بين تفكيك المعارضة والسيادة.. ماذا يجري في البحرين؟

هل السيادة تتحقّق بمجرّد رفع العلم على وزارات ومؤسسات الدولة، بما فيها قوة دفاع البحرين ووزارة الداخلية، فيما الأسطول الأميركي الخامس بالبحرين، يصادر قرار الأمن والدفاع، ويأخذ جزءاً من وظيفة السيادة الأمنية؟

  • ماذا يجري في البحرين؟ (أرشيف).
    ماذا يجري في البحرين؟ (أرشيف).

منذ الـ27 من نيسان/أبريل 2026 والسلطات البحرينية تسارع خطواتها التنفيذية في الانتقال إلى المرحلة الجديدة من مشروع الإجهاز على المعارضة؛ حيث تجد نفسها اليوم – بعد 15 سنة من القمع السياسي وأمام احتمالات مغادرة القواعد العسكرية الأميركية للمنطقة- في أشدّ لحظات التأزيم الداخلي حساسية.

لم تكن المعارضة البحرينية في يوم من الأيام تحمل مطالب طائفية في خطابها ووثائقها ورؤاها، في قبال ذلك كانت هناك حقيقة لا يمكن تجاوزها، حول وجود أغلبية سياسية تنتمي للطائفة الشيعية في البحرين، استندت الحكومة في مواجهتها بأدوات التحريض الطائفي بعد 2011؛ ورغم ذلك لم تنجح في جرّ قواعد المعارضة لفخّ الطائفية!.

ولكن، مشروع الحكومة في فرض السيطرة الأمنية على مختلف مفاصل الدولة -وهو موضوع بحاجة لدراسة- أقدم من 2011؛ فعلى وقع خطى الأزمات السياسية المتتابعة منذ ما بعد مرحلة ميثاق العمل الوطني، كانت فضيحة تقرير البندر في أيلول/سبتمبر 2006 -والذي كشفه مستشار التخطيط الاستيراتيجي في الديوان الملكي صلاح البندر قبل ترحيله في الشهر ذاته بعد نشره التقرير-؛ حيث اتضح بعد سنوات بأنّ الحكومة تشتغل بالفعل على تنفيذ كثير من أجندة تلك الخلية، منها التجنيس السياسي، والاضطهاد الطائفي في استهداف الشيعة، ومن أوجه ذلك حلّ المجلس الإسلامي العلمائي في 29 كانون الثاني/يناير 2014.

نعود للبدء، ما قبل إسقاط جنسية 69 مواطناً بحرينياً بينهم أطفال ونساء، كان سياق الإجراءات الأمنية يؤشّر إلى أنّ الحكومة أنهت مشروعها في تفكيك المعارضة السياسية؛ وهذا ما كان يكشفه خطابها الرسمي؛ فالاعتقالات التعسّفية لقيادات المعارضة، وحلّ الجمعيات السياسية ومنها الوفاق وأمل ووعد، وحظر العمل السياسي العلني المعارض، وضرب المجتمع المدني والحقوقي، وملاحقة الناشطين عبر اليد الخفية لجهاز الأمن الوطني. وحصيلة قمع الـ 15 سنة، وجدت الحكومة نفسها بعد بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي الآثم على الجمهورية الإسلامية في إيران، أمام تحدّي خسارة مظلة حماية الحليف القديم -الأسطول الأميركي الخامس-، فضلاً عن أنّها أمام فرصة سانحة للذهاب إلى أقصى أهداف تقرير البندر في إنتاج واقع طائفي جديد للشيعة في البحرين.

بحسب التقدير السياسي الداخلي للحكومة، والذي عبّرت عنه -بنحو غير مباشر- تصريحات وزير الداخلية البحريني راشد آل خليفة -وارث هندرسون وأشهر وزراء الداخلية بالقمع في الخليج- فإنّ خطوات تفكيك المعارضة السياسية لم تنجح في القضاء عليها؛ لأنّ هنالك بيئة إسلامية أنتجت مراجع وفقهاء لمئات السنوات ونظم إدارة مجتمعية، وكانت ناجحة في الحفاظ على استقلالية الشأن الديني المكفولة بالقوانين الدولية بالمناسبة؛ لذلك جاء مشروع اجتثاث الطائفة الشيعية بقياداتها ومؤسساتها الثقافية، والدينية، والوقفية.

