أكراد إيران في الفخ الأميركي الإسرائيلي
محاولة إشراك الأكراد في حرب بالوكالة ضد النظام الإيراني سيكون عبارة عن تزويد الأمريكيين والإسرائيليين بوقود رخيص في صراع إقليمي، يدفعون ثمنه من دمائهم ومستقبلهم.
-
الأكراد والحرب على إيران (أرشيف)
في خضم مرور سادس يوم من التصعيد العسكري المتبادل بين "إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، أفادت بعض وسائل الإعلام، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، بأن "آلاف المقاتلين الأكراد" عبروا الحدود من العراق إلى إيران وشنوا هجوماً برياً على مواقع للحرس الثوري في مدينتي "سقز" و"بانه"، لتعود مع ذه التقارير مسألة الأقليات القومية إلى الواجهة بوصفها أحد أدوات الصراع غير المباشر بين القوى الإقليمية والدولية.
الأكراد في إيران: الجغرافيا والامتداد الإقليمي
وفي هذا السياق، تبرز المسألة الكردية في إيران كواحدة من الملفات القابلة للاستثمار الجيوسياسي في هذه الحرب. فالموقع الجغرافي للأكراد، وطبيعة امتدادهم العابر للحدود، إضافة إلى وجود حركات سياسية وعسكرية معارضة للنظام الإيراني، كلها عوامل تجعل هذه الورقة محل اهتمام في حسابات القوى الدولية.
حيث أفادت تقارير أخرى أن مصادر كردية معارضة أكدت أن قواتها انتقلت إلى مناطق قريبة من الحدود الإيرانية وأصبحت في حالة استنفار، لكنها لم تبدأ هجوماً بعد. وسبق وأن أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دعمه الكامل لفكرة قيام المقاتلين الأكراد الإيرانيين بشن هجوم داخل إيران، واصفاً إياها بأنها "رائعة" وأنه "مؤيد تماماً" لذلك.
خاصة وأن الأكراد يشكلون إحدى أكبر القوميات غير الفارسية في إيران، ويتمركزون في المناطق الغربية والشمالية الغربية من البلاد، على امتداد الحدود مع العراق وتركيا. ولا شك أن هذا الامتداد الحدودي يضعهم ضمن الفضاء الكردي الأوسع الذي يتوزع بين أربع دول هي إيران والعراق وتركيا وسوريا، وهو ما يمنح المسألة الكردية بعداً إقليمياً يتجاوز الإطار الوطني، ومن منظور الجيوبولتيك، تشكل هذه المنطقة قوساً حدودياً حساساً يحيط بإيران، ما يجعلها نقطة ضغط محتملة في هذه المواجهة..
مواقف واشنطن و "تل أبيب" وطهران من التحركات الكردية
رغم أن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت كانت قد نفت بشكل قاطع تلك الأنباء، واصفة أي تقارير تُشير إلى موافقة الرئيس على مثل هذه الخطة بأنها "خاطئة تماماً". كما نفت حكومة إقليم كردستان العراق بشكل رسمي إرسال أي قوات كردية لاختراق الأراضي الإيرانية. غير أن مصادر أمريكية أكدت أن واشنطن مازالت تبحث في شأن تسليح مقاتلين أكراد إيرانيين لاختراق إيران وزعزعة استقرارها.
كما أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي، لم تؤكد أو تنفي رسمياً صحة الأنباء المتداولة حول ضلوع مقاتلين أكراد في القتال ضد إيران إلى جانب القوات الأمريكية والإسرائيلية، لكن بالمقابل هناك تقارير إعلامية غربية تتحدث عن ضوء أخضر إسرائيلي ضمني للأكراد، خاصة في ظل العلاقات التاريخية التي جمعت إسرائيل بالأكراد كحلفاء طبيعيين في مواجهة الأعداء المشتركين.
إيران بدورها، وعلى لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني حذرت الجماعات الكردية من أن إيران "لن تتسامح معهم بأي شكل من الأشكال" إذا حاولوا استغلال الأوضاع الراهنة. كما اتهمت وزارة الاستخبارات الإيرانية في بيان لها "جماعات انفصالية إرهابية" بمحاولة دخول البلاد "بدعم من العدو الأمريكي والصهيوني" لتنفيذ هجمات، مؤكدة تنفيذ ضربات استباقية ضد مواقعهم.
