«الّلحظة الدُّو كلاركيّة» الفلسطينّية: متى؟
مع التّسليم بالفوارق في السّياقات التاريخية، وبالاحترازات الضرورية المتعلقة باختلاف طبيعة الصراع والبنى الاجتماعية، يمكن الحديث عن إمكانية مرور الصراع العربي الصهيوني ب: "لحظة دوكلاركية".
-
«اللّحظة الدُّوكلاركية»: بوابة الخروج الآمن من الاستعمار والأبارتهايد
في اللحظات التاريخية الحرجة، تدرك النخب الحاكمة، استنادًا إلى تقديرٍ استراتيجي لمتطلبات البقاء الآمن، حدودَ قدرتها على الاستمرار بالنهج ذاته؛ ليس فقط أخلاقيًا، بل أيضًا من زاوية التّقدير المصلحي.
وتُظهر بعض التجارب أنّ الأوقات المصيريّة، تقترن (أحيانا) برجال دولة لا يخافون، ولا يخضعون لابتزاز المجتمع السياسي الذي ينتمون إليه، ويُقاربون الأمور بثبات ودون تردد. الحديث هنا، عن رموزٍ لها القدرة على الاستشراف، واتخاذ قرارات تتجاوز الحسابات الانتخابية الضّيقة.
ما تضمّنته المقدمة، يحيلنا لما عُرف في جنوب إفريقيا بـ: «لحظة دوكلارك». وتُقدّم الفقرة الموالية، مدخلا تاريخيا لما يمكن اعتباره "لحظةً دوكلاركيّة"، ليتسنّى بعد ذلك تطبيق الفكرة كأداة تحليل نظري في السّياق الفلسطيني. طبعا، مع الإقرار بالتّحفظ اللّازم حول درجة النّضج الأكاديمي للفكرة.
«اللّحظة الدُّوكلاركية»: بوابة الخروج الآمن من الاستعمار والأبارتهايد
انتبه فريديريك دو كلارك، رئيس جنوب إفريقيا أواخر ثمانينات القرن الماضي، فيما يشبه لحظة تجلٍّ إدراكي سياسي وتاريخي، إلى أنّ نظام الفصل العنصري لم يعد قابلًا للاستمرار. ولم يكن الأمر مجرد انطباع أخلاقي، أو قناعة سياسية تحت ضغط استعصاء تسيير شؤون الدولة. تقدير الموقف عكس تحوّلًا موقفيًا، أساسه عمقُ الإدراك بأن استمرار النظام سيدفع البلاد إلى عزلة، تتبعها كرة ثلج من الأحداث المنفلتة. ومرتكزات وجود الدولة وديمومتها كانت على المحك.
وبشجاعة سياسيّة نادرة، فتح دو كلارك قنوات حوار سرّية مع نيلسون مانديلا، والتقاه في زنزانته. وقد واجه، بطبيعة الحال، احتجاج ومعارضة جزء واسع من مجتمعه ومن مؤسسات الدولة. وكما هو معلوم، انتهى المسار بوضع جنوب إفريقيا على سكة تاريخية جديدة، وفتح لها أفق اندماجٍ سَلسٍ في الفضاء الإفريقي والعالمي؛ رغم كل ما بقي في البلاد من تناقضات وصعوبات.
وتجربة جنوب إفريقيا، ليست الوحيدة التّي تجسّد هذا النّوع من التّحولات، فالتّاريخ الحديث مليء بلحظات أدركت فيها قوى استعمارية أو أنظمة مهيمنة، أنّ كلفة استمرار المشروع القديم تجاوزت كلفة التسوية. ولعل، تجربة الجزائر مع فرنسا خير مثال لتجسيد المعادلة، إذ عندما عاد شارل ديغول إلى السلطة سنة 1958، كقائد للجمهورية الخامسة، وقع ما يشبه "اللّحظة الدُّوكلاركيّة".