ليس في ذلك مبالغة؛ وزير الداخلية الذي يتفاخر بالإعلان عن القبض على تنظيم هلامي، من ضمن أدلة الإدانة لديه هي بحوث فقهية وصور مرجعيات دينية، يعتبر أنّ المشكلة تبدأ من التنشئة الفكرية والثقافية، من رياض الأطفال، إلى خطب الجمعة، وصلاً بالحوزات العلمية والقصائد الموكبية، وكلّها في مرمى الاستهداف اليوم.

ولكن، في رافعة الخطاب الرسمي حديث متكرّر عن الدفاع عن السيادة الوطنية، وتخوين مجموعة 41 + 11 من أبرز علماء الطائفة الشيعية في البحرين وبينهم زعيمها آية الله الشيخ عيسى قاسم، فكيف هي السيادة الوطنية في أدبيات السلطة، وأدبيات المعارضة؟!.

في أدبيات المعارضة مثلاً كلام متكرّر عن مبدأ الشعب مصدر السلطات، وحماية الهوية الوطنية برفض التجنيس السياسي، نظام انتخابي عادل، ترسيخ وتعزيز العلاقات مع الدول وفقاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

في قبال ذلك، قوّضت السلطات من مبدأ المساءلة الشعبية لما هو دون الحدّ الأدنى؛ فتحوّل التصويت بـ "لا" لمشروع قانون يتعلّق بصلاحيات السلطة القضائية والملك في موضوع إسقاط الجنسية، فأسقطت عضويات الرافضين الثلاثة رغم اعتذارهم للملك، ولست هنا في مورد شرح أركان الدولة الأمنية في البحرين، فتقارير المنظمات الحقوقية العديدة تعطي شرحاً كثيفاً لها، ولكن سأشير إلى بعض مظاهر تقويض السيادة الوطنية.

هل السيادة تتحقّق بمجرّد رفع العلم على وزارات ومؤسسات الدولة، بما فيها قوة دفاع البحرين ووزارة الداخلية، فيما الأسطول الأميركي الخامس بالبحرين، يصادر قرار الأمن والدفاع، ويأخذ جزءاً من وظيفة السيادة الأمنية. هل كان الرئيس الأميركي ينتظر موافقة الديوان الملكي وهو يأمر بضرب مدرسة ميناب لارتكاب أحد جرائم الحرب في إيران؟، هل كانت قيادة الأسطول الأميركي الخامس تنتظر موافقة القائد العامّ لقوة دفاع البحرين وهي تستخدم المياه الإقليمية لمقرّ قيادة العمليات العسكرية في العدوان على إيران، الدولة الجارة المسلمة؟، ثم من قال بأنّ الوجود العسكري الأميركي حائز على موافقة شعبية ليصبح رفضه خيانة؟.

نحن نتحدّث عن العلاقات البحرينية الأميركية، ولكن يجب ألّا ننسى العلاقات البحرينية الإسرائيلية -المرفوضة شعبياً بالمناسبة-، في 2021 منحت الحكومة البحرينية لكيان الاحتلال حقّ السيادة على معلومات المشتركين التابعين لها في مراكز الحوسبة السحابية القائمة في البحرين، ألا يشكّل ذلك شكلاً من أشكال التنازل عن السيادة الرقمية لدولة معادية لمصالح الشعوب بما فيها البحرين؟، طبعاً، هذه من الشواهد وإلا فالاحتجاجات بذلك كثيرة!.

في الخلاصة، إنّ إجراءات تفكيك المعارضة لا ينهي أسباب وجودها، كما أنّ الذهاب بعيداً في مشاريع التفريط بالسيادة الوطنية خدمة للمصالح الأميركية والإسرائيلية لن يعطي صفة الاستقرار المستدام في الداخل وسط الرفض الشعبي، فضلاً عن أنّ محاولة إعادة تشكيل الطائفة على نمط وعاظ السلاطين لن ينجح في التجربة البحرينية، ولعلّي أستعير تحذيراً حمله بيان آية الله قاسم الصادر في 18 أيار/مايو 2026، وفيه ما فيه من دلالة كثيفة: لو أصرّت السياسة على إخضاع كلّ الأوضاع في حياة النّاس، وسلوكهم لقناعاتها المخالفة لإيمان الأمّة ومقدّساتها ورموزها فإنّ الحياة ستؤول إلى ما لا يُطاق، ويتقوّض بناء الاجتماع القائم بالطرفين.