بين استراتيجة رقعة الشطرنج وطاولة النرد.. طهران تعزف سيمفونية الصبر الاستراتيجي!
هذه المواجهة ليست مجرّد حرب تقليدية، بل صراع إرادات وسيكولوجيات قيادية، حيث تتقاطع الرؤية العقائدية الإيرانية القائمة على الصبر والتحمّل مع عقلية القيادة الأميركية القائمة على الهوس بالنتائج السريعة والصفقات.
-
طهران تعزف سيمفونية الصبر الاستراتيجي!
لم يكن تفصيلاً صغيراً رؤية رئيسة وفد التفاوض الأميركي، "ويندي شيرمان"، تبكي أمام كبير مفاوضي الدبلوماسية الإيرانية عباس عراقتشي في كواليس الساعات الأخيرة للاتفاق النووي عام 2015، فما بين حياكة السجاد الفارسي وأروقة الدبلوماسية المعقّدة، هناك خيط رفيع يتقن الإيرانيون حياكته بالصبر وطول البال؛ وهي مهارة ظهرت بوضوح واعترف بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى: "إيران لم تكسب حرباً قط، لكنها لم تخسر أيّ مفاوضات" بحسب رأيه.
تحكي شيرمان في مذكّراتها كيف باغتها نظيرها الإيراني إلى الطاولة، عباس عراقتشي، بعد سنتين من المباحثات المرهقة. فبينما كانت المفاوضات تقترب من نهايتها، طلب عراقتشي فجأة إعادة فتح النقاش حول نقطة كانت قد حُسمت بالفعل. في تلك اللحظة، رُفع الستار عن وجه إنساني غير معتاد في هذه المواقف؛ فقد نفد صبر شيرمان وانفجرت باكية من شدة اليأس والإحباط قائلة:
"كفى.. تجاوزنا الموعد النهائي، والكونغرس على وشك الدخول في عطلة.. أنتم تخاطرون بكلّ ما عملنا من أجله". وأمام هذه الدموع المفاجئة، شعر الإيرانيون بجدّية الموقف وقرّروا التوقف عند هذا الحدّ".
هذه الرواية لا تُذكر لمجرّد التسلية، بل لتلخّص عقيدة التفاوض الإيرانية وقدرتها على اللعب بأعصاب الخصم حتى اللحظة الأخيرة. فالتفاوض بالنسبة لطهران هو امتداد للصراع نفسه وليس وسيلة لإنهائه.
خلال أزمة البرنامج النووي بين عامي 2003 و2015 وعلى مدار أكثر من 12 عاماً، تغيّرت وجوه ورؤساء وحكومات في واشنطن وأوروبا، وتوالت العقوبات والتهديدات العسكرية، بينما بقي الوفد الإيراني يجلس إلى الطاولة بالنهج الهادئ و"المستفز" ذاته، ليرسّخ في أذهان العالم صورة الصبر الاستراتيجي التي يتّبعها المفاوض الإيراني، ولهذا فإنّ رهان طهران لم يكن يوماً على التفوّق العسكري فقط، بل على الصبر الاستراتيجي أيضاً، وعلى إطالة أمد الصراع إلى الحدّ الذي تصبح فيه كلفته على الخصوم أعلى من قدرتهم على تحمّله. لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ القوى الكبرى نادراً ما تقبل الهزيمة الاستراتيجية من دون قتال.
تحوّلت الحرب إلى حرب استنزاف طويلة، فهو الخيار الذي بدأ يتحقّق فعلياً، لأنّ الحرب فقدت طابعها الخاطف وأصبحت اختباراً مفتوحاً للقدرة على الاحتمال، فإيران تراهن على الزمن، وعلى اضطراب أسواق الطاقة، وعلى حساسية الرأي العامّ في الغرب تجاه الحروب الطويلة، وعلى هشاشة التوازنات في المنطقة، والأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت المنطقة ستشهد تسوية جديدة أم حرباً شاملة تعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط بالكامل.
صبر صُنع من ذهب
طوّرت إيران عبر تاريخها الطويل ثقافة سياسية واستراتيجية قائمة على إدارة الصراع من منظور زمني ممتدّ، حيث لا يُنظر إلى الوقت بوصفه عاملاً محايداً، بل باعتباره مورداً استراتيجيًاً يمكن توظيفه لتحقيق أهداف سياسية وأمنية بعيدة المدى. ومن هذا المنطلق برز ما يمكن تسميته بـ(فنّ الصبر) في السياسة الإيرانية، وهو نهج يقوم على تجنّب المواجهات الحاسمة قبل تهيئة الظروف المناسبة لها، واستثمار عامل الزمن في استنزاف الخصوم وإعادة تشكيل موازين القوى تدريجيًاً.
