الولايات المتحدة: الهيمنة والطاقة فوق القانون الدولي
تحت ذرائع الديمقراطية والعدالة بدأ جيل جديد من الحروب اصطُلحت تسميته بـ "الحروب اللامتماثلة" أو "الهجينة"، والتي تعتمد على تفتيت المجتمعات وإسقاط الحكومات التي تقف عثرة أمام المصالح الأميركية.
-
من الديمقراطية إلى الحروب الهجينة: أدوات الهيمنة الجديدة (أرشيف).
يشهد النظام العالمي اليوم تغيّراً جوهرياً في كينونته السائدة منذ الحرب العالمية الثانية، حيث أسست تلك المرحلة الحوكمة العالمية ونظام الأمم المتحدة القائم على حفظ الأمن والسلم الدوليين، وذلك عبر اتفاقية متعدّدة الأطراف يضطلع جميع أعضاء المجتمع الدولي بمسؤولياتهم تجاه تطبيق ميثاقها ومبادئها، والتي كانت سائدة حتى في مرحلة الحرب الباردة.
ولكن ومع انتهائها "اسمياً" وليس "عملياً" حيث انتهى الصراع الأيديولوجي وبدأ صراع اقتصادي ـــــ طاقوي قائم على السيطرة على الموارد، ومع تفكّك الاتحاد السوفياتي اتجهت الولايات المتحدة إلى صياغة نظام دولي قائم على خدمة مصالحها المتمثّلة بالسيطرة على الموارد وشرايين الطاقة في العالم.
من الديمقراطية إلى الحروب الهجينة: أدوات الهيمنة الجديدة
وتحت ذرائع الديمقراطية والعدالة الإنسانية بدأ جيل جديد من الحروب اصطُلحت تسميته بـ "الحروب اللامتماثلة" أو "الهجينة"، والتي تعتمد على تفتيت المجتمعات من الداخل وإسقاط الحكومات التي تقف عثرة أمام المصالح الأميركية.
كما استخدمت ما يسمّى الحروب بالوكالة كتكلفة متدنية وأثمان أقل، معتمدة على "القوة الذكية" التي تدمج "الناعمة" القائمة على إغراء العقول وكسب القلوب، و"الصلبة" القائمة على الاستخدام أو التلويح باستخدام القوة العسكرية فخاضت حروباً نفسية، إعلامية، ثقافية واقتصادية وعقوبات أحادية استخدمت فيها كلّ الوسائل المتاحة، سواء بتغطية أممية أو خارج الشرعة الأممية في سبيل تحقيق الاستراتيجية العليا القائمة على تثبيت نظام دولي يدور في فلكها ويحفظ لها مكانتها ومصالحها وهيمنتها ويمكّنها من التحكّم بالاقتصاد العالمي.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أننا لا نتحدّث عن ما يصطلح تسميته بـ"نظرية المؤامرة" بل من منظور المصالح لا القيم فهي تقوم وفق الواقعية السياسية باستثمار شتى الأدوات لتحقيق أكبر قدر من المكاسب حتى لو كان الثمن تجاوز القانون الدولي ومؤسساته.
تحوّلات السياسة الخارجية الأميركية تحت ضغط الأزمات الداخلية
ويمكن لمراقب السياسة الخارجية الأميركية أن يلاحظ بأنها باتت تشهد تحوّلاً نوعياً في سياستها الدولية، وبشكل خاص مع تقاطع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية مع الاستراتيجية الخارجية القائمة على القوة الصلبة والسياسات القسرية، إذ لم تعد السياسة الخارجية الأميركية أداة لإدارة النظام الدولي لخدمة سياستها الداخلية فحسب، بل باتت أداة لإعادة إنتاج شرعية القيادة داخلياً خاصة في ظلّ شخصية قيادية مثل ترامب التي تميل إلى القرارات المباشرة والرمزية واستخدام دبلوماسية التحالفات، وتوظيف القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لتحقيق أهداف مزدوجة داخلياً وخارجياً في سيناريو يحاكي فيه مجريات القرن التاسع عشر عبر التفرّد بالقرارات بعيداً عن أيّ حوكمة دولية ترعى أيّ تفاهم.
