الحرب على إيران.. والرهانات الأميركية الفاشلة
سقط الرهان الأول الذي عوّل عليه ترامب كثيراً، حيث أتى منتشياً بواقعة فنزويلا، منطلقاً من قاعدة: اعتقال رأس النظام في فنزويلا، يوازيه اغتيال رأس النظام في إيران.
-
القيادة الإيرانية أبدت تماسكاً غير معهود بعد الحرب عليها (أرشيف).
بدأت الولايات المتحدة و "إسرائيل" حربهما على إيران بهدف إسقاط النظام، وبمخيلة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن الأمر لا يستغرق سوى أيام أو بضعة أسابيع، لذلك آثر وصفها بالعملية العسكرية وليست حرباً، وذلك للتخفيف من زخمها، وكي لا يعطي للجمهورية الإسلامية صفة "النديّة" في مواجهة أعتى قوة في العالم، وأطلق عليها اسماً يتماهى مع شخصيته النرجسية المتهورة، عملية "الغضب الملحمي". وحليفه، رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أسقط عليها اسم عملية "زئير الأسد".
دعك من التسميات، منذ اليوم الأول للحرب، ورغم خسارة إيران رأس النظام فيها، الإمام السيد علي خامنئي، ومعه العشرات من قادة الصف الأول والثاني، أبدت القيادة الإيرانية تماسكاً غير معهود، ولم يستغرق ردها أكثر من ساعتين، وراحت ترسم في الأفق علامات صمود النظام وانعدام احتمالية إسقاطه. وبالتالي، سقط الرهان الأول الذي عوّل عليه الرئيس الأميركي كثيراً، حيث أتى منتشياً بواقعة فنزويلا، منطلقاً من قاعدة: اعتقال رأس النظام في فنزويلا، يوازيه اغتيال رأس النظام في إيران، وتطوى معه صفحة النظام الوحيد المناوئ للمشاريع الإمبريالية في المنطقة.
فيما رهان ترامب الثاني، تجسّد في العمل على انتفاض الشعب الإيراني على حكومة بلاده في ذروة القصف الأميركي-الإسرائيلي على إيران، فـ"استجاب له" بتنظيم تجمعات ومسيرات حزن وندب على قائده خامنئي، وإطلاق هتافات مؤيدة للنظام، تدعوه إلى الانتقام، وتعبر عن رضى تام عن صمود قواتهم العسكرية على اختلاف تشكيلاتها بوجه الهجمات الخارجية.
ولم يكلّ ترامب، ولا نتنياهو، وظلّ يراودهما حلم إسقاط النظام، فعمدا إلى ضرب البنية التحتية للصواريخ البالستية والمسيرات، وثكنات ومقرات الجيش والحرس الثوري، ومن ثم لجآ إلى ضرب مصافي وخزّانات الوقود، ولا سيما تدمير البنية التحتية للنفط في جزيرة خارك، التي يمرّ من خلالها 90% من النفط الإيراني، والتهديد باحتلالها، علّها تستسلم الجمهورية وترفع الراية البيضاء. إذ بدت أميركا و"إسرائيل"، ورغم الكم الكبير لدراساتهما وأبحاثهما عن إيران وجهودهما الاستخبارية، هما قاصرتان عن فهم طبيعة الشعب الإيراني وبعده القومي الضارب في أعماق التاريخ، وعن فهم تاريخه العَقَدي أيضاً، المتصل بقوة بواقعة كربلاء وشعار الإمام الحسين "هيهات منا الذلة"، وهذا كان الرهان الثالث.
أما الرهان الرابع، وما زال العمل عليه قائماً، هو تحفيز الدول الخليجية على إعلان الحرب على إيران بذريعة استهداف الأخيرة لتلك الدول.
لكن يبدو أن الوعي الخليجي ما زال بالإمكان التعويل عليه، ولا سيما المملكة العربية السعودية التي رأت بعد استهداف الكيان العبري لقطر في الـ9 من أيلول/سبتمبر الماضي، أن تهديد دول المنطقة متأتٍ من "إسرائيل" لا من إيران، كما روّج في العقدين الأخيرين، وأن العم سام لا يصلح لأن يشكل مظلة أمنية للخليج، بل أمست قواعده العسكرية المنتشرة فيه وبالاً عليه.
أما الرهان الخامس، وربما الأخير، وبعد فشل الرهانات الأربعة الأولى، تمثل في إعداد الفصائل الكردية المعارضة الخمسة في غرب البلاد، وفي مقدمهم حزبا قوملة والحياة الحرة الكردستاني، لهجوم بري على الشرعية، واستنساخ تجربة إدلب السورية.
لكن عدم تعاون زعيمي الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل، مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الكردستاني في السليمانية، بافان طالباني، مع الخطة، حال دون نجاح هذا الرهان أيضاً، لأنه لا يمكن أن تقوم جبهة كردية من دون أن تكون قاعدتها الخلفية والمركزية كردستان العراق.
وذلك لأن تجربة الكرد مع الولايات المتحدة سيئة جداً، ولا سيما الأخيرة منها، حيث قاتلت قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، إلى جانب الأخيرة، ضد نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، 13 سنة، وفي لحظة الحقيقة نكثت واشطن وعدها للكرد بإقامة حكم ذاتي لهم على غرار كردستان العراق.