"إسرائيل" والمقاومة... أزمة تعريف النصر في الحروب غير المتماثلة

هل ينتصر الطرف الذي يدمّر أكثر؟ أم الطرف الذي يفرض شروطه السياسية؟ وهل يمكن لجيش متفوق عسكريًا أن يفشل استراتيجيًا رغم تفوقه الناري الكامل؟

  • هل يمكن لجيش متفوق عسكريًا أن يفشل استراتيجيًا؟ (أرشيف)
    هل يمكن لجيش متفوق عسكريًا أن يفشل استراتيجيًا؟ (أرشيف)

ماذا يعني النصر في الحروب الحديثة؟ لم يعد مفهوم النصر في الحروب الحديثة واضحًا كما كان في الحروب التقليدية. ففي الماضي، كان بالإمكان تحديد المنتصر بسهولة: جيش يحتل الأرض، يُسقط العاصمة، يفرض الاستسلام، وينهي قدرة خصمه على القتال. هكذا تشكّل الوعي الكلاسيكي لمعنى الحرب والانتصار.

لكن الحروب المعاصرة، وخصوصًا الحروب غير المتماثلة، غيّرت هذه المعادلة بصورة جذرية. ففي هذا النوع من الصراعات، لا تواجه الدول جيوشًا نظامية مشابهة لها، بل تنظيمات مرنة تمتلك قدرة عالية على الصمود والاستنزاف وإعادة إنتاج نفسها. وهنا لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا لصناعة النصر، لأن الطرف الأضعف لا يدخل الحرب بهدف إسقاط خصمه عسكريًا، بل بهدف منعه من تحقيق أهدافه السياسية والاستراتيجية.

من هنا تحديدًا، أصبح تعريف النصر أكثر تعقيدًا وغموضًا.

هل ينتصر الطرف الذي يدمّر أكثر؟ أم الطرف الذي يفرض شروطه السياسية؟ وهل يمكن لجيش متفوق عسكريًا أن يفشل استراتيجيًا رغم تفوقه الناري الكامل؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت جوهر الحروب الحديثة كلها، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، وصولًا إلى المواجهة المفتوحة بين "إسرائيل" وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين.

فـ "إسرائيل" تمتلك واحدًا من أكثر الجيوش تطورًا في العالم، مع تفوق جوي واستخباراتي وتكنولوجي هائل، لكنها تواجه في المقابل نموذجًا قتاليًا مختلفًا لا يقوم على الحسم الكلاسيكي، بل على الصمود وإطالة أمد الحرب وتحويلها إلى استنزاف دائم.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية:

كلما احتاج الطرف الأقوى إلى نصر كامل كي يُعلن انتصاره، أصبح أكثر عرضة للاستنزاف إذا فشل في تحقيق هذا الحسم بسرعة. وفي المقابل، لا يحتاج الطرف الأضعف إلى هزيمة خصمه عسكريًا، بل يكفيه أن يمنعه من تحقيق أهدافه الأساسية حتى يحوّل “منع الهزيمة” إلى شكل من أشكال النصر.

أزمة الحسم الإسرائيلي

ليست أزمة "إسرائيل" في هذه الحرب أنها تفتقد فائض القوة، بل إن أزمتها الحقيقية تكمن في عجز هذا الفائض عن فرض نهاية سياسية واضحة للحرب. فالحروب غير المتماثلة لا تُقاس بحجم النار المستخدمة، بل بمدى القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة ودائمة.

فالجيش الإسرائيلي يدخل أي حرب انطلاقًا من عقيدة تقوم على الحسم السريع: تدمير قدرات الخصم، استعادة الردع، وإعادة إنتاج صورة "الجيش الذي لا يُقهر". لكن ما يحدث في الحروب غير المتماثلة مختلف تمامًا؛ إذ يتحول الزمن نفسه إلى عنصر استنزاف للطرف الأقوى، فيما يصبح مجرد بقاء الطرف الأضعف واستمراره في القتال شكلًا من أشكال الإنجاز الاستراتيجي.

لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي في هذه الحروب ليس: من دمّر أكثر؟ بل: من فشل في فرض أهدافه؟

خلال الشهر الأخير فقط، أظهرت الوقائع الميدانية حجم المأزق الذي تواجهه "إسرائيل" على الجبهة الشمالية. فبحