السعودية ومصر.. في مواجهة الإمارات!
إذا ما أرادت السعودية جذب مصر إلى جانبها في مواجهة رسم الخرائط الجديدة للشرق الأوسط، عليها أن تحرّرها من تأثير الاستثمارات الإماراتية، فيما لو احتدّت المواجهة بين الأخيرة ومصر.
-
أزمات المنطقة... زادت من التقارب المصري-السعودي (أرشيف).
تحار مصر في حسم أمرها لجهة المفاضلة بين السعودية والإمارات، في الوقت الذي لم تعد بوسعها البقاء في الوسط، والاستفادة من دعمهما للاقتصاد المصري والاستثمار فيه. وذلك، بعدما دبّ الخلاف بين الرياض وأبو ظبي في اليمن، فاختارت القاهرة الأولى على الثانية، نتيجة التقاء رؤيتيهما الاستراتيجية في ظل المتغيرات الجيوسياسية العاصفة في الإقليم، والتي جعلت أمنهما القومي على المحك.
فكما التطورات الأخيرة في اليمن دقت ناقوس خطر الأمن القومي السعودي، الأمر نفسه ينسحب على تطورات الحرب في السودان، بين الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان و"قوات الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" ، بحيث وصلت الأمور إلى وضع بات يشكل خطراً داهماً على الأمن القومي المصري. وفي الحالتين، للإمارات الدور الرئيسي فيما يحدث.
أزمات المنطقة... زادت من التقارب المصري-السعودي
عليه، ونتيجة ظهور الخلافات السعودية الإماراتية على السطح، وضعت الرياض استراتيجية مواجهة شاملة لأبو ظبي، تخطت الموضوع اليمني، وامتدت إلى غير دولة عربية، وهذا ما دفعها إلى التقارب مع جمهورية مصر العربية، والذي نتج عنه التنسيق الأخير بين القاهرة والرياض بشأن هذه الملفات، جاء ذلك مدفوعاً بـمخاوف مشتركة من تنامي نفوذ دولة الإمارات عبر النزاعات المذكورة، وكان من شأن هذه المخاوف صرف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان، عن الخلافات القائمة بينهما حول القيادة السياسية في المنطقة.
بطبيعة الحال، لم تحتج السعودية دعماً عملياتياً مصرياً في الموضوع اليمني، فكان من السهل عليها حسم الأمر في حديقتها الخلفية، لكن الموضوع السوداني معقد جداً، ولا سيما بعد أن مالت دفة القتال إلى جانب "الدعم السريع"، التي تمكنت من السيطرة على مدينة الفاشر، وسيطرتها قبلاً على الولايتين الجنوبيتين، دارفور وكردفان. فكان لا بدّ من أن تمد المملكة يدها إلى مصر، المعنية أكثر منها في هذا الملف.
استقرار السودان... مصلحة مصرية - سعودية
فإذا كانت السعودية ترى في الفوضى على الضفة الغربية للبحر الأحمر تهديداً مباشراً لمشاريعها العملاقة ولممرّات الملاحة، فمصر تواجه أعقد الأزمات التي عرفتها حدودها الجنوبية منذ عقود، وهي الأزمة السودانية التي لم تعد مجرد حرب أهلية في دولة مجاورة، بل تحولت إلى مسألة إقليمية عميقة التأثير على الأمن القومي المصري، ولا سيما مع تمدد الصراع، وتشظي القوى العسكرية والسياسية السودانية، وتزايد الانخراط الإقليمي والدولي في مسارات الحرب.
وبالتالي، صار لزاماً على مصر بذل جهود جبارة لوضع حد لتلك الحرب المتفاقمة، والتي تنذر بتقسيم جديد للسودان، واتجاه مزيد من اللاجئين السودانيين إلى مصر، وزعزعة أمن وادي النيل، وصولاً إلى تعثر ممر نفوذ أو تأثير القاهرة إلى القرن الأفريقي.
