تآكل الثقة بالحلفاء: تداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران على الشرق الأوسط

كانت المفاجأة الكبرى لدول الشرق الأوسط أنّ الولايات المتحدة لم تكن شريكاً موثوقاً في وقت الخطر العسكري. فقد أصبحت القواعد الأميركية في المنطقة أهدافاً سهلة لإيران، ولم يعد وجودها ضماناً للأمن بل مصدر تهديد.

  • تهدف
    تهدف "إسرائيل" إلى إحداث فوضى في إيران لزعزعة استقرار المنطقة (أرشيف).

خذل حلفاء الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الحرب مع إيران، ولم يعد بالإمكان الاعتماد على دعم الشركاء.

الحرب غير المعلنة التي تخوضها الولايات المتحدة ضدّ إيران لم تبدأ بشكل موفّق منذ البداية. الأهداف غير واضحة، وبالتالي لم تتحقّق. مستوى المواجهة المسلحة يتصاعد فقط، فيما تنعكس نتائج العمليات العسكرية بشكل خطير على الاقتصاد العالمي، وهو ما يبدو أنّ أحداً لم يتوقّعه.

خلال ثلاثة أسابيع من القتال، كانت أكثر الجهات تضرّراً هي الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد حذّرت القيادة الإيرانية من أنّ أهدافها الرئيسية ستكون القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة. ومن بين ست ملكيّات في دول الخليج العربية، فقط سلطنة عمان لم تستضف قواعد أميركية. أما بقية الدول فقد تعرّضت لهجمات بصواريخ باليستية إيرانية.

تعاني البنية التحتية في المنطقة، كما أُغلق مضيق هرمز، ما أجبر دول الخليج على تقليص إنتاج النفط لعدم القدرة على تصديره. ونتيجة لذلك، تواجه شركات النفط في الشرق الأوسط تحدّيات غير مسبوقة. كما ينهار قطاع السياحة، حيث وصلت نسبة انخفاض أسعار الفنادق إلى 70%.

تدمير البنية التحتية، بما في ذلك ناطحات السحاب التي لم تتمكّن أنظمة الدفاع الجوي من حمايتها، أدّى إلى تراجع مستوى المعيشة. الشرق الأوسط، الذي كان ينعم بالازدهار، لم يعتد على مثل هذه الظروف.

الأخطر هو تضرّر قطاعي النفط والغاز، فقد ضربت طهران مصفاة نفط في مدينة ينبع الصناعية في السعودية، كما أنّ الهجمات على البنية التحتية للغاز في العراق وقطر ستؤدّي إلى خسائر اقتصادية عالمية، إذ فقدت قطر 17% من قدرتها على تصدير الغاز الطبيعي المسال لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات، بحسب تصريحات وزير الطاقة والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة سعد بن شريدة الكعبي.

في المقابل، اضطرت إيران إلى وقف تصدير الغاز إلى العراق وتركيا بعد خسارة حقل جنوب فارس نتيجة قصف إسرائيلي.

كانت المفاجأة الكبرى لدول الشرق الأوسط أنّ الولايات المتحدة لم تكن شريكاً موثوقاً في وقت الخطر العسكري. فقد أصبحت القواعد الأميركية في المنطقة أهدافاً سهلة لإيران، ولم يعد وجودها ضماناً للأمن بل مصدر تهديد.

في الأردن، تمّ تدمير رادار بقيمة مليار دولار في قاعدة جوية تضمّ مقاتلات أميركية، وكان يدير نظام الدفاع الصاروخي THAAD. وقد أظهر فشل أنظمة الدفاع الجوي أنّ هذه الأنظمة مصمّمة للتعامل مع عدد محدود من الصواريخ، بينما تواجه المنطقة وابلاً كثيفاً يفوق قدرتها.