ولا يقتصر مفهوم الصبر في الحالة الإيرانية على البعد السياسي فحسب، بل يمتد إلى الجوانب التاريخية والثقافية والدينية التي أسهمت مجتمعة في تشكيل رؤية خاصّة لإدارة الأزمات. وهناك مثل إيراني شعبي يلخِّص النهج الإيراني في عملية البلورة: "صبرٍ كه در آن از طلا ساختند" (الصبر الذي صُنع منه الذهب).
فالعالم الغربي المعاصر أمام جوهر جديد لم يعرفه من قبل، وهو جوهر الصبر الذي تنتهجه طهران، الذي يقيم صراعه على فلسفة المفاجأة، ومنع الآخر من تعزيز القوّة، وتقليل الخسائر بالردّ سريعاً وقبل أن يقوم الآخر بالتحرّز. كما يقوم جوهر هذا الصبر على إرهاق العدو نفسيًاً، وإجباره على الاستعداد المستمرّ، وإضعاف الانسجام الداخلي، ويظلّ عنصر المفاجأة فيه حاضراً. ومن إشارات ذلك وضوح الرؤية لدى اليمن الذي استلم زمام حرب البحار باقتدارٍ، وعلى مراحل. وممّا يزيد في رجحان مبدأ الصبر على السرعة بأنه مبدأٌ جديد لم يعهده الغرب، ولا الناس المتأثّرون بثقافته، حيث الطعام سريع، والتواصل سريع، واليوم يمرّ لديهم بسرعة.
الاقتصاد المقاوم
أظهرت التجربة الإيرانية أنّ الزمن يمكن أن يتحوّل إلى أداة قوة لا تقلّ أهمية عن القدرات العسكرية أو الاقتصادية. فمن خلال توظيف الصبر الاستراتيجي، استطاعت إيران في العديد من المحطّات تجنّب الضغوط المباشرة، واستنزاف خصومها، والحفاظ على قدر من المرونة في مواجهة التحوّلات الدولية. ومع ذلك، من الضرورة الإشارة إلى أنّ نجاح هذه الاستراتيجية ليس مضموناً بصورة دائمة، إذ يعتمد على طبيعة البيئة الإقليمية والدولية، وعلى قدرة إيران نفسها على التكيّف مع التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتزايدة. ومع استمرار التحوّلات الجيوسياسية في "الشرق الأوسط" والعالم، سيبقى فنّ الصبر أحد المفاتيح الأساسية لفهم التوجّه الإيراني في الفترات المقبلة التي ستزداد فيها العقوبات بهدف خنق المجتمع الإيراني.
وفي مواجهة العقوبات الاقتصادية المتزايدة هذه، كانت القيادة الإيرانية قد تبنّت مفهوم الاقتصاد المقاوم باعتباره إطاراً للتكيّف مع الضغوط الخارجية. ويقوم هذا المفهوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتنويع الشراكات الاقتصادية الدولية. ورغم التحدّيات الكبيرة التي واجهتها إيران، فقد ساعد هذا النهج على الحدّ من آثار العقوبات ومنح صانع القرار الإيراني هامشاً زمنيًاً أوسع لمواصلة سياساته الإقليمية والدولية.
إنّ هذه المواجهة ليست مجرّد حرب تقليدية، بل صراع إرادات وسيكولوجيات قيادية، حيث تتقاطع الرؤية العقائدية الإيرانية القائمة على الصبر والتحمّل مع عقلية القيادة الأميركية القائمة على الهوس بالنتائج السريعة والصفقات. ومن هنا تنشأ معادلة استراتيجية معقّدة: من سيُجبر الآخر على اللعب ضمن إيقاعه الزمني والفكري؟
هكذا برزت إيران كأمة اختبرت عقوداً من الحصار والعزلة، ونجحت في تحويل الاستنزاف المستمرّ إلى أداة قوة وصمود استراتيجي، وهي تكشف للعالم أنها لا تلعب النرد وتغامر في حماية أمنها القومي، الاجتماعي منه والاقتصادي، بل هي تواجه أعداءها وخصومها بلعبة الشطرنج التي تعتمد على العقل، ودائماً يعتبر العقل الشرع الأعلى في المواجهات المقبلة.