلاص منها، ينشطر هذا المجتمع إلى شرائح ثلاث:
فريق يشكّل الأكثرية الساحقة يستسلم "للأمر الواقع".
وفريق ينسحب من واقعه المجتمعي ليتقوقع في صومعة غيبية ليقول: "خسرنا هذه الدنيا فعلينا ربح الآخرة".
وفريق ثالث يرفض هذا "الأمر الواقع" ويأخذ على عاتقه مهمة التصدّي والصراع حتى النهاية. (راجع منير خوري في "حدود المجتمع – مقاربة سوسيولوجية، ص 91-92" - دار نلسن 2006)
في خضمّ هذه هذه الأزمات يحاصر الخطر "مشرقنا السوري" (القصد من هذا المصطلح الإشارة إلى الهلال السوري الخصيب) من جوانبه كافّة، لكنّ الفرصة قائمة لمن يفهم التحوّلات مبكراً، ويبني المرونة، ويوازن بين المصلحة القومية، وبين الانفتاح والحماية، وبين المنافسة والتعاون. والتحدّي حقيقي أمام دولنا وشركاتنا ومجتمعنا فهل نتعلّم كيف نتحرّك في عالم لم تعد قواعده جاهزة، ولم يعد فيه الاستقرار نتيجة تلقائية، بل أصبح مشروعاً يحتاج إلى رؤية، وقدرة، واستعداد دائم للتكيّف؟
لا شكّ في أنّ المنطقة دخلت مرحلة تفكّك الهيمنة التقليدية، حيث لم يعد الاقتصاد والأمن يتحرّكان في الاتجاه نفسه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء ترتيبات إقليمية تفاوضية قادرة على إدارة التوترات وتقليل الارتهان لتنافس القوى الكبرى، بدل بقاء الشرق الأوسط ساحة لصراعات الآخرين.
"المشرق السوري"، إذاً، أمام لحظة انتقالية عميقة لم تعد فيها الجغرافيا السياسية حقلاً منفصلاً عن الاقتصاد والأسواق والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد، بل أصبحت الإطار الناظم لفهم التحوّلات الكبرى التي تعيد تشكيل النظامين الإقليمي والدولي.
فالخطر الجيوسياسي لم يعد مجرّد احتمال خارجي يهدّد الدول عند اندلاع الحروب أو الأزمات الدبلوماسية، بل أصبح بنية مستمرة تؤثّر في قرارات الشركات، وتوجّهات الاستثمار، وحركة التجارة، وأمن الطاقة، والتحالفات، والتكنولوجيا، وحتى في طبيعة الدولة وقدرتها على إدارة المخاطر.
إنّ أهمية هذه القراءة لا تكمن فقط في تشخيص المخاطر، بل في فهم العلاقة الجديدة بين السياسة والاقتصاد. فالأسواق لم تعد تتحرّك فقط وفق العرض والطلب، بل وفق العقوبات، والرسوم، والتحالفات، والحروب، وأمن الممرات البحرية، وسياسات المعادن، وتقييد التكنولوجيا. كما أنّ الشركات الكبرى لم تعد تستطيع الاكتفاء بحسابات الربح والخسارة التقليدية، بل باتت مطالبة ببناء قدرة استراتيجية على التوقّع، والتنويع، والتحوّط، وفهم خرائط النفوذ الجديدة.
وهذا التحوّل لا يحدث فجأة، وإنما يتراكم عبر سنوات طويلة من الاضطراب السياسي والاقتصادي والثقافي. وحين يعتاد الفرد على تقديم ذاته بوصفها المركز الوحيد لكلّ شيء، تتراجع قيمة التعاون، ويضعف الإحساس بالمصلحة العامّة، ويتحوّل المجتمع تدريجيّاً إلى مجموعة جزر معزولة، تعيش داخل المكان نفسه لكنها تفتقد روح الجماعة.
في "المشرق السوري"، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة التفكير بطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة. فالأزمات المتراكمة لم تترك آثارها على الاقتصاد والسياسة فقط، وإنما امتدت إلى السلوك اليومي أيضاً. هناك شعور متنامٍ بعدم الثقة، وتراجع في الإحساس بالمسؤولية المشتركة، وتآكل بطيء لفكرة الانتماء العامّ، وهي مؤشرات لا يمكن التعامل معها بوصفها ظواهر هامشية.
والمجتمعات المتقدّمة لم تصل إلى استقرارها عبر الثروة وحدها، وإنما عبر نجاحها في تحويل السلوك الفردي إلى جزء من مشروع جماعي واسع. وهذا ما يحتاجه "المشرق السوري" الذي يبحث اليوم عن طريق للخروج من أزماته المتراكمة: إعادة الاعتبار لفكرة الإنسان المسؤول، الذي يدرك أنّ تصرّفاته اليومية لا تخصّه وحده، وإنما تشارك في تشكيل صورة المجتمع كلّه.
نحن في عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً، بعد العدوان الصهيوأميركي على الجمهورية الإسلامية، ولذلك تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لبناء نظام اجتماعي يقوم على التوازن بين الحرية والانضباط، وبين الحقوق والمسؤوليات، وبين الفرد والجماعة. لأنّ المجتمع الذي يفقد هذا التوازن، يفقد تدريجياً قدرته على حماية نفسه من التفكّك، حتى وإن بدا مستقرّاً من الخارج.
