الحرب على إيران: من محاولة الكسر إلى لحظة ولادة قوة أشد صلابة
إذا تمكنت إيران من عبور هذه المرحلة من دون انهيار سياسي، وهذا المرجح، فستتحول إلى دولة أكثر صلابة وأشد تركيزًا على الردع والاستقلال الاستراتيجي.
-
إيران.. منطق الدولة التي تتعرض لضربة وجودية (أرشيف).
من المبكر إصدار أحكام نهائية حول مآلات الحرب الدائرة ضد إيران، لكن قراءة التاريخ الاستراتيجي للدول التي تعرّضت لضربات وجودية تسمح باستخلاص ملامح عامة لمسار ما بعد الحرب. فالحروب الكبرى نادرًا ما تنتهي فقط بتغيّر موازين القوة العسكرية، بل تعيد تشكيل الدول والمجتمعات والخرائط السياسية لعقود طويلة. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيحدث في نهاية الحرب؟ بل: كيف سيبدو مستقبل إيران خلال الثلاثين سنة المقبلة؟
الإجابة لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط كله.
منطق الدولة التي تتعرض لضربة وجودية
عندما تتعرض دولة لهجوم خارجي واسع النطاق، تتولد داخلها ديناميات معروفة في علم السياسة والتاريخ العسكري. غالبًا ما يحدث ما يسميه الباحثون "الالتحام الوطني"، أي تراجع الانقسامات الداخلية أمام ما يُنظر إليه كتهديد وجودي.
شهدت إيران هذه الظاهرة بوضوح خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988. فبدل أن يؤدي الغزو إلى إسقاط النظام الوليد آنذاك، أسهم في ترسيخه وتوسيع قاعدته الاجتماعية، وتحولت الحرب إلى عامل تعبئة وطنية طويلة الأمد.
لذلك، فإن أحد السيناريوهات الأكثر واقعية اليوم هو أن تؤدي الحرب الحالية، إذا طال أمدها أو اتخذت طابعًا وجوديًا، إلى تعزيز تماسك الدولة الإيرانية بدل إضعافها.
قد يختلف الإيرانيون في السياسة والاقتصاد والإدارة، لكن الاعتقاد بأن البلاد تتعرض لمحاولة إخضاع خارجي قد يدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة بوصفها أداة الدفاع عن السيادة.
صعود الدولة الأمنية – العسكرية
إذا خرجت إيران من الحرب مع بقاء النظام السياسي، فمن المرجح أن تشهد البلاد تحولًا تدريجيًا نحو نموذج أكثر أمنية وعسكرية.
الحروب الكبرى عادة ما تعزز نفوذ المؤسسات العسكرية والأمنية، لأنها تصبح الفاعل الرئيسي في ضمان بقاء الدولة. وفي الحالة الإيرانية، من المتوقع أن يتعزز دور الحرس الثوري في إدارة الملفات الاستراتيجية، سواء في السياسة الخارجية أم في الاقتصاد أم في الأمن الداخلي.
هذا لا يعني بالضرورة تحول إيران إلى دولة عسكرية تقليدية، لكن من المرجح أن يزداد وزن المؤسسات المرتبطة بالأمن القومي في صنع القرار.
كما قد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب أولويات الدولة على النحو التالي:
- تعزيز القدرات الدفاعية بعيدة المدى
- توسيع برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة
- تطوير البنية التحتية العسكرية تحت الأرض
- الاستثمار في الحرب السيبرانية
- وهذه الاتجاهات بدأت بالفعل منذ سنوات، لكنها قد تتسارع بشكل كبير بعد الحرب.
الردع كعقيدة استراتيجية
أحد أهم الدروس التي قد تستخلصها إيران من الحرب هو أن الردع التقليدي وحده قد لا يكون كافيًا لمنع الهجمات المستقبلية.
ولهذا السبب، يعتقد كثير من المحللين أن الحرب قد تدفع إيران إلى تسريع خطواتها نحو امتلاك قدرة ردع استراتيجية أعلى، سواء عبر تطوير برامجها الصاروخية أم عبر الوصول إلى مستوى متقدم في المجال النووي.
وفي هذا السياق، قد يبرز تطور سياسي – ديني بالغ الأهمية يتمثل في إصدار فتوى جديدة من المرشد الأعلى المقبل تتعلق بمسألة امتلاك السلاح النووي. فمنذ سنوات طويلة، شكّلت الفتوى التي تحرّم تصنيع السلاح النووي أحد المرتكزات الأخلاقية والسياسية للخطاب الإيراني في هذا الملف.
لكن الحرب قد تفتح نقاشًا فقهيًا – استراتيجيًا جديدًا داخل المؤسسة الدينية الإيرانية حول مفهوم الردع والدفاع عن الأمة. وقد يذهب المرشد الجديد إلى إصدار فتوى مختلفة تتيح امتلاك قدرة ردع نووية في إطار الدفاع عن البلاد، خصوصًا إذا رأت القيادة الإيرانية أن بقاء الدولة أصبح مرتبطًا بامتلاك هذا النوع من الردع.