كما سبق وأن قال مسؤول عسكري إيراني رفيع أن بلاده ستستهدف مفاعل ديمونا وكافة منشآت الطاقة في المنطقة إذا مضت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياً في سيناريو "تغيير النظام" عبر إدخال عناصر من المعارضة الكردية المسلحة من أربيل بشمالي العراق إلى العمق الإيراني، ونشر السلاح لخلايا كردية نائمة، خاصة وأنه توجد بالفعل عدة تنظيمات كردية معارضة للنظام الإيراني، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وتنظيم كومله وحزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك). وعلى الرغم من أن قدراتها العسكرية تبقى محدودة نسبياً، فإن وجودها التنظيمي وشبكاتها الاجتماعية في المناطق الحدودية يمنحها قابلية للتفعيل في ظروف سياسية أو عسكرية معينة، ويبدو أن الظروف الحالية مواتية لتفعيلها..
التنظيمات الكردية المعارضة وإمكانية توظيفها في الصراع
ويمكن فهم توظيف الأقليات القومية في الصراع ضمن مفهوم توازن القوى في إطار نظريات العلاقات الدولية، فالدول الكبرى غالباً ما تسعى إلى إضعاف خصومها عبر أدوات غير مباشرة، من بينها دعم حركات سياسية أو قومية داخل الدول المنافسة، كما حدث في سورية والعراق سابقاً، ويهدف هذا الأسلوب إلى رفع كلفة السيطرة الداخلية على الدولة المستهدفة، وتشتيت مواردها العسكرية والأمنية، وخلق جبهات داخلية موازية للجبهة الخارجية، عبر ما يسمى بالحرب الهجينة أو اللامتماثلة التي تهدف إلى تفتيت المجتمعات من الداخل وإسقاط الحكومات دون كلفة عسكرية كبيرة.
كما يتقاطع هذا التوجه مع مفهوم الحروب بالوكالة، الذي أصبح سمة بارزة في الصراعات المعاصرة، فبدلاً من المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى، يتم الاعتماد على قوى محلية أو فاعلين غير دولتيين لتحقيق أهداف استراتيجية. وقد ظهر هذا النموذج بوضوح خلال الحرب الباردة، ثم تكرر في عدد من الصراعات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول بعض الحركات الكردية المعارضة في إيران إلى أدوات ضغط في ظل اندلاع الصراع على نطاق جغرافي واسع.، لم يقتصر على الجغرافية الإيرانية بل تجاوزها نحو الخليج العربي وشرق المتوسط.
في سياق آخر، سبق وأن أعلن أوميد خوشناو محافظ أربيل عاصمة اقليم كردستان العراق، أن عدد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أربيل تجاوز 100. وقال أن هجمات الطائرات المسيّرة تقع مسؤوليتها كاملة على عاتق الحكومة الاتحادية العراقية. وأكد أنه "إذا لم تتخذ الحكومة العراقية أي إجراء في هذا الصدد، فسوف نضطر إلى حماية أرض وشعب كوردستان".
وبرأي المراقبين، فإنه ومع التصريحات الرسمية الصادرة عن الأطراف الأمريكية والكردية حول المسألة والصمت الإسرائيلي، إلا أن جميع المؤشرات من تقارير إستخباراتية إلى تهديدات محافظ أربيل، تؤكد ضلوع أكراد إيران في النزاع إلى جانب الأمريكيين والإسرائيليين مقابل وعود لن ترى النور أبداً.
ويبدو أن المشهد الحالي يعيد إنتاج سيناريو مألوف في تعامل واشنطن مع الحلفاء الأكراد، لكن السؤال الجوهري يبقى حول مصداقية الدعم الأمريكي، خاصة إذا نظرنا إلى النموذج السوري حيث تظل القوات الكردية مهددة بضربات تركية دون أن تقدم واشنطن ضمانات حقيقية لحمايتها. كما أن أحلامهم في نيل الحكم الذاتي في مناطقهم قد تبددت مع فرض واشنطن عليهم توقيع إتفاق مع حكومة دمشق لنقل السلطات.