مصر... تغلق مثلث العوينات
وأولى مهمات مصر في هذا الصدد، تتمثل بمنع وصول الدعم الإماراتي إلى "قوات الدعم السريع"، والذي يمر بمعظمه عن طريق مثلث الحدود المصرية الليبية السودانية. بحيث تتولى قوات الفريق خليفة حفتر هذه المهمة، وهذا ما دعا القاهرة إلى استدعاء نجله اللواء صدام حفتر، والطلب إليه بأن الوضع القائم جنوب غربي مصر لم تعد تسمح به القاهرة بعد اليوم، على الرغم من العلاقة الجيدة مع الجانب الليبي المسيطر في تلك المنطقة.
مع العلم، وفي وقت سابق للتحذيرات الموجّهة إلى صدام حفتر، نفذ سلاح الجو المصري غارة استهدفت قافلة عسكرية عبرت من الأراضي الليبية في طريقها إلى مناطق خاضعة لسيطرة "قوات الدعم السريع" في السودان، حيث جرى تدميرها قرب المثلث الحدودي، المعروف بمثلث العوينات. الواقع جنوب غربي مصر وجنوب شرقي منطقة الكفرة الليبية.
علماً أن منطقة العوينات، هي في الأصل ممر تهريب للبشر والسلاح والمخدرات عن طريق عصابات مارقة، يمكن تصنيفها بأنها محدودة التأثير. لكن اليوم، تتولى هذه العمليات قوى الأمر الواقع التي تحكم شرق ليبيا، حيث يجري تهريب المقاتلين أيضاً وسلاح كبير يهدد بتفكيك دولة بحجم السودان.
مصر... تبتعد عن الإمارات
فيما مهمة مصر الثانية، تتمثل في تقويض علاقتها بأبوظبي، حتى لو أدى ذلك إلى خسارتها استثمارات كبرى، لأن مشاريع الأخيرة في الإقليم، لا تقوى مصر على هضمها، ولا سيما بعد اشتعال الأزمة بين الأخوَين الخليجيين، الإمارات والسعودية.
وأول الغيث، كان رفض الشركة القابضة المصرية للنقل البحري والبري العرض الإماراتي لشراء الحصة المصرية في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، بغية رفع حصة شركة "بلاك كاسبيان لوجستكس" التابعة لمجموعة موانئ أبو ظبي إلى 90% من رأسمال شركة الإسكندرية، علماً أن هذه الخلفيات لا يمكن فهمها من زاوية اقتصادية أو استثمارية وحسب، إنما من زاوية سياسية أيضاً.
لكن مسار التعاطي المصري مع الإمارات على هذا النحو، محفوف بمخاطر اقتصادية واستثمارية ضخمة، خصوصاً أنه بلغ حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر عام 2023 ما يزيد على 8.9 مليارات دولار، إذ يصل عدد الشركات الإماراتية المستثمرة في مصر إلى نحو 1730 شركة، في مختلف القطاعات، ولا سيما في الزراعة والمواد الغذائية، بحسب سفيرة الإمارات السابقة في القاهرة مريم الكعبي، وتسهم الإمارات بنسبة 29% من الاستثمار الأجنبي داخل مصر، الأمر الذي يعكس حجم النفوذ الاقتصادي الإماراتي الكبير في مصر، والذي تعاظم خلال العقد الأخير.
وسهّلت مصر للإمارات شروط الاستثمار في أراضيها، وكانت أبوظبي أول من حصل على "بطاقة ذهبية"، والتي بموجبها أصبح المشروع الاستثماري الإماراتي يحصل على موافقة واحدة من جميع الوزارات من أجل إنجاز المشاريع.
من يعوّض على مصر؟
وإذا ما أرادت السعودية جذب مصر إلى جانبها في مواجهة رسم الخرائط الجديدة للشرق الأوسط، عليها أن تحرّرها من تأثير الاستثمارات الإماراتية، فيما لو احتدّت المواجهة بين الأخيرة ومصر، وذهبت الإمارات إلى تقليص استثماراتها.
ومما لا شك فيه، أن زيادة قوى الترابط بين الرياض والقاهرة، وزيادة تقاطع المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، والعمل على ضمّ الأخيرة إلى "الناتو الإسلامي" المزمع ضد "إسرائيل" والإمارات، والذي يضم إلى المملكة كلاً من باكستان وتركيا، سوف يزيد من حضور ونفوذ المملكة لكي تصبح رقماً صعباً في الإقليم، يصعب تجاوزه.