إشكالية العيش المشترك في لبنان: بين الخطاب التوافقي وتحوّلات الممارسة في زمن الحرب

"العيش المشترك" في لبنان ليس مفهومًا ثابتًا، بل صيغة مرنة تعكس توازنات القوة داخل المجتمع.

  • بين الخطاب التوافقي وتحوّلات الممارسة في زمن الحرب (أرشيف).
    بين الخطاب التوافقي وتحوّلات الممارسة في زمن الحرب (أرشيف).

يشكّل مفهوم "العيش المشترك" أحد الأعمدة الرمزية التي قام عليها الكيان اللبناني منذ نشأته، بوصفه إطارًا ناظمًا للعلاقة بين الطوائف ضمن بنية سياسية واجتماعية معقّدة.

فمنذ الميثاق الوطني 1943، جرى تقديم هذا المفهوم كضمانة للاستقرار، وكصيغة توافقية تؤمّن الحد الأدنى من الشراكة بين مكوّنات المجتمع اللبناني في ظل تعددية دينية ومذهبية فريدة. غير أن هذا المفهوم، الذي يبدو للوهلة الأولى ثابتًا ومؤسِّسًا، سرعان ما يكشف عن طابعه الإشكالي عند اختباره في لحظات الأزمات الكبرى.

لقد أظهرت محطات مفصلية، من الحرب الأهلية اللبنانية وصولًا إلى التحولات التي أعقبت اتفاق الطائف، أن "العيش المشترك" لم يكن يومًا مفهومًا محايدًا أو مكتمل التحقق، بل ظلّ عرضة لإعادة التفسير والتوظيف وفق موازين القوى السياسية والظروف الإقليمية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل استدعاء هذا المفهوم عن كونه أداة خطابية تُستخدم أحيانًا لضبط التوترات، وأحيانًا أخرى لإعادة إنتاجها ضمن حدود يمكن التحكم فيها.

تتفاقم هذه الإشكالية في سياق المواجهات مع "إسرائيل"، حيث تتداخل الاعتبارات الوطنية مع الحسابات الطائفية، وتبرز تناقضات الخطاب السياسي والإعلامي بصورة أكثر حدّة. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يشكّل "العيش المشترك" مظلّة جامعة في مواجهة التهديدات الخارجية، يشير بعض الممارسات والخطابات إلى إمكان تحوّله إلى أداة انتقائية، يُعاد تعريفها بما ينسجم مع مصالح قوى داخلية، حتى ولو أدّى ذلك إلى تهميش أو إضعاف موقع مكوّن لبناني بعينه داخل المعادلة الوطنية.

انطلاقًا من ذلك، تطرح هذه المقالة إشكالية مركزية مفادها: هل يمثّل "العيش المشترك" في لبنان قاعدة ثابتة تنظّم العلاقات بين الطوائف، أم أنه مفهوم مرن يُعاد تشكيله واستخدامه تبعًا لتحولات الصراع وموازين القوى، ولا سيما في لحظات الحرب؟ وإلى أي مدى يمكن الحديث عن "عيش مشترك انتقائي" يظهر حين تتقدّم الاعتبارات السياسية على مقتضيات الشراكة الوطنية؟

أولًا: تعريف العيش المشترك

يُعرَّف "العيش المشترك" في السياق اللبناني بوصفه صيغة تنظيمية للعلاقات بين الطوائف، تقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل والتوازن في التمثيل السياسي، ضمن إطار من الشراكة الوطنية التي لا تلغي التمايزات بل تديرها. وهو، بهذا المعنى، لا يشير إلى اندماج اجتماعي كامل، بل إلى نمط من "التعايش المنظَّم" الذي يسمح باستمرار التعددية ضمن حدود الاستقرار.

وقد تكرّس هذا المفهوم دستوريًا وسياسيًا منذ الميثاق الوطني 1943، ثم أُعيد إنتاجه وتثبيته بصيغة أكثر وضوحًا بعد اتفاق الطائف، حيث ارتبط بمبدأ "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، ما جعله ليس فقط توصيفًا اجتماعيًا، بل قاعدة معيارية يُفترض أن تضبط الحياة السياسية.

إلا أن هذا التعريف، على طابعه التوافقي، ينطوي على توتر بنيوي، إذ يقوم على التوازن بين جماعات غير متساوية في القوة، ويستند إلى تسويات أكثر مما يستند إلى عقد اجتماعي مكتمل.

ثانيًا: شواهد على العيش المشترك

يمكن رصد تجليات "العيش المشترك" في عدد من المحطات والممارسات:

تقاسم السلطة سياسيًا، عبر توزيع الرئاسات والمواقع الأساسية بين الطوائف، بما يعكس منطق الشراكة لا الغلبة.

حضور الخطاب الوحدوي في الأزمات، حيث تلجأ القوى السياسية إلى تأكيد وحدة المصير.

التداخل الاجتماعي اليومي في المدن المختلطة، ضمن شبكة مصالح وعلاقات تتجاوز الانقسام السياسي.

التسويات الكبرى التي أعقبت الحرب الأهلية اللبنانية، والتي أعادت بناء النظام على قاعدة الشراكة بدل الإقصاء.

