الكلمة في قلب النار؛ علي شعيب وفاطمة فتوني شاهِدا الأرض حتى الشهادة
لم يعد علي شعيب وفاطمة فتوني مجرّد صحافيين ميدانيين، بل تحوَّلا إلى شاهدين على الحقيقة حتى لحظة الفداء.
في زمنٍ تتقدَّم فيه الحروب على الوعي بقدر ما تتقدَّم على الجغرافيا، يتحوَّل الإعلام الميداني إلى خط تماس أول، تتكثَّف فيه معاني المواجهة بين الحقيقة والتزييف. وفي هذا المشهد، برز كلٌّ من علي شعيب وفاطمة فتوني كصوتين أصيلين خرجا من قلب الأرض، لا لينقلا الحدث فحسب، بل ليصوغا روايته ويحصِّنا وعيه في وجه محاولات الطمس والتشويه.
لم يكن حضورهما في الميدان تفصيلاً عابراً، بل كان امتداداً عضوياً لنبض الجنوب، حيث تختلط الكلمة برائحة التراب، وتصبح الكاميرا شاهداً على لحظةٍ تاريخية تتشكَّل تحت النار. في تقاريرهما، لم يكن الخبر مجرّد مادة إعلامية، بل تجربة حيَّة تُنقل بكلّ أبعادها؛ دقة في المعلومة، عمق في القراءة، وجرأة في الاقتراب من خطوط الخطر. استطاعا أن يلتقطا التفاصيل الصغيرة التي تصنع الصورة الكبرى، وأن يربطا بين الحدث الآني وسياقه الاستراتيجي، ما منح المتلقّي فهماً أوسع وأعمق لما يجري.
لقد أسَّسا، عبر عملهما، لنموذج إعلامي يتجاوز الحياد الخجل إلى التزام واعٍ بالحقيقة. هذا الالتزام لم يُفقدهما المهنية، بل على العكس، عزّز صدقيّتهما وجعل من منصّاتهما مصدراً موثوقاً لجمهور يبحث عن رواية غير مشوّهة. فحين كانت آلة الاحتلال الإعلامية تسعى إلى فرض سردية أحادية، كانا يفتحان نوافذ على واقعٍ مغاير، يكشف التناقضات ويعيد الاعتبار للوقائع كما هي.
وفي لحظات القلق الشعبي، أدّت تقاريرهما دوراً يتجاوز الإخبار إلى التثبيت النفسي والمعنوي. لم تكن لغتهما تعبويِّة سطحية، بل خطاباً يستند إلى الوقائع، ويستمدّ قوته من صلابة الميدان نفسه. من خلالهما، شعر الناس أنّ هناك من يواكب نبضهم، ينقل مخاوفهم كما ينقل صمودهم، ويعيد صياغة الأمل بوصفه نتيجةً طبيعية لمسارٍ يتراكم فيه الفعل المقاوم.
أما في توثيق بطولات رجال المقاومة، فقد قدَّما مادة إنسانية وميداِنية غنية، نقلت صورة المقاتل بعيداً عن القوالب النمطية، وأظهرت البعد الإنساني للتضحية. لم يكن التوثيق استعراضاً، بل تثبيتاً للذاكرة، وبناءً لسرديةٍ ستبقى شاهدة على مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة.
غير أنّ ذروة هذا المسار لم تكن في أيّ تقرير أو تغطية، بل في الخاتمة التي اختاراها – أو التي فرضها عليهما هذا الطريق. فقد ختما مسيرتهما الصحافية بالشهادة الميدانية، حين استهدفتهما غارة جوية إسرائيلية أثناء قيامهما بواجبهما الإعلامي، في لحظةٍ تختصر المعنى الكامل للالتزام؛ أن تكون الكلمة في قلب الخطر، وأن يبقى الصوت حاضراً حتى آخر نفس.
بهذا المعنى، لم يعد علي شعيب وفاطمة فتوني مجرّد صحافيين ميدانيين، بل تحوَّلا إلى شاهدين على الحقيقة حتى لحظة الفداء. لقد امتزجت الكاميرا بالدم، والكلمة بالموقف، لتصبح تجربتهما جزءاً من سرديةٍ أكبر، تُكتب فيها الحقيقة بأثمانٍ باهظة، لكنها تبقى عصيَّة على النسيان.
إنها حكاية إعلام لا يكتفي بأن يرى، بل يختار أن يكون في قلب ما يُرى؛ إعلامٍ يعرف أنّ أخطر ما في المعركة ليس فقط ما يجري على الأرض، بل كيف يُروى. وفي هذا الاختبار، نجحا في أن يكونا صوت الأرض وصورتها… حتى الشهادة.