فمن ناحية الأزمات الداخلية الأميركية التي تفسّر نوعاً ما سياسة الولايات المتحدة الخارجية وتحديداً توجّهات ترامب الحالية، فهناك أزمة اقتصادية يشهدها الاقتصاد الكلي الأميركي حيث تجاوز الدين العام حاجز الـ37 تريليون دولار للمرة الأولى في التاريخ بحسب بيانات الخزانة الأميركية، ما يعني أنّ الديون اليوم تبلغ نحو 126.79% من الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ في العام 2024 نحو 29.18 تريليون دولار، وهذا ما يحدّ من قدرة الحكومة الفيدرالية على تمويل الخدمات الاجتماعية والسياسات الخارجية المكلفة، ولا سيما مع تحذيرات صندوق النقد الدولي في نيسان/أبريل 2024 من أنّ المستوى القياسي للديون الحكومية الأميركية يهدّد الاستقرار المالي العالمي، وهناك تحذيرات من أن يبلغ الدين الأميركي 130% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر المقبلة..
الحمائية الاقتصادية والانسحاب من الحروب المكلفة
لذا نجد الولايات المتحدة في ظلّ إدارة ترامب توجّهت إلى توطين الصناعات وفرض الرسوم الجمركية على الواردات وسياسات مناهضة للهجرة، في مسعى للحدّ من مستوى الدين العامّ في الداخل ومساعٍ للحدّ من الحروب المكلفة في الخارج، وقرارات حاسمة بما يتعلّق بتمويل الحرب في أوكرانيا أو الشرق الأوسط واستبدالها بصفقات "سلام" اقتصادية واستثمارية واعدة (كاتفاق باريس بين سوريا و"إسرائيل") ومساعٍ للسيطرة على الممرات والعقد الاستراتيجية.
الانقسام المجتمعي وصعود الأولغيشارية
ناهيك عن ارتفاع التضخّم مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الطبقات المجتمعية وخاصة الطبقة الوسطى الأميركية، وهذا يخلق شعوراً بعدم العدالة الاقتصادية رغم أنّ هذا أمر طبيعي بالنظر إلى صياغة الدستور الأميركي من قبل آباء الدستور الذي لحظ أولاً مصالح الاقتصاديين في "أوراق فيلادلفيا"، ولكنّ التطوّر الذي طرأ على الدستور والقوانين والسوق الحرّة ومبادئ الليبرالية منحت نوعاً ما من العدالة الاقتصادية، والتي بدأت تتلاشى حتى لو كانت مقنعة سابقاً وفردية مطلقة، لكنها أدت إلى خلل في ميزان الثروات وبروز فئة "أولغيشارية" تتحكّم بالقررات الداخلية والخارجية لخدمة مصالحها الاقتصادية.
ناهيك عن ظهور الـ"easy mony" ودوره في إحداث هذا الخلل في الهيكل الاقتصادي والنقدي للثروة، ما أدى إلى انعكاس الاقتصاد على السياسة باعتبار أنّ الاقتصاد هو الوجه الآخر للسياسة وأيّ خلل بأحدهما يؤثّر بشكل تلقائي على الآخر، كما أنّ أيّ تطوّر إيجابي ينعكس على الآخر، وهذا ما انعكس على تفاعل المجتمع الأميركي أفقياً وعمودياً، فشهدت الولايات المتحدة انقساماً اجتماعياً عميقاً واستقطاباً حزبياً حادّاً، بل وظهور أحزاب جديدة ترافقت مع صعود خطاب القومية والانغلاق الذاتي مع التشديد على القيادة الحازمة، وربما هذا ما يفسّر تأكيد ترامب أهمية "مبدأ مونرو" القائل بالعزلة.
السياسة الخارجية كأداة انتخابية
وبكلّ الأحوال يبدو أنّ الأزمات الداخلية الحالية دفعت بالإدارة الأميركية إلى تحويل الانتباه عن المشكلات الاقتصادية والبنيوية في الداخل إلى استخدام السياسة الخارجية كأداة لتعبئة القاعدة الانتخابية، وهو أسلوب متبع من نتنياهو للتغطية على الفشل أو الهروب نحو الأمام.
فيما يبدو أنّ عقلية ترامب أثّرت على السياسة الخارجية من خلال التركيز على "أميركا أولاً"، وبروزها بشكل واضح في استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025، وبناء تحالفات قائمة على المنفعة الاقتصادية في ما يسّمى بدبلوماسية التحالفات، ووضوح أولوية الاقتصاد الوطني ونهاية العولمة التقليدية وتقليل الالتزامات العسكرية غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات الوجود الأميركي العالمي بهدف تحويل السياسة الخارجية عن الضغوط الداخلية، وتوظيف الأحداث الخارجية كأدوات انتخابية خصوصاً خلال الانتخابات النصفية وهذا ما شهدناه في ولايته الأولى ونشاهده في ولايته الحالية.
الطاقة والممرات الاستراتيجية: جوهر الصراع العالمي
ولا ننسى تأثير جيوبولتيك الطاقة والممرات الاستراتيجية في هندسة السياسة الخارجية الأميركية، فرغم أنّ الولايات المتحدة تنتج نحو 14.8 مليون برميل من النفط يومياً لكنها تستهلك نحو 19.7 مليون برميل يومياً، وبالتالي فإنّ ميزان الاستهلاك مرتفع ما يدفعها إلى التعويض عبر السيطرة على مكامن الطاقة في العالم، مع العلم أنّ صادراتها من الطاقة تعادل نحو 30% من الإنتاج المحلي، ناهيك عن كونها تمتلك أكبر إنتاج عالمي مع قدرتها على تصدير الغاز المسال.
وهنا تأتي أهمية السيطرة على فنزويلا بالرغم من خطورة تهريب المخدّرات وتأثيرها على الداخل الأميركي، غير أنّ الأهمّ ما تتمتّع به فنزويلا من ثروة نفطية حيث يعادل إنتاجها نحو 1.1 مليون برميل يومياً و303 مليارات برميل كاحتياطات مثبتة، ناهيك عن أهميتها الجيوبولتيكية التي تمنحها القدرة على التحكّم بأسواق النفط العالمية وتوازن القوى في نصف الكرة الغربي.
وربما هذا ما دفع ترامب إلى انتهاج سياسة توسّعية تجاه دول أميركا اللاتينية تحت شعار تطبيق "مبدأ مونرو" الذي يعنى بالجزء الغربي من الكرة الأرضية كامتداد جغرافي للولايات المتحدة وتوسيع لجيوبولتيك السيطرة الأميركية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أننا عندما نتحدّث عن ترامب لا نتحدّث عن صانع قرار بل عن مدير تنفيذي يعنى بتنفيذ القرارات التي يصنعها المتنفّذون أو الأجنحة داخل الدولة العميقة، وعليه فإنّ امتداد تأثير الجيوبولتيك الأميركي لا ينحصر في دول أميركا اللاتينية ولا يقتصر على "مبدأ مونرو" بل يمكن ملاحظته في نظرية "قلب العالم" لدى ماكيندر وسبيكمان وكوهين وكذلك برجينسكي، والتي تفسّر الصراعات الكبرى الحالية على اعتبار أنّ الجغرافيا تبقى ثابتة رغم صعود الحروب السيبرانية والتطوّر التكنولوجي.
من بنما وغيرنلاند إلى هرمز والسويس: صراع السيطرة على شرايين العالم
ومن هنا، تأتي أهمية قناة بنما التي يمرّ خلالها يومياً نحو 2.1 مليون برميل من النفط، ومضيق هرمز الذي يمرّ خلاله نحو 20.9 مليون برميل نفط يومياً، وباب المندب وقناة السويس كنقاط حسّاسة للتجارة العالمية، وجزيرة غرينلاند كبوابة على القطب الشمالي "الجبهة الشمالية" لقلب العالم، الذي بدأت تتضح معالم ثرواته الغنية مع مؤشرات ذوبانه مما يفتح ممرات تجارية وعسكرية جديدة تعزّز حصانة القوى التي تسيطر على شمال أوراسيا، وجزيرة تايوان كمركز عالمي لأشباه المواصلات أو ما يصطلح تسميته بطاقة المستقبل، ومنطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط ككلّ كأحزمة تحطّم في قلب العالم وكمصادر للنفط والغاز وما تضمّه من مضائق استراتيجية حسّاسة وحاسمة في الصراع الدولي، وربما هنا تأتي الرغبة الأميركية في السيطرة على إيران في سيناريو يحاكي السيطرة على فنزويلا بذرائع إنسانية وحماية أمن الطاقة و"إسرائيل"..
وبالتالي فإنّ الرؤية الاستراتيجية الأميركية تقول بأنّ السيطرة على الممرات أو شرايين الطاقة والتجارة يمنحها أداة قوة استراتيجية حاسمة في العلاقات الدولية.