مسارات استغلال العامل الكردي في الصراع
ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن استغلال العامل الكردي في ثلاثة مسارات رئيسية، أول هذه المسارات يتمثل في فتح جبهة استنزاف داخلية، حيث يمكن أن تؤدي أي اضطرابات أو عمليات مسلحة في المناطق الكردية إلى إجبار الدولة الإيرانية على نشر قوات إضافية وتعزيز حضورها الأمني في تلك المناطق، وهو ما يستهلك جزءاً من مواردها العسكرية. أما المسار الثاني فيتعلق بالبعد الاستخباراتي، إذ يمكن للمناطق الحدودية أن توفر بيئة مناسبة لجمع المعلومات ومراقبة التحركات العسكرية. بينما يتمثل المسار الثالث في الحرب الإعلامية والسياسية، من خلال تسليط الضوء على قضايا الأقليات والحقوق القومية بهدف ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على طهران.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو لا يخلو من قيود تحد من فعاليته. فإيران تمتلك خبرة طويلة في إدارة الحركات المسلحة الداخلية، كما أن الانقسامات السياسية بين التنظيمات الكردية تقلل من قدرتها على العمل ضمن إطار موحد. إضافة إلى ذلك، فإن حساسية المسألة الكردية بالنسبة لتركيا تجعل أي دعم خارجي واسع لهذه القضية أمراً معقداً، نظراً لتخوف أنقرة من تداعياته على وضعها الداخلي.
ولا ننسى أن الدعم الأمريكي دائماً ما كان مشروطاً ومؤقتاً دون شراكة حقيقية، وهو ما يصنع أدوات تكتيكية يمكن التخلي عنها في أي لحظة. وأكراد إيران في هذا السياق يُستعملون كورقة ضغط لإضعاف إيران وفتح جبهة استنزاف داخل أراضيها، لتحقيق الهدف الذي أعلنه ترامب في اليوم الأول من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على البلاد بإسقاط النظام الإيراني.
وعليه، فإن استغلال الإسرائيليين والأمريكيين للأكراد في ضرب إيران مقابل مكاسب في الحكم الذاتي للأكراد مثلاً يبقى وهماً وسراباً سيتحول بشكل سريع إلى خسائر هائلة. لأن الأتراك في الجهة المقابلة، وأنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تقوية عسكرية للأكراد أينما كانوا سواء في إيران أو سوريا أو العراق. فأي وجود عسكري كردي بالنسبة لتركيا على حدودها يُعتبر خطراً وجودياً، وهو ما كرّره وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مراراً.
المسألة الكردية بين الضغوط ووهم الوعود
في المحصلة، تبدو القضية الكردية في إيران أقرب إلى ورقة ضغط جيوبولتيكية منها إلى عامل حاسم في الحرب الدائرة حالياً وتشكيل موازين القوى، فهي تمثل أداة يمكن توظيفها ضمن استراتيجيات الصراع غير المباشر، لكنها تبقى محكومة بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة، ولذلك فإن تأثيرها الحقيقي يتوقف على طبيعة الصراع الإقليمي وحدوده، الذي أثبت أن الجغرافية و الديموغرافية لازالت العوامل المؤثرة والمحددة لنتيجة أي صراع ومدى قدرة الأطراف المختلفة على تحويل هذه الورقة من عنصر ضغط سياسي إلى عامل ميداني مؤثر في معادلة القوة.
وبالتالي، فإن محاولة إشراك الأكراد في حرب بالوكالة ضد النظام الإيراني سيكون عبارة عن تزويد الأمريكيين والإسرائيليين بوقود رخيص في صراع إقليمي، يدفعون ثمنه من دمائهم ومستقبلهم دون أن يكونوا طرفاً حقيقياً في معادلاته الكبرى. لتتجدد المأساة الكردية وتتكرر فصولها في إقليم كانت خيراته دوماً مطمعاً للقوى الكبرى وشعوبه مُستغلة ومُنقادة.