الذكاء الاصطناعي: الكذبة المثالية في يد السياسي الجبان

بدل أن يكون التطور التقني فرصة لرفع معايير الشفافية والدقة والمسؤولية، صار فرصة ذهبية لمن يريد أن يتهرب، وأن يناور، وأن يشتري الوقت، وأن يدفن الحقيقة تحت جبل من الاحتمالات.

  •  صار الذكاء الاصطناعي، في يد كثير من الساسة، الكذبة المثالية (وسائل التواصل الاجتماعي).
    صار الذكاء الاصطناعي، في يد كثير من الساسة، الكذبة المثالية (وسائل التواصل الاجتماعي).

من كان يظن أن الآلة لن تكتفي بتقليد الصوت والصورة، بل ستصبح شريكاً مثالياً في الجريمة السياسية الحديثة؟  من كان يظن أن الذكاء الاصطناعي، الذي قُدّم للعالم بوصفه قفزة في المعرفة والإنتاج والإبداع، سيتحوّل بهذه السرعة إلى ملاذٍ للكذابين، وإلى ساترٍ للهاربين، وإلى قناعٍ جديد ترتديه السلطة كلما انكشفت عورتها أمام الناس؟

نحن لا نعيش فقط زمناً يمكن فيه اصطناع الأكاذيب. نحن نعيش زمناً أشد فتكاً: زمناً يمكن فيه اغتيال الحقيقة مرتين. مرة حين تُفبرك الوقائع، ومرة حين يُقال عن الوقائع الحقيقية نفسها إنها مفبركة. هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية. هنا يدخل مباشرة في صميم المعركة على الوعي، وعلى الذاكرة، وعلى حق الناس في أن يعرفوا ماذا جرى فعلاً ومن يكذب عليهم.

في هذا الزمن، صار السياسي أكثر وقاحة من أن يعتذر، وأكثر دهاءً من أن يبرر، وأكثر برودةً من أن يخجل. يكفيه اليوم أن يرفع إصبعه ويقول: هذا من صنع الذكاء الاصطناعي. بهذه الجملة وحدها، يحاول أن يمسح الفضيحة، وأن يربك الجمهور، وأن يحوّل النقاش من مضمون الجريمة إلى تقنية الصورة. لم يعد مضطراً إلى الدفاع عن نفسه، بل صار يكفيه أن يجرّ الناس إلى مستنقع الشك. وإذا غرق الجميع في الشك، نجا هو.

هذه هي الأخلاق الجديدة التي تُطبخ على نار الذكاء الاصطناعي: ليس مهماً أن تقول الحقيقة، بل أن تمنع الناس من الإمساك بها. ليس مهماً أن تقنعهم بروايتك، بل أن تفسد عليهم كل الروايات. ليس مهماً أن تكون بريئاً، بل أن تجعل الإدانة مستحيلة. وهنا تحديداً يكمن الانحطاط الأخلاقي الكامل: حين تتحول التكنولوجيا من أداة لتوسيع المعرفة إلى أداة لتصفية المسؤولية.

المشكلة أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع المسألة كأنها مجرد تطور تقني يحتاج إلى بعض التنظيم أو بعض التحذيرات. لكن ما يجري أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام انقلاب على مفهوم الحقيقة نفسه. في السابق، كان الكذب السياسي يحتاج إلى ماكينة دعائية، وإلى صحف وقنوات وخطباء ومحللين. أما اليوم، فالكذب أسرع، وأرخص، وأوسع انتشاراً، والأخطر أنه أكثر قدرة على التنكر بلباس الشك المعقول. صورة واحدة، مقطع واحد، صوت واحد، كفيل بأن يزرع بلبلة تكفي لتسميم المجال العام كله. ثم يأتي الإنكار المضاد ليكمل المهمة: حتى الحقيقة التي نجت من التزوير، لن تنجو من الاتهام.

هكذا، لا يعود الناس أمام وقائع واضحة يمكن مناقشتها، بل أمام ضباب دائم. كل شيء محتمل، كل شيء قابل للتركيب، كل شيء عرضة للإنكار. وفي هذا الضباب لا ينتصر الأذكى، بل الأكثر وقاحة. لا ينتصر الصادق، بل الأكثر قدرة على استغلال تعب الناس. فالإنسان العادي، الذي يُغرق يومياً بالصور والمقاطع والتسجيلات والتكذيبات، يصل في النهاية إلى حالة إنهاك ذهني وأخلاقي. يتعب من التحقق. يتعب من المقارنة. يتعب من محاولة التمييز بين الأصلي والمزور. وعندما يتعب، يصبح فريسة سهلة لأي سلطة تعرف كيف تستثمر هذا التعب.

