تصعيد مضبوط وسقوف واضحة: قراءة في مسار المواجهة
هذه المواجهة، بطبيعتها الحالية، ليست مفتوحة على المدى الطويل، وتبدو غير متجهة نحو مسار اللاعودة، بل أقرب إلى صراع محدود يُستخدم فيه الضغط العسكري لإعادة رسم التوازنات وفرض شروط جديدة.
-
تتعامل إيران مع هذه المواجهة بثبات مستندة إلى قدراتها وتوازن الردع الذي فرضته (أرشيف).
مع اقتراب السادس من نيسان، تدخل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بمشاركة "إسرائيل"، مرحلة دقيقة، لكنها لا تزال محكومة بسقوف واضحة حتى الآن. في هذا التوقيت، يُتوقّع أن يخرج دونالد ترامب بخطاب يحمّل فيه طهران مسؤولية ما يجري، في محاولة لتقديم المشهد على أنه نتيجة “رفض السلام”، رغم أن ما طُرح لم يتجاوز كونه ضغوطًا تهدف إلى فرض شروط غير متكافئة.
خطاب ترامب الأخير، بما تضمنه من تهديدات قاسية وحديث عن الاستمرار في الحرب رغم الإقرار بتحقيق جزء كبير من الأهداف، يعكس في جوهره تعثرًا في تحقيق حسم سريع، أكثر مما يعكس تقدّمًا حاسمًا في الميدان. فالتلويح بإعادة إيران إلى “العصر الحجري” لا يبدو تعبيرًا عن تفوق بقدر ما هو مؤشر على انسداد أفق التسوية في المدى القريب.
في المقابل، تتعامل إيران مع هذه المواجهة بثبات، مستندة إلى قدراتها وتوازن الردع الذي فرضته، ومؤكدة أن أي مسار سياسي يجب أن يقوم على الندية واحترام موقعها، لا على الإملاءات. هذا الأداء يعكس حرصًا واضحًا على ضبط إيقاع المواجهة ومنع انزلاقها إلى حرب مفتوحة، رغم ارتفاع مستوى التهديدات.
إحدى العقد الأساسية التي تعقّد المشهد تتمثل في غياب شريك تفاوضي واضح، في ظل استهداف شخصيات يُفترض أنها معنية بالمسار السياسي. فقد جرى اغتيال علي لاريجاني، إلى جانب محاولة استهداف كمال خرازي، ما يطرح تساؤلات حول جدية الحديث عن اتفاق، خصوصًا مع الإشارات إلى قنوات تواصل غير مباشرة مع جي دي فانس عبر وسطاء.
ومع دخول السابع من نيسان، قد نشهد ارتفاعًا في وتيرة العمليات، لكن ضمن معادلة مدروسة: ردّ مقابل رد، وتصعيد محسوب يقابله احتواء محسوب. ما يعني أن الأمور، حتى الآن، تسير ضمن إطار يمكن السيطرة عليه، بعيدًا عن سيناريوهات الانفلات الشامل.
هذه المواجهة، بطبيعتها الحالية، ليست مفتوحة على المدى الطويل، وتبدو غير متجهة نحو مسار اللاعودة، بل أقرب إلى صراع محدود يُستخدم فيه الضغط العسكري لإعادة رسم التوازنات وفرض شروط جديدة، من دون الذهاب إلى حرب شاملة أوسع.
إلا أن هذا المسار يبقى مرتبطًا بسلوك الطرف الآخر؛ إذ إن أي اندفاع غير محسوب أو “جنون سياسي” قد يدفع نحو فتح مواجهة أوسع لا يرغب بها أحد. ومع ذلك، تشير المعطيات الحالية إلى أن جميع الأطراف لا تزال تدرك خطورة هذا الخيار، وتعمل—ولو ضمنيًا—على تجنّبه.
في المحصلة، تميل الكفة اليوم لصالح توازن الردع، ما يجعل المواجهة أقرب إلى مرحلة انتقالية قصيرة، لا إلى حرب طويلة أو مفتوحة بلا سقف، بل صراع مضبوط بإيقاع دقيق، حيث تُدار الرسائل بالنار، لكن تحت سقف محسوب.