البحرين.. هندسة الخوف وتجريم الإيمان: قراءة في كلفة "الاستقرار الهش"
العقيدة الأمنية الجديدة التي تقوم على التطبيع والعداء المطلق لإيران، تحاول فرض "منطقٍ بارد" يقضي بتجريم أي تعاطفٍ شعبي أو ديني مع قضايا المحور الآخر في البحرين.
-
ما تشهده البحرين اليوم من تصعيدٍ لافت يتجاوز كونه مجرد إجراءات أمنية عابرة (أرشيف).
في المنعطفات الكبرى التي تمر بها منطقتنا، حيث تتشابك الجغرافيا بالسياسة، والذاكرة بالهوية، تبرز تساؤلات وجودية تتجاوز فوضى الأخبار العاجلة. هل الوطن حدودٌ تُرسم بالأسلاك الشائكة، أم معنىً يسكن القلوب؟ وماذا يحدث حين تتحول الدولة من "راعية للجميع" إلى "مهندس للإيمان"، يسعى لتنميط الضمائر وإخضاع الانتماء العقدي لمقاييس الاختبار الأمني؟
إن ما تشهده البحرين اليوم من تصعيدٍ لافت، يتجاوز كونه مجرد إجراءات أمنية عابرة؛ إنه محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والمكون الشيعي، عبر لغةٍ أمنية عنيفة تختزل الهوية في "تهديد"، والتدين في "مشروع خطر محتمل". لم تعد الاعتقالات اليوم تكتفي بملاحقة الأفعال، بل امتدت لتطال "الرواية" و"الوعي". إن اعتقال 41 عالم دين في وقتٍ متزامن ليس حدثاً عابراً، بل هو استهدافٌ للبنية الروحية التي تمثل ذاكرة المجتمع. هنا، يتحول رجل الدين من رمزٍ للسكينة والوعظ إلى هدفٍ استراتيجي، ليس لأنه يحمل سلاحاً، بل لأنه يملك "الكلمة" القادرة على مقاومة محاولات تزييف الوعي.
هذا الربط التلقائي بين "المذهب" و"العمالة للخارج" يعيد إنتاج حقبةٍ ظننا أن التاريخ تجاوزها؛ حقبة "محاكم التفتيش" التي لم تكن تكتفي بالولاء السياسي، بل كانت تطارد الأفكار في الزوايا المظلمة للروح. إن "الدولة العقائدية المضادة" التي تسعى لإنتاج نسخة دينية مقبولة أمنياً، تخاطر بتحويل المجتمع إلى كيان مهموم بالخوف، حيث يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة المتاحة، وهو صمتٌ لا يعني الرضى بقدر ما يعني "الغضب المؤجل".
وعندما تصبح الجنسية -وهي أقدس روابط الإنسان بوطنه- "ورقةً" يمكن سحبها في لحظة انفعال سياسي، فإننا نكون أمام تحولٍ بنيوي في مفهوم المواطنة. ففي أعقاب تصريحات لملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، في أواخر نيسان/أبريل 2026، التي شدد فيها على أن "الجنسية البحرينية ليست ورقة تُمنح، بل هي عهد وميثاق، ومن نقض العهد فقد أسقط حقه بيده"، جرى إسقاط الجنسية عن 69 شخصاً، بمن فيهم عوائلهم بالتبعية، في مطلع أيار/مايو 2026. هذه الإجراءات، التي تحرم المواطنين حقوقهم الأساسية وتجعلهم عديمي الجنسية، تمثل عقاباً جماعياً وتضييقاً على حق المواطنة. الجنسية في جوهرها هي "عهد وميثاق" نعم، لكنه عهدٌ متبادل؛ تضمن فيه الدولة الكرامة والحق في الاختلاف، مقابل الولاء للأرض. أما حين يُستخدم هذا الحق كأداة للعقاب الجماعي، فإن الرسالة التي تصل للمواطن هي أن وجوده نفسه مرهونٌ برضى الأجهزة الأمنية، ما يحوّل الوطن من "بيتٍ دافئ" إلى "فندقٍ" يمكن طرد النزلاء منه في أي وقت.
ولا يمكن قراءة هذا القمع الداخلي بمعزل عن "حرب الروايات" في الخليج. ففي ظل التموضعات الجديدة والتحالفات التي تُبنى على أنقاض العداوات القديمة، ومع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى، والذي بلغ ذروته في نزاع مسلح في شباط/فبراير 2026، يبدو أن النظام البحريني يوظف هذا السياق لتعزيز قبضته الأمنية. إن العقيدة الأمنية الجديدة التي تقوم على التطبيع والعداء المطلق لإيران، تحاول فرض "منطقٍ بارد" يقضي بتجريم أي تعاطفٍ شعبي أو ديني مع قضايا المحور الآخر. وهنا يقع المواطن الشيعي بين مطرقة الانتماء العقدي وسندان التخوين السياسي، في مشهدٍ يفتقر للحكمة التي تتطلبها إدارة المجتمعات المتنوعة.
على صعيد الحريات الدينية، تشير التقارير الحقوقية إلى تضييق متزايد على الشعائر والممارسات الشيعية. ففي آذار/مارس 2026، أدانت منظمة "أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين" (ADHRB) خلال الدورة الـ 61 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، القيود المتزايدة على ممارسات الشيعة الدينية. وقد وثقت المنظمة إزالة مظاهر دينية، إضافة إلى استدعاء واعتقال المشاركين في الفعاليات الدينية. هذه الممارسات ليست حوادث فردية، بل هي استمرار لنمط ثابت من قمع حقوق الشيعة منذ عام 2011، بما في ذلك إغلاق المساجد وتعطيل صلوات الجمعة وفرض قيود على إحياء المناسبات الدينية. كما وثقت هيئة شؤون الأسرى البحرينية اعتقال 204 أشخاص في آذار/مارس 2026 وحده.
لقد تعلمنا من تاريخ الحروب في منطقتنا، أن الاستقرار الذي يُبنى على القمع هو "استقرارٌ زائف". الدول الواثقة هي التي تتسع لكل المذاهب، وترى في التنوع مصدر قوة لا ثغرة أمنية. إن محاولة "صهر" الهويات أو تجريمها لا تؤدي إلا إلى زيادة تماسكها ومقاومتها.
فالهوية، بطبيعتها الوجدانية، عصيةٌ على المحو؛ فهي "نقوشٌ في ذاكرة الوطن" لا يمكن إزالتها بجرّة قلم أو أمر اعتقال. ما يحتاجه الوطن اليوم ليس "قبضةً أمنية" تلاحق المصلين وتعد الأنفاس، بل "أفقاً سياسياً" يتسع للجميع، ويؤمن بأن الكرامة الإنسانية هي الضمانة الوحيدة للاستقرار الدائم.