وهنا تظهر الجريمة السياسية في صورتها الأوضح. السياسي لا يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط كي يضلل، بل كي يعيد تشكيل شروط النقاش العام. يريد جمهوراً متردداً، لا جمهوراً واعياً. يريد مواطناً مرتبكاً، لا مواطناً قادراً على المحاسبة. يريد إعلاماً يقف ساعات وأياماً عند سؤال: هل هذا الفيديو حقيقي أم لا؟ بينما تضيع القضية الأصلية، وتتبخر الجريمة الأولى، ويضيع المعنى كله في متاهة التقنية.

المفارقة المرة أن الذكاء الاصطناعي لم يفضح فقط هشاشة الإعلام الحديث، بل فضح أيضاً هشاشة الضمير السياسي. فبدل أن يكون التطور التقني فرصة لرفع معايير الشفافية والدقة والمسؤولية، صار فرصة ذهبية لمن يريد أن يتهرب، وأن يناور، وأن يشتري الوقت، وأن يدفن الحقيقة تحت جبل من الاحتمالات. بهذه الطريقة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مذهلة إلى خادم مطيع للكذب المنظم.

لكن الأخطر من السياسي نفسه هو البيئة التي تسمح له بذلك. بيئة اعتادت الاستعراض أكثر من التدقيق، والسرعة أكثر من التثبت، والانفعال أكثر من الفهم. في هذه البيئة، لا تحتاج الكذبة إلى أن تكون متقنة، يكفي أن تكون مثيرة. ولا تحتاج الحقيقة إلى أن تُهزم بالحجة، يكفي أن تُغرقها الفوضى. وهكذا، يصبح المجال العام كله ساحة مفتوحة للتلاعب: هذا يشكك، وذاك يفبرك، وثالث ينفي، ورابع يصرخ، والخاسر الوحيد هو الناس.

إن الحديث عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في هذا السياق ليس ترفاً فكرياً، ولا فقرة أكاديمية تُضاف إلى المؤتمرات. إنه حديث عن مصير الحقيقة في زمن باتت فيه الآلة قادرة على خدمة أسوأ ما في الإنسان: جشعه إلى السلطة، وشهوته إلى الإفلات، واحتقاره لعقول الجمهور. من دون أخلاق، لا يصبح الذكاء الاصطناعي محايداً، بل يصبح سلاحاً في يد الأقوى. ومن دون مساءلة، لا تبقى المشكلة في التزييف فقط، بل في شرعنة التزييف، وفي تطبيع الإنكار، وفي تحويل المجال العام إلى مسرح كبير للخداع.

والمطلوب هنا ليس فقط ضبط الأدوات، بل إعادة الاعتبار إلى قيمة الحقيقة نفسها. لأن الكارثة الحقيقية ليست أن نعيش وسط أكاذيب كثيرة، بل أن نصل إلى لحظة لا يعود فيها أحد قادراً على الدفاع عن الحقيقة حتى لو كانت أمام عينيه.

تلك هي اللحظة التي تربح فيها السلطة أكثر من أي وقت مضى. لا لأنها أقنعت الناس، بل لأنها أنهكتهم. لا لأنها امتلكت الحقيقة، بل لأنها نجحت في جعل الحقيقة بلا وزن.

لقد صار الذكاء الاصطناعي، في يد كثير من الساسة، الكذبة المثالية: يزوّر إن احتاجوا إلى التزوير، ويبرّئهم إن احتاجوا إلى الإنكار. وإذا استمر العالم في التعامل مع هذا الانحدار بوصفه مجرد "تحدٍّ تقني"، فإننا لن نكون أمام أزمة معلومات فقط، بل أمام عصر جديد من الانحلال الأخلاقي، حيث يُقتل الصدق بدم بارد، وتُذبح الوقائع على مذبح الخوارزمية، ويخرج الجاني بكل هدوء ليقول: لست أنا، ربما كان الذكاء الاصطناعي.