ديغول، الذي مرّ بتجربة احتلال فرنسا وقاد المقاومة والتّحرير، خاطب جموع المستوطنين (الأقدام السوداء) في الجزائر، بعبارته اللُّغزية الشّهيرة: «لقد فهمتكم» (Je vous ai compris). وما تزال هذه العبارة، موضع جدل بين السّاسة والمؤرخين: هل كان ديغول يقصد أنه فهم تمسّك المستوطنين واليمين الفرنسي بفكرة «الجزائر الفرنسية»؟ أم أنه أدرك بالفعل أنّ مواصلة الاستعمار أصبحت مستحيلة، وأنّ فرنسا تحتاج إلى مخرجٍ تاريخيٍّ، يحفظ الدولة الفرنسية نفسها من الاستنزاف والانقسام؟
تكمن أهمية هذه اللحظة، في أن ديغول مثل دوكلارك لاحقًا، لم يتحرّك بالضّرورة بدافع المثالية الأخلاقية، بل انطلاقًا من إدراك استراتيجي بأن التاريخ في لحظة تمرّد، ويتحرك في اتّجاهٍ لا يمكن وقفُه بالقوة العسكرية وحدها. فقد ثبَتت فرنسا ميدانيًا (نسبيًا) في معارك كثيرة، لكنّها كانت تخسر المقبولية السّياسية، وتنحرف عن منطق الزّمن الجاري، أيْ تيّارُ انهاءِ الاستعمار وتقرير المصير. والأهمّ، أنّ الدّولة التّي ترفع شعار «حريّة، مساواة، أخوّة»، كانت تخاطر بمصادرة رصيدها الأخلاقي التّاريخي، والانحراف المعنوي كأمّة. وفي النهاية، خَلُص الأمر إلى اعتراف فرنسا باستقلال الجزائر، رغم المقاومة العنيفة من قطاعات واسعة من الجيش، ورفض المستوطنين الفرنسيين.
ولا بد هنا، من إنصاف السّياسي الفرنسي جورج كليمانسو، بالتّنويه إلى أنّه رفض الاستعمار والاستعلاء والعنصرية، مع بداية الجمهورية الثالثة أواخر القرن التاسع عشر، وكان موقفه ضدّ توجهات جول فيري، الذي، رغم توجّهه الجمهوري اليساري، دافع عمّا اعتبره «الرّسالة الحضارية للتوسّع الاستعماري». ومن مفارقات الأقدار، أنّ ديغول اليميني، فرض ما شابهَ «اللّحظة الدُّوكلاركية» في الجزائر، بعد عقود من دفاعِ كليمانسو اليساري عنها، برفضه المبدئي للاستعمار.
هل كانت «اللّحظة الرّابِينيّة» هي «اللّحظة الدوكلاركية» الضائعة في فلسطين
مع التّسليم بالفوارق في السّياقات التاريخية، وبالاحترازات الضرورية المتعلقة باختلاف طبيعة الصراع والبنى الاجتماعية، يمكن الحديث عن إمكانية مرور الصراع العربي الصهيوني ب: "لحظة دوكلاركية". ففي بداية تسعينيات القرن العشرين، حصل انطباع بادراك بعض قادة "إسرائيل" حدود القوّة العسكرية، وإشكاليّة استمرار الاحتلال إلى ما لا نهاية.
في هذا السّياق، يُنظر لإسحاق رابين كأقرب شخصيّة إسرائيليّة إلى هذا الإدراك. ورابين، الذّي قدِم من خلفية عسكرية، بداياتها كانت مع فرق "الهَاغانا"، لم يكن صاحب مشروع تصالحيٍّ كامل، حسب نموذج جنوب إفريقيا، ولم يكن يسعى إلى دولة واحدة ديمقراطية جامعة. الهدف الأساسي لهذا السّياسي المنتمي لجيل التّأسيس، كان ضمان استمرار إسرائيل. ومع ذلك، مثّل موقفه تحولاً استراتيجياً مهماً، وانتقالا من منطق إدارة الازمة والاستفادة من جولات النار المتتالية، إلى محاولة تسوية الصّراع. طبعا، ضمن "صيغةٍ" تضمن وجوداً فلسطينياً "مقبولاً"، و "قابلاً للحياة".
واغتيال رابين، لم يكن مجرد إنهاء لحياة مسؤول أو "رمزٍ سياسيّ"، بل كان إنهاءً لمسارٍ تاريخيٍّ في بدايته، بغاية منع إعادة توجيه بوصلة الوعي التّاريخيّ داخل "إسرائيل"، نحو الاعتراف بحقوق الفلسطينيّين التّاريخية. هنا، دخل المشروع السّياسي الذي مثّله رابين، في حالة سبات طويلة. استعادة الانفاس حصلت جزئياً سنة 2000، بقرار الانسحاب من جنوب لبنان مع ايهود باراك. إثر ذلك، انخرط باراك في التفاوض مع ياسر عرفات وحافظ الأسد (برعاية بيل كلينتون)، وحينها رأى كثيرون أنّ الخطوات اكتست طابعا جديّا؛ كان من الممكن البناء عليه. إلا أنّ المسارات بقيت محل تشكيك لدى أطراف عديدة، رأت أنّ موازين القوى العميقة لم تكن تسمح بتسوية نهائية، صلبة ومستقرة.