كان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد أكد أنّ الحلفاء لا داعي لقلقهم وأنّ الحماية مضمونة بالكامل، لكنّ الواقع أثبت العكس. كما أنّ الوثائق الأميركية الخاصة بالقواعد العسكرية لا تنصّ أصلاً على التزام بحماية الدول المضيفة، رغم الأموال الضخمة التي تدفعها هذه الدول.

فالرياض دفعت مليار دولار عام 2020 مقابل نشر القوات الأميركية، بينما استثمرت قطر 8 مليارات دولار في قاعدة أميركية خلال العقدين الماضيين.

للولايات المتحدة مصالحها الخاصة في المنطقة، وهي تختلف عن مصالح الدول المحلية. فالرئيس الأميركي يسعى للحفاظ على البنية التحتية للطاقة، ولذلك انتقد بشكل خفيف الضربات الإسرائيلية على حقل جنوب فارس.

لكنّ المشكلة أنّ الولايات المتحدة غير قادرة على الحفاظ على هذا التوازن، كما أنّ حلفاءها الإقليميين لا يظهرون حماساً لدعمها بسبب الضغوط الشعبية المعادية لـ "إسرائيل".

ازداد الوضع تعقيداً مع رفض الدول الأوروبية دعم الولايات المتحدة و"إسرائيل"، حيث أعلنت دول مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا أنّ "هذه ليست حربنا". كما أدانت مدريد الضربات الأميركية، وأصبحت هذه المواقف تمثّل توجّهاً عامّاً في الاتحاد الأوروبي، باستثناء بريطانيا التي أعلنت استعدادها لتوفير قواعدها.

واتهم وزير الدفاع الأميركي الحلفاء الأوروبيين بالتقاعس، لكنّ الأوروبيين يتساءلون: على ماذا يجب أن يشكروا الولايات المتحدة؟ على ارتفاع أسعار الطاقة؟ أم على خطر موجات لجوء جديدة؟ أم على تدمير الاقتصاد الأوروبي؟

كما أنّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تزويد أوروبا بالأسلحة بسبب نقص قدراتها الإنتاجية.

هذه المغامرة ستكلّف أوروبا أكثر مما ستكلّف أميركا، بينما يحاول الرئيس الأميركي تحميل الأوروبيين مسؤولية الفشل المحتمل.

أوروبا ترفض الانجرار إلى هذا الصراع، فيما تتزايد الشكوك حول نجاح العملية الأميركية-الإسرائيلية ضدّ إيران.

استقال مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، جو كينت، احتجاجاً على دخول الحرب، مؤكّداً أنّ إيران لم تكن تشكّل تهديداً مباشراً، وأنّ القرار جاء نتيجة ضغوط اللوبي الإسرائيلي. كما ظهرت فرضيات مثيرة للجدل، منها أنّ الذكاء الاصطناعي أدّى دوراً في اتخاذ القرار.

تهدف "إسرائيل" إلى إحداث فوضى في إيران لزعزعة استقرار المنطقة، لكن هذا لا يتماشى تماماً مع مصالح الولايات المتحدة التي تخشى فقدان السيطرة.

تتباين أهداف الطرفين: "إسرائيل" تسعى لتدمير البنية التحتية للطاقة، بينما تريد واشنطن الحفاظ عليها.

ومع اقتراب الانتخابات، يسعى الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب سريعاً، خاصة أنّ الحروب الطويلة لا تحظى بشعبية داخلية.

الرهان على تغيير النظام في إيران لم ينجح، كما أنّ "إسرائيل" لا تستطيع التعامل وحدها مع الضربات الإيرانية.

أمام الولايات المتحدة ثلاثة خيارات صعبة: تصعيد الحرب، أو التفاوض مع إيران، أو الانسحاب مع إعلان تحقيق الأهداف.

وفي حال الانسحاب من دون نتائج واضحة، قد تبحث دول الخليج عن حليف جديد، وربما يكون الصين.

وهذا بالتأكيد ليس الهدف الذي سعت إليه الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الشرق الأوسط.