مثل هذه الخطوة لن تكون مجرد قرار عسكري، بل هي تحوّل فكري في العقيدة الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.
الشرعية الرمزية في الشرق الأوسط
إذا تمكنت إيران من الصمود في مواجهة تحالف عسكري كبير، فإن ذلك قد يمنحها مكانة رمزية جديدة في أجزاء من الشرق الأوسط.
ففي مثل هذه الحالات، تتشكل رواية سياسية جديدة مفادها أن قوة إقليمية تمكنت من مواجهة أقوى تحالف عسكري في العالم والبقاء على قيد الحياة. هذه الرواية بحد ذاتها يمكن أن تزيد من النفوذ الدبلوماسي والجاذبية الأيديولوجية لإيران لدى بعض القوى والحركات في المنطقة.
التاريخ مليء بأمثلة لدول اكتسبت مكانة رمزية بعد صمودها في مواجهة قوى أكبر منها. وغالبًا ما تنظر الحركات السياسية التي تعارض الهيمنة الخارجية إلى تلك الدول بوصفها نماذج للمقاومة والاستقلال.
وفي هذا الإطار، قد تتحول إيران – في نظر البعض – إلى رمز لقدرة الدول الإقليمية على مقاومة الضغوط الدولية.
إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي
الحرب لن تؤثر فقط على الداخل الإيراني، بل ستعيد رسم شبكة العلاقات في الشرق الأوسط.
فإيران ليست مجرد دولة داخل حدودها الجغرافية، بل هي لاعب إقليمي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة.
إذا خرجت إيران من الحرب وهي قادرة على الصمود، فقد يتحول ذلك إلى مصدر شرعية سياسية وإقليمية في نظر بعض القوى والحركات التي ترى في مواجهة الضغوط الخارجية عامل قوة.
لكن في المقابل، قد تواجه إيران أيضًا ضغوطًا إقليمية أكبر من بعض الدول التي ستسعى إلى تقليص نفوذها.
لذلك، من المرجح أن نشهد في السنوات المقبلة مرحلة من إعادة التوازن الإقليمي، حيث ستتغير طبيعة التحالفات والعلاقات بين القوى الإقليمية.
الاقتصاد بين العقوبات والتكيّف
لا شك في أن الحرب ستفرض كلفة اقتصادية كبيرة على إيران، سواء من خلال الأضرار المباشرة أم عبر تشديد العقوبات.
لكن التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تشير إلى قدرة كبيرة على التكيف مع الضغوط الاقتصادية. فقد طورت البلاد نماذج اقتصادية بديلة تعتمد على:
- تنويع الشركاء التجاريين
- تطوير الصناعات المحلية
- استخدام قنوات مالية خارج النظام المالي الغربي
وقد يؤدي استمرار هذا المسار إلى تعميق العلاقات الاقتصادية مع قوى آسيوية كبرى مثل الصين وروسيا، مما قد يسهم في إنشاء شبكات اقتصادية موازية للنظام الاقتصادي الغربي.
هذا لا يعني أن الاقتصاد الإيراني لن يعاني، لكنه قد يتجه نحو نموذج أكثر استقلالية وأقل اعتمادًا على الأسواق الغربية.
الجغرافيا التي لا تتغير
مهما كانت نتائج الحرب، فإن الجغرافيا الاستراتيجية لإيران ستبقى أحد أهم مصادر قوتها.
تقع إيران على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ونعني مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. وهذا الموقع يمنح إيران نفوذًا استراتيجيًا دائمًا في معادلات الطاقة والأمن البحري.
حتى الدول الضعيفة نسبيًا تحتفظ بوزن استراتيجي كبير عندما تتحكم في ممرات جغرافية حساسة، فكيف إذا كانت تلك الدولة تمتلك أيضًا قدرات عسكرية وصناعية معتبرة.
لذلك، فإن الجغرافيا وحدها تضمن بقاء إيران لاعبًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط.
في نهاية المطاف، قد لا تكون الحرب مجرد فصل عسكري في تاريخ المنطقة، بل لحظة مفصلية تعيد تعريف موقع إيران في النظام الإقليمي.
فإذا تمكنت إيران من عبور هذه المرحلة من دون انهيار سياسي، وهذا المرجح، فستتحول إلى دولة أكثر صلابة وأشد تركيزًا على الردع والاستقلال الاستراتيجي.
وقد تجد المنطقة نفسها أمام واقع جديد: إيران أقل انفتاحًا اقتصاديًا، لكنها أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها وأكثر تأثيرًا في توازنات الشرق الأوسط، أإذ إن بقاء النظام الإيراني سينعكس زعزعة في الأنظمة المحيطة بها.
في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تتحدد قوة الدول فقط بما تملكه من سلاح أو اقتصاد، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى مصادر قوة.
وإذا كان التاريخ دليلًا، فإن الدول التي تنجو من الحروب الوجودية غالبًا ما تخرج منها مختلفة عمّا كانت عليه قبلها، وغالبًا ستكون إيران واحدة من هذه الدول.