وبقي الصّراع يسير على إيقاع المشروع السياسي الذي قاده بنيامين نتنياهو، الذي لم يكتفِ بتجاهل “لحظة دوكلارك” السّابقة داخل إسرائيل، بل أعاد تعريف سقف الطموح السياسي للدولة العبرية. فرغم قبول (الدرجة مرتبطة بالخط الفكري) الفلسطينيين، بدولة على جزء محدود من فلسطين التّاريخية، لم يكتف اليمين الإسرائيلي بمطلب الأمن وحده، بل كشف عن عقيدته التوسّعيّة، وتشدَّد خطابه تجاه المحيط الإقليمي المباشر. ونتنياهو لا يتردد في استحضار مرجعيات فكرية متشددة، مرتبطة بتصورات مثل «إسرائيل الكبرى»، التي تتجاوز فلسطين التاريخية نحو أجزاء من المحيط الإقليمي. والأخطر، أن استمرار هذا النهج لم يعد يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل صار يؤثر على استقرار المنطقة بأكملها، بل وعلى الاقتصاد العالمي نفسه.
وبعد ربع قرن، من تجربة باراك، ظهرت ملامح فرصة "دُوكلاركيّة" جديدة، خلال محطات التفاوض المتعلقة بالأسرى، ووقف إطلاق النار في غزة بين 2024 و2025. هنا، يبرز اسم مروان البرغوثي، باعتباره شخصية مهمّة في السياق الفلسطيني؛ فهو من القلائل القادرين، حسب تقدير الكثيرين، على مخاطبة التيارات الوطنية والعقائدية معاً. وربّما، سمحت شرعيته النّضالية بعقد تسويات، تفتح الباب أمام مستقبل أقل مأساوية من منطق الحرب الأبدية. لكنّ غلوّ اليمين المتطرف الحاكم، صادر الفرصة، ولم يُكتب لها حتّى مجرّد التّشكُّل كفكرة.
وأحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من حرب مدمّرة، كشفت حجم الاستعصاء الأمني الذي وصلت إليه المنطقة. فبدلاً من أن تتحول الصّدمة إلى فرصة لإعادة التفكير في جذور النزاع، وإمكانيات التسوية، بدا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، تقوّض أيّ أفقٍ لحلّ تاريخيّ معقول. لا بل، يُقامر الكيان بخسارة أقرب مسانديه في الدول الغربية. والابتعاد عن مسارات الحل الممكنة، تزداد تحت ضغط عدّة عوامل متشابكة: طموحات نتنياهو الشّخصية، وأزماته القضائيّة، وابتزاز اليمين الدّيني والقومي المتطرّف؛ الذي بات يمتلك تأثيراً غير مسبوق على القرار الإسرائيلي.
تغييب الرّموز وارتداد الضرر على "الكيان الإسرائيلي"
من المفيد هنا، استحضار موقف الزعيم الليبي الرّاحل معمّر القذافي، الذي لم يوافق على حلّ الدولتين، ورفضه علنيّا في خطاب له من على منبر الجمعية العامة للأمم المتّحدة.
القذّافي، ذهب خَطابيا الى حدّ الدعوة للجمع بين "إسرائيل" وفلسطين، وتسمية البلد "الديمقراطي الموحَّد" الجديد، حسب النموذج الماندِيلّي: إسراطين. هذا الاقتراح الذي يستبطن اعتبار "إسرائيل" دولة تمييز عنصري، قد سبق بأعوامٍ شيوع نعت الكيان بالأبارتهايد، الذي تكرّس بسبب مأساة غزة. والان، تنامى استعمال توصيف الإبادة الجماعية في الخطاب السّياسي والحقوقي العالمي.
وفي نفس السياق يمكن الإشارة الى موقف لافت لإيران، التي كانت تَواصُليا تُجاهر بالسعي لتدمير إسرائيل، خاصة في فترة رئاسة أحمدي نجاد، ثم انتقلت الى موقف يدفع باتجاه الدولة الواحدة (خطبة الامام خامنئي وتصريحات الوزير عراقجي). والعقل الإسرائيلي يدرك طبعا، أن الأمر يُوصِل بالنتيجة الى نفس المستهدف الذي قصده القذّافي: حلّ القضية الفلسطينية بالمراهنة على الديمغرافيا.