في هذه الرؤى تقع "الجغرافيا السياسية" في مركز تحليل المخاطر العالمية التي قد تصيبنا، انطلاقاً من قناعة بأنّ الخطر السياسي الأمني أصبح قادراً على التأثير المباشر في الأسواق والشركات والمجتمعات. فالحروب لم تعد محصورة في الجبهات العسكرية، بل تمتد آثارها إلى الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار السلع، والتأمين، والشحن، والتمويل، والأمن السيبراني، كما في الحرب الصهيوأميركية على إيران والشرق الأوسط وما خلّفته من تداعيات خطيرة على دول العالم. كما أنّ التوتر بين القوى الكبرى لم يعد مجرّد خلاف دبلوماسي، بل صار يؤثّر في قرارات الاستثمار، ومواقع الإنتاج، وحركة رأس المال، وتوزيع التكنولوجيا.
إنّ النظر بواقعيّة إلى إيران والشرق الأوسط، لا يمكن أن يكون طبيعيّاً إلّا بوصفهما مثالاً واضحاً على كيفيّة تحوّل الصراع الإقليمي إلى خطر عالمي. فإيران ليست مجرّد دولة في نزاع مع الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني فقط، بل هي عقدة تربط بين أمن الطاقة، والممرات البحرية، والانتشار النووي، وحركات المقاومة، وأسعار النفط، والأسواق، والتحالفات الإقليمية. وهذا التعقيد هو ما يجعل أيّ قراءة تبسيطيّة للشرق الأوسط غير كافية.
أدركت واشنطن أنّ إيران سوف لن تتوقّف عن تعزيز شبكة علاقاتها الإقليمية في مناطق التماس المباشر معها ومع حلفائها، وهي لحماية أمنها القومي ستحاول بشكل أو آخر الاستمرار في خلق العراقيل أمام المصالح الأميركية في المنطقة كحقّ مشروع لها.
لن تكون قواعد الصراع بين واشنطن وطهران بعد اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي ومن ثم تشييعه المهيب في المدن، الإيرانية والعراقية، كما كانت قبله إطلاقاً، بل ستشكّل نقطة تحوّل مهمة في علاقات الولايات المتحدة بالعراق وايران، وستؤثّر بشكل كبير على الموقف الأميركي الشامل في الشرق الأوسط، وستحتاج واشنطن في هذه المرحلة الى استراتيجية أوسع من مجرّد الردّ على التحرّكات التكتيكية لإيران، والبحث عن آلية لحلّ تلك الأزمة القائمة في العلاقة مع طهران وتجنّب الانزلاق إلى حرب واسعة معها. وإنّ كبح جماح إيران عن طريق الحرب سيكون خياراً مكلفاً للغاية لكلا الطرفين.
خلاصة الامر، ربما فهمت الإدارة الأميركية بعد اغتيال المرشد.. وتشييعه الذي يمثّل حدثاً تاريخياً يتجاوز حدود إيران، وأرعب الأعداء والخصوم معاً، أنّ عواقب الخروج عن الخطوط الحمر وخيمة للغاية للأميركيين، لذا ستلعب بقواعد جديدة لن يكون عبور الخطوط الحمر وارداً في قاموسها، ولكن في بيئة حرجة كبيئة الشرق الأوسط.
في النهاية، تقدّم إيران درساً مهمّاً: الحروب الحديثة لا تحسم فقط في الميدان، بل في الصناعة، والتمويل، والطاقة، والإرادة السياسية، والرواية الدبلوماسية. ومن لا يملك قدرة طويلة على الصمود قد يخسر حتى لو لم يهزم عسكريّاً بصورة مباشرة.
من هنا يصبح فهم الجغرافيا السياسية ضرورة عملية، لا ترفاً تحليليّاً. فالدول تحتاجه لتحديد سياساتها، والشركات تحتاجه لحماية استثماراتها، والمجتمعات تحتاجه لفهم أسباب التضخّم والاضطراب والقلق الأمني. وكلما ازداد العالم تشتّتاً، ازدادت الحاجة إلى أدوات تحليلية تميّز بين الضجيج والاتجاهات العميقة. وفي ظلّ الانقسام الدولي أصبحت المفارقة هي جوهر المرحلة. فالعالم يتشظّى سياسياً، لكنه لا يستطيع الانفصال اقتصاديّاً بسهولة. الولايات المتحدة والصين تتنافسان، لكنّ انهيار العلاقة بينهما سيكون مكلفاً للجميع. الدول تريد تقليل الاعتماد على الخصوم، لكنها لا تستطيع تفكيك سلاسل الإمداد بسرعة. الشركات تبحث عن التنويع، لكنها تصطدم بتكلفة الإنتاج والتكنولوجيا والعمالة والبنية التحتية.
هذا يعني أنّ العالم لا ينتقل من نظام قديم إلى نظام جديد مكتمل، بل من نظام مؤسسي نسبيّاً إلى حالة تفاوض مستمرة. القواعد لا تختفي، لكنها تصبح أقلّ عالمية وأكثر تجزئة. والقوّة لا تلغي المؤسسات، لكنها تعيد تشكيلها وفق منطق المصلحة والقدرة والتحالفات المتغيّرة.