إيران.. لم تنطبق عليها شروط الانهيار!

هلّل خصوم وأعداء إيران، على جاري عادتهم، للاحتجاجات التي عمّت بعض المدن الإيرانية، ولا سيما التي يقطنها كرد وبلوش وعرب، وزادوا من التهليل هذه المرة، وتفاءلوا بانهيار النظام، رغم أنّ شروط الانهيار غير متوفرة.

  • ليس جديداً على السلطة في إيران معرفة كيفية التعامل مع احتجاجات مواطنيها المحقة (أرشيف).
    ليس جديداً على السلطة في إيران معرفة كيفيّة التعامل مع احتجاجات مواطنيها المحقّة (أرشيف).

ليس جديداً على السلطة في إيران معرفة كيفيّة التعامل مع احتجاجات مواطنيها المحقّة في أكثر من محلّ، وليس خافياً على أحد، أنّ الشعب الإيراني يعيش وضعاً معيشياً واقتصادياً صعباً، خصوصاً بعد رُزم العقوبات الغليظة، والتي طالت كلّ القطاعات التي يعوّل عليها. لكنّ المشكلة في تحوير تلك الاحتجاجات إلى أعمال شغب وإرهاب للمواطنين، والعبث بالمؤسسات الحكومية والأملاك الخاصة.

والأخطر، مساندة ومواكبة حراك الإيرانيين من قبل الأميركيين والإسرائيليين، حتى وصل الأمر بنائب رئيس موظفي البيت الأبيض للشؤون السياسية، ستيفن ميلر، إلى تهنئة الشعب الإيراني و"الموساد" الإسرائيلي على الحشد الكبير للتظاهرات المناهضة للنظام.

واعتبر هو وقيادات أميركية وإسرائيلية عديدة، أنّ احتمال سقوط النظام وارد أكثر من أيّ وقت مضى، بعد الذي أصاب النظام من ضربات ونكسات داخلية وخارجية، في إثر عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. حيث أُجبر الإيرانيون على القتال في قلب طهران، ولم يعد، من منظورهم، ثمة قدرة لحركات المقاومة للدفاع عن إيران.

شروط انهيار الأنظمة

ويبدو أنه فات هؤلاء أنّ انهيار أيّ نظام يتطلّب توفر الشروط الآتية:

1- اتساع رقعة الاحتجاجات السياسية، المطالبة بإسقاط النظام. خصوصاً في دولة بحجم إيران، وعدد سكان يفوق الـ 90 مليون نسمة. وبالتالي، تحتاج التظاهرات لضمّ الملايين إلى صفوفها حتى تشكّل خطراً حقيقياً على النظام.

2- انضمام قيادات عسكرية وسياسية إلى الحراك.

3- وجود قيادات معارضة تملك روح المبادرة والقدرة على إدارة البلاد في "اليوم التالي".

وفي الحالة الإيرانية، غير متوفر أيّ من الشروط المذكورة، هذا يعني أنّ احتمالية سقوط النظام غير واردة. مع العلم أنّ حجم التظاهرات لم يصل إلى ما كانت عليه في تظاهرات "الحجاب" في إثر وفاة الفتاة الإيرانية الكردية مهسى أميني عام 2022، ولا التظاهرات التي شكّكت بنتائج الانتخابات عام 2009.

وإذا ما اعتبرنا أنّ الضربات التي تلقّتها إيران في السنتين الأخيرتين، وتهشيم حركات المقاومة، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي طالما شكّل العمادة الدولية الثانية في محور المقاومة. أثار شهية الولايات المتحدة للتدخّل عسكرياً وإسقاط نظام ولاية الفقيه. لكن هذا لا يعني بأنّ الأمور استوت وحان قطافها.

لذلك، بعض الأصوات العاقلة في واشنطن، حذّرت من أيّ ضربة عسكرية لإيران، وأنها سوف تكون وبالاً على المتظاهرين. حيث رأى السيناتور الجمهوري، راند بول، أنه "ليس واضحاً ما إذا كان قصف إيران سيُحدِث التأثير المقصود"، مضيفاً أنّ هجوماً عسكريّاً "قد يحشد الشعب ضدّ عدو خارجي بدلاً من تقويض النظام"، والسيناتور الديمقراطي، مارك وارنر، حذّر من جهته، من أنّ أيّ ضربة عسكرية على الجمهورية الإسلامية قد تهدّد بتوحيد الإيرانيين ضدّ الولايات المتحدة، مشيراً إلى أنّ التاريخ يُظهِر مخاطر التدخّل الأميركي، لأنّ "إطاحة الحكومة الإيرانية عام 1953 بدعم من واشنطن، ‌أَطلقت سلسلة من الأحداث، أدّت تدريجياً إلى صعود النظام الإسلامي في البلاد في أواخر السبعينيات". ولم ينسَ الإيرانيون تلك الحادثة حتى أيامنا هذه. وما زالوا يشكّكون بكلّ الطروحات الأميركية، ولا يثقون بكلّ ما يصدر عن البيت الأبيض وغيره من المؤسسات الدستورية الأميركية.

الدول المستهدفة من الولايات المتحدة

وهؤلاء، وكلّ رجالات الدولة العميقة في الولايات المتحدة، يعرفون بأنّ أيّ دولة تريد واشنطن استهدافها بغية إسقاط نظامها، يجب أن تتوفّر فيها ثلاثة شروط على الأقل:

1- أن تكون الدولة المستهدفة دولة هشّة وضعيفة، وتكون إمكانية اجتياحها وإسقاط نظامها لا يتطلّب حرباً ضارية وطويلة، من شأنها تأليب الرأي العامّ الأميركي ضدّها، خصوصاً أنّ الشعب الأميركي لم يعد يستسيغ حروباً جديدة تعود بأثمان باهظة عليهم وعلى مستقبل بلادهم. على غرار الحربين الأخيرتين، الأفغانية والعراقية.

2- تجييش الرأي العامّ الأميركي، وتصوير الدولة المستهدفة بأنها عدو لدود لهم، ويريد الشر والثبور وعظائم الأمور للولايات المتحدة. وهذا الأمر متوفر بطبيعة الحال، في إيران منذ نجاح الثورة الإسلامية واحتجاز موظفي السفارة الأميركية في طهران، ورفع الأخيرة شعار العداء والموت لأميركا.

3- أن تحوي الدولة المستهدفة موارد طبيعية قابلة للاستغلال من العم سام. وهذا الشرط متوفر أيضاً في الجمهورية الإسلامية، التي تُقدّر ثروتها الطبيعية من نفط ومعادن ثمينة، من قبل جهات عالمية متخصصة، بـ27،3 تريليون دولار على الأقل. هذا فضلاً عن أنّ إيران التي عاشت حرب الثماني سنوات مع العراق (1980-1988)، ورزم عقوبات وحصاراً مستمراً من أربعة عقود ونصف العقد. والذي جعل منها دولة عذراء (virgin) بكلّ ما للكلمة من معنى، بحيث أمست تحتاج إلى استثمارات جمّة لتطوير بنيتها التحتية في مختلف المجالات.

في المحصّلة، عدم توافر أيّ شرط لسقوط نظام ولاية الفقيه من الداخل، وتعذّر توفّر شرط ضعف الدولة لمهاجمتها من الخارج كما أسلفنا. يعني أنّ إيران بالمعايير العلمية والواقعية ستكون عصيّة على الكسر إلّا بمخيّلة خصومها وأعدائها الموهومين والذين يحاكون رغباتهم وتمنياتهم ليمنّوا النفس بسقوط نظام عرقل مسار السياسات الإمبريالية في المنطقة، وما زال.