تُظهر هذه الشواهد أن العيش المشترك ليس مجرد خطاب، بل له حضور واقعي، وإن ظلّ غير مكتمل.

ثالثًا: نقيض العيش المشترك

في المقابل، تكشف الوقائع اللبنانية عن مسارات تناقض هذا المفهوم:

الانقسام الحاد في الخطاب السياسي، وإعادة إنتاج ثنائية "نحن/هم".

التحريض الإعلامي والطائفي، خصوصًا في لحظات التوتر.

ممارسات الإقصاء السياسي، عبر تهميش قوى أو بيئات معينة من القرار الوطني.

الانكفاء إلى الهويات الفرعية عند كل أزمة، بما يعكس هشاشة الهوية الوطنية الجامعة.

وفي سياق المواجهات مع "إسرائيل"، تبرز هذه المفارقة بوضوح، إذ تتراجع أحيانًا لغة الشراكة لصالح خطاب يُحمّل طرفًا داخليًا تبعات الصراع، أو يسعى إلى إعادة تحديد موقعه ضمن المعادلة الوطنية.

رابعًا: التفكيك النظري للمفهوم

لفهم هذه الازدواجية، لا بد من تفكيك "العيش المشترك" بوصفه مفهومًا سوسيولوجيًا سياسيًا.

فهو، أولًا، أقرب إلى "إدارة الانقسام" منه إلى "إلغائه"، أي إنه آلية لتنظيم التعددية لا لتجاوزها، ما يجعله بطبيعته هشًّا ومرتبطًا باستمرار التوازنات.

وثانيًا، يمكن قراءته ضمن إطار الديمقراطية التوافقية، حيث يقوم النظام على تقاسم السلطة بين النخب الطائفية، ما يجعل استمراره مرهونًا بإرادة هذه النخب أكثر مما هو قائم على اندماج مجتمعي عميق.

وثالثًا، يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته "العيش المشترك الانتقائي"، حيث يُفعَّل الخطاب التوافقي حين يخدم الاستقرار، ويُعاد تفسيره أو تعطيله حين يتعارض مع مصالح قوى معينة.

ورابعًا، يرتبط المفهوم بإنتاج الشرعية، إذ تُستخدم مفرداته لتقييم سلوك الفاعلين السياسيين، ما يجعله أداة معيارية بقدر ما هو توصيف واقعي.

خامسًا: العيش المشترك في زمن الحرب

إذا كان "العيش المشترك" يُقدَّم كقاعدة ناظمة في حالات الاستقرار، فإن اختباره الفعلي يتم في لحظات الحرب، حيث يتحوّل من مبدأ معياري إلى مفهوم قابل لإعادة التعريف.

من خلال تتبّع الخطاب السياسي والإعلامي اللبناني في فترات المواجهة مع "إسرائيل"، يمكن ملاحظة تحوّل في استخدام هذا المفهوم، إذ يظهر أحيانًا كأداة لإعادة رسم حدود الانتماء الوطني، عبر مساءلة سلوك مكوّن داخلي بعينه أو تحميله مسؤولية الانخراط في الصراع.

وفي هذا السياق، لا يُستخدم "العيش المشترك" دائمًا كإطار لحماية التعددية، بل كوسيلة لضبطها أو للضغط على أحد أطرافها، بحيث يصبح الانتماء إليه مشروطًا بسقف سياسي ضمني.

وفي السياق اللبناني الراهن، لا يمكن تجاهل أن الجدل حول موقع المقاومة في معادلة الدولة أعاد طرح مفهوم "العيش المشترك" بوصفه أداة ضغط سياسي أكثر منه إطارًا جامعًا. إذ يظهر أن بعض الخطابات لا تعترض على المبدأ بقدر ما تعترض على نتائجه حين تمسّ توازنات القوة، ما يعيد إنتاج المفهوم ضمن شروط انتقائية لا تعكس جوهره التوافقي.

الخاتمة

تُظهر هذه القراءة أن "العيش المشترك" في لبنان ليس مفهومًا ثابتًا، بل صيغة مرنة تعكس توازنات القوة داخل المجتمع. وفي لحظات الأزمات، ولا سيما في سياق المواجهة مع "إسرائيل"، ينكشف هذا المفهوم بوصفه مجالًا لإعادة التعريف، أكثر منه قاعدة ثابتة تعلو فوق الصراعات.

وانطلاقًا من ذلك، أميل إلى ترجيح أن الإشكالية لا تكمن في فشل المفهوم بحد ذاته، بل في طبيعته كصيغة غير مكتملة، تقوم على توازنات ظرفية أكثر مما تقوم على عقد اجتماعي راسخ. فالمفهوم، كما يتبدّى في الممارسة، لا يعمل كقاعدة فوق-سياسية، بل كأداة تخضع لمنطق القوة والتفاوض.

وعليه، يمكن فهم "العيش المشترك" في لبنان بوصفه أقرب إلى "تعايش مشروط" منه إلى شراكة مستقرة، ما يجعله عرضة لإعادة التوظيف في كل مرحلة أزمة، ويطرح تساؤلًا مفتوحًا حول إمكان تطويره نحو صيغة أكثر رسوخًا تتجاوز هشاشة التوازنات الراهنة.