تفسير سلوك الولايات المتحدة في ضوء العلاقات الدولية
وبما أنّ الصراعات اليوم ذات طابع جيوبولتيكي طاقوي ومن يسيطر على الطاقة وممراتها يسيطر على العالم، بالتالي يمكننا قراءة الأفعال الأميركية من عدة اتجاهات:
1- وفق النظرية الواقعية في العلاقات الدولية فيبدو أنّ استخدام القوة من قبل الولايات المتحدة يعكس إرادتها في حماية مصالحها الحيوية المتمثّلة بمنابع وممرات الطاقة، رغم أنّ هذه القوة في العلاقات الدولية تحمل تكاليف استراتيجية طويلة الأمد لكنها تحقّق مكاسب مرحلية.
2- فيما تفسّر النظرية الليبرالية تجاوز الولايات المتحدة للمؤسسات الدولية بقراراتها وتصرّفاتها واستخدامها للعقوبات الأحادية، وإعلائها للقانون الأميركي على القانون الدولي ما يقلّل من شرعيّة قيادتها ويضعف تحالفاتها المستقبلية.
3- أما تصوير الخصوم كتهديدات وفق النظرية البنائية فهذا يبرّر قوتها داخلياً، لكنه يسرّع في الوقت نفسه استقطاباً دولياً مضاداً وهذا ما رأيناه من دول الجنوب العالمي.
إعلاء القانون الأميركي على القانون الدولي
كما لا ننسى بأنّ الولايات المتحدة تستخدم القوة خارجياً لاستثمارها انتخابياً، وهنا يمكن توظيف اعتقال الرئيس الفنزويلي كرمز للقوة والردع السياسي داخلياً، والقول بأنّ القانون الأميركي هو الأعلى أممياً متجاوزة الحصانات الرئاسية والحصانة السيادية للدول، وبالتالي يمكنها استخدام هذا الحدث لكسب دعم القاعدة الانتخابية وتحديداً اليوم وهي على أبواب انتخابات نصفية قد تقلب موازين الحكم لصالح الديمقراطيين، وتفقد ترامب الكثير من رصيده لدى الجمهوريين ولكنه في الوقت عينه يثير انتقادات قد تقلب عليه بسبب التجاوزات الدستورية وارتفاع الكلفة الخارجية.
مستقبل الهيمنة الأميركية
وعليه فإنّ مستقبل الولايات المتحدة وفق هذه السياسات والتوجّهات قد يواجه عدة سيناريوات منها:
1- تفعيل الهيمنة القسرية عبر استمرار التدخّل للسيطرة على مصادر الطاقة وممراتها ومحاولة فرض "السلام بالقوة" وما ينتج عنه من استقرار هشّ في دول الصراع ومراكز الصدع الجيوبولتيكية وهذا ينتج كلفة شرعية متزايدة.
2- يمكن تجاوز ذلك عبر سيناريو آخر يقول بالاحتواء الذكي عبر دمج القوة الصلبة بالقوة الذكية القائمة على الدبلوماسية متعدّدة الأطراف، والقوة الناعمة القائمة على الإعلام ودبلوماسية التحالفات الثنائية التي ينتهجها حالياً دونالد ترامب مع منح غطاء أممي لتلك التحالفات لخفض الكلفة وتعزيز الشرعية.
3- وإلا سنكون ربما أمام سيناريو التراجع النسبي للهيمنة الأميركية عبر الانكفاء على الداخل والقبول بالتعددية القطبية وتقليل الصدامات مع القوى المنافسة، وربما انسحاب الولايات المتحدة من معظم المعاهدات الدولية متعددة الأطراف يوحي بتغيير جذري في سياستها الخارجية، إن دلت على شيء تدل على أنها تريد التنصّل من كلّ ما يمكن أن يكبّل تحرّكاتها للهيمنة والسيطرة كما لو أنها عادت نحو القرن التاسع عشر بإجراءاتها وتصرّفاتها ليطغى منطق القوة على قوة المنطق.
4- ويبقى السيناريو الأقرب كما تقول الدكتورة ليلى نقولا في خاتمة كتابها العلاقات الدولية من تأثير القوة إلى قوة التأثير "بكلّ تأكيد لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، ولن تستطيع الولايات المتحدة العودة إلى حقبة التسعينيات، ومبادئ القرن التاسع عشر في العلاقات الدولية، مع فارق أكيد أنّ الردع النووي سيبقى يمنع أيّ حرب كبرى بين الدول العظمى".