الصراع الأميركي - الصيني: كيف تحوّلت فنزويلا وإيران إلى ساحتي اشتباك؟

الصراع الأميركي - الصيني ليس صراعًا على دولة بعينها، بل معركة على من يكتب قواعد النظام الدولي المقبل.

  • الصراع الأميركي - الصيني ليس صراعًا على دولة بعينها (وسائل التواصل الاجتماعي).
    الصراع الأميركي - الصيني ليس صراعًا على دولة بعينها (وسائل التواصل الاجتماعي).

لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة والصين مجرّد تنافس بين قوتين عظميين على النفوذ، بل بات مواجهة مفتوحة على مستقبل النظام الدولي نفسه. صراع لا تُطلق فيه الجيوش مباشرة، بل تُستخدم فيه أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة: الطاقة، والعقوبات، والممرات البحرية، والانقلابات الناعمة.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما يجري في فنزويلا وإيران بمعزل عن المواجهة الكبرى مع الصين، فهاتان الدولتان ليستا "أزمات مستقلة"، بل تمثلان نقاط تماس مركزية في الحرب الأميركية غير المعلنة على الصعود الصيني.

الصين: الخطر الذي يهدد أساس الهيمنة الأميركية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الهيمنة الأميركية على ثلاثة أعمدة رئيسية: التحكم في النظام المالي العالمي، والسيطرة على الطاقة، وضمان التفوق في سلاسل الإمداد.

اليوم، تضرب الصين هذه الأعمدة واحدًا تلو الآخر. اقتصاد ضخم يقترب من موقع الصدارة عالميًا، نفوذ صناعي يجعلها "مصنع العالم"، وسيطرة شبه احتكارية على المعادن النادرة، وتوجه واضح لفك الارتباط بالدولار عبر الذهب والتحالفات الاقتصادية البديلة.

بالنسبة إلى واشنطن، هذا ليس تحديًا اقتصاديًا، بل يعد تهديدًا وجوديًا، فالتاريخ يُظهر أن أي إمبراطورية تفقد سيطرتها على المال والطاقة، تبدأ العدّ التنازلي لأفولها.

الطاقة: سلاح الحرب الصامتة

تعتمد الصين بشكل أساسي على استيراد النفط لتشغيل اقتصادها الصناعي الهائل. هذا الاعتماد، الذي يشكل نقطة قوة في زمن الاستقرار، يتحول إلى نقطة ضعف قاتلة في زمن الصراعات الكبرى.

أي اضطراب في إمدادات الطاقة يعني تباطؤ النمو، وارتفاع التكاليف، واختلال الاستقرار الاجتماعي. من هنا، يصبح استهداف شرايين الطاقة الصينية خيارًا استراتيجيًا مفضّلًا لواشنطن، لأنه يحقق الضرر المطلوب من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة.

فنزويلا: كسر أحد مصادر النفط الصينية

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. وقد كانت خلال السنوات الماضية من أبرز المزودين للصين، إضافة إلى كونها جزءًا من شبكة مالية تقوم على "النفط مقابل القروض".

التصعيد الأميركي ضد كاراكاس لا يمكن فصله عن هذه الحقيقة، فما جرى ليس صراعًا على "الديمقراطية" أو "حقوق الإنسان"، بل خطوة محسوبة تهدف إلى:

تقليص تدفق النفط نحو الصين.

ضرب الاستثمارات الصينية طويلة الأمد في قطاع الطاقة الفنزويلي.

تأمين مصدر بديل للولايات المتحدة في حال انفجار أزمة نفطية أوسع.

بهذا المعنى، شكّلت فنزويلا أول اختبار عملي لاستخدام الطاقة كسلاح مباشر في المواجهة مع بكين.

إيران: الجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها

إذا كانت فنزويلا تمثل أحد مصادر النفط، فإن إيران تمثل العقدة الجيوسياسية الأخطر. إلى جانب كونها موردًا مهمًا للطاقة للصين، تتحكم إيران في مضيق هرمز؛ الشريان البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.

أي توتر عسكري في هذه المنطقة، حتى وإن كان محدودًا زمنيًا، كفيل بإحداث صدمة اقتصادية عالمية، لكنها ستكون أكثر قسوة على الصين، بحكم اعتمادها المرتفع على الواردات.

من هنا، يتضح أن التصعيد المستمر ضد طهران يتجاوز الملف النووي أو أمن إسرائيل، ليصل إلى محاولة إبقاء أمن الطاقة الصيني تحت التهديد الدائم، ومنع بكين من الاطمئنان إلى استقرار إمداداتها الحيوية.

حرب بلا إعلان

ما نشهده اليوم هو حرب عالمية بصيغة جديدة: لا جبهات تقليدية، ولا بيانات حرب رسمية، بل اشتباك طويل الأمد متعدد الساحات.

روسيا تُستنزف في أوكرانيا.
الصين تُحاصر اقتصاديًا وجيوسياسيًا.
الولايات المتحدة تعيد رسم خرائط النفوذ.

الصراع الأميركي - الصيني ليس صراعًا على دولة بعينها، بل معركة على من يكتب قواعد النظام الدولي المقبل. فنزويلا وإيران ليستا سوى محطتين في هذه المواجهة المفتوحة، حيث تُستخدم الطاقة والجغرافيا كسلاحين رئيسيين.

وإذا كان القرن الحادي والعشرون قد بدأ بوهم "نهاية التاريخ"، فإنه يواصل مساره اليوم بمنطق الصراع الإمبراطوري القديم، لكن بأدوات أكثر نعومة.. وأكثر خطورة.