ويرى البعض، أنّ هذا الموقف يُجنِّب إيران الخوض في ما يعرف بمبادرة قمّة بيروت للسلام (قمة نصفية بلا أغلبية ولا اجماع)، والمجاهرة بإدانة تطبيع بعض الدول مع "إسرائيل". ومن جهة أخرى، يُسهِّل التواصل مع الدول التي ترى نفسها ملزمة بحماية "إسرائيل"، لأسباب تاريخية كألمانيا. ولا شك، أن خطب الامام علي خامنئي، التي أشار فيها الى أنّ "القضية تحل باستفتاء (كل) سكان فلسطين حول تقرير مصيرهم"، لم ترُق للمتلقّين في "تل أبيب"، لأنها تُنهي امكانية إدانة إيران بناء على سردية عدائها لليهود.
وتثبت التجربة منذ عقود، أن الحروب المتكررة تُنتج مزيداً من الراديكالية والخوف والانغلاق، ولا تُنتج حلاً مستقراً. وربّما تكون المأساة الكبرى في المنطقة، أن الشخصيات القادرة على صناعة «لحظة تاريخية»، غالباً ما يتم إقصاؤها، أو اغتيالها، أو سجنها؛ قبل أن تنضج الظروف السّياسية حولها.
هكذا انتهى مسار رابين وعرفات بالاغتيال، وهكذا تمّ تحويل إمكانية لعب مروان البرغوثي لدور تاريخي ما إلى العدم، بقُرابة ثلث قرن في الزنازين. وتتقدم الشّخصيات الأكثر تشدداً، في "إسرائيل"، نحو مراكز القرار. وفي فلسطين، يمسك بالسّلطة من يتمسّك بخيار التفاوض والسلام، ولو لم يبق من الأرض شيئا يمكن التفاوض عليه. والعدوى، للأسف، بصدد التسرّب للمشهد "الرسمي" اللبناني.
دوكلاركيّة المثقفين والفلاسفة اليهود من مارتن بوبر لإيلان باپيه
مارتن بوبر كان في بداياته صهيونيا، وباعتبار خلفيته الوجودية المؤمنة، لم يقبل طرح تيودور هرتسل والبعد القومي الإقصائي للصهيونية، كما نظّر له هيرتسل. فبوبر، تصور أن التعايش على أساس التقاسم السِّلمي ممكن مع السّكان العرب الأصليين.
وتتالت على مر العقود الثمانية بعد النكبة، مواقف المفكرين الذين يشكلون عناصر أساسية فيما يمكن تسميته: "ارهاصات وتفاعلات اللّحظة الدّوكلاركية الإسرائيلية". ومعيار التقييم يمكن أن يكون: درجة الابتعاد عن طرح هيرتسل، وكذلك التعارض مع فكر جابوتنسكي الذي نظّر "للجدار الحديدي"؛ وهو الملهم لنتنياهو وشركائه في اليمين المتطرف الحاكم حاليا.
ولأن المقام لا يتسع للتعمق كثيرا في أفكار المثقفين اللذين تميزوا بمراجعاتهم في الفضاء اليهودي، سواء في "إسرائيل" أو خارجها، يمكن الاكتفاء بالإشارة الى مواقف "جماعة حماة المدينة" (ناطوري كارتا/ ناظور القرية)؛ وهي تشكل "الدُّوكلاركيّة" العقائدية، السّابقة حتى عن تأسيس الدولة. ومن بين المفكرين، نذكر نعوم تشومسكي، وموشي زوكرمان ويعقوب كوهين، واودي راز، وناتان فاينتشوك، والصحفي في "هآرتس" جدعون ليفي.
ولعلّ زئيف شترنهل بتحذيره من السقوط في الفاشية وتشبيه إسرائيل بالنازية، يعتبر من أهم الأصوات التي تضرب السردية الإسرائيلية في العمق. وأمّا المؤرخ الإسرائيلي الان باپيه، والمشهود بوزنه الأكاديمي في بريطانيا مهد "البلفورية"، فقد دعم منذ 2005 مقاطعة اسرائيل بما في ذلك المقاطعة الأكاديمية، وبرر موقفه "بالحاجة للضغط على إسرائيل من الخارج كأحسن وسيلة لأنهاء أفظع احتلال عرفه التاريخ الحديث". وذهب لحد القول أنّ: " الاحتلال الإسرائيلي هو عملية ديناميكية ويزداد الأمر سوءًا مع مرور كل يوم".
ومن أهم ما صرح به باپيه، ويمكن وضعه في خانة "الدُّوكلاركيّة الاكاديميّة"، التي قد تسهم في تغيير المواقف ومراجعة السرديات، ما يلي:
"وإذا أصبح ممكناً أن ینتقل سلوك إسرائيل في عام 1948 إلى ساحة المحاكم الدولية؛ فهذا سیوجه رسالة إلى معسكر السلام في إسرائيل مفادها أن المصالحة تستلزم الاعتراف بجرائم الحرب والفظائع الجماعية. وهذا ما لا يمكن القيام به من الداخل، حيث إن أي إشارة إلى الطرد أو المذبحة أو التدمير في عام 1948، في الصحافة الإسرائيلية یتم انكارها عادة، وتُنسب إلى الكراهية الذاتية والخدمة للعدو في أوقات الحرب. وهذا ما تكون ردة فعل الأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام والنظام التعليمي، فضلا عن الأوساط السياسية."
دور المثقفين والمفكرين في شق الطريق لتجاوز محرّمات النقاش حول تفكيك الاستعمار والأنظمة الاستيطانية، ليس جديدا؛ ويكفي أن نستحضر تمزُّق ألبير كامو، بين شمس الجزائر التي تسري في عروقه، وأوروبيّتِه التي لم يتمكن من اعادتها الى رشدها الأخلاقي الكامل، ليساند الثورة الجزائرية مجاهرةً، كما فعل جون بول سارتر. وإن كان، صاحب "الغريب"، قد انتصر على سارتر في الخلاف حول علوية الاخلاق في العمل الثوري، في علاقة بالموقف من الستالينيّة، والتّعامل مع مطلب الحرية في السّياق الثوري.
واجمالاً، لقد عَرفت تجارب عديدة ما اعتبرناه "التّحول الدّوكلاركي"، من استقلال الجزائر، لنهاية الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، إلى اتفاق أيرلندا الشمالية لسنة 1998؛ حيث أدركت الأطراف المتصارعة، بعد عقود من الدم، أن استمرار النزاع أخطر من التسويات المؤلمة. ولم تكن تلك التحولات، نتيجة انتصار كامل لطرف على آخر، بل نتيجة اقتناع تدريجي بأن لا أحد يستطيع إلغاء الآخر، نهائياً. أمّا في الشرق الأوسط، فتبدو هذه القناعة غائبة الى حدّ الآن. فكل طرف ما يزال يراهن، بشكل أو بآخر، على إمكانية فرض واقع نهائي بالقوّة العسكرية، أو بالتفوق الجيوسياسي، أو بالدعم الخارجي. وقد يكون الدرس الأهم، من تجربة دوكلارك ومانديلا وديغول، والى حدّ ما رابين، أنّ السّلام الحقيقي لا يولد عندما يقتنع المتطرفون، بل عندما يقتنع أصحاب الشرعية داخل المعسكرات المتصارعة، بأن المستقبل المشترك مهما كان مؤلماً وتحت سقف الامنيات، أقل كلفة من الحرب الأبدية.
وفي المحصلة، تكَرَّر سقوط الدّول بأشكال مختلفة في التاريخ، والعبرة أنّ الأنظمة والمشاريع القومية تصل أحياناً، الى مرحلة العجز عن تحمّل أعباء قوّتها. في تلك اللحظة، لا يعود السّؤال: “كيف نراكم الانتصارات؟”، بل “كيف نمنع الهزيمة والسقوط الجمعي؟”. وهنا يظهر الفرق بين رجال الدولة ونشطاء السّياسة العابرين. رجل الدولة، يقرأ حدود مشروعه قبل الانفجار، بينما يواصل السياسي، الذي يتحيّنُ فرص ممارسة السلطة، إدارة اللحظة بمنطق البقاء الشخصي، و/ أو الحسابات الإيديولوجية الضيقة، الى أن يغرق بالسفينة.
وختاما، بما أنّ اليمين الإسرائيلي، قد أزاح رابين، وأنهى ما كان يمكن أن يلامس "اللّحظة الدُّوكلاركيّة" في فلسطين المحتلّة، فالمُرجّح حسب تجارب التاريخ، ووفق منطق تداول الأجيال السياسية (قانون الاطوار الثلاثة في الفكر الخلدوني والاستشراف القرآني للشيخ ياسين)، سيصل الوضع في "إسرائيل"، الى لحظة تقتضي تقدّم جيل جديد من السّياسيين، خاصة في الغرب، بمستوى تحديات اللحظة التاريخية، ليساهموا في اخراج المنطقة من دوامة العنف. وإن كان الأقرب للاحتمال، أنّ غُلوّ نتنياهو وأشباهه، قد يتكفل بتوفير الظّروف المساعدة على تحقق نبوءات لعنة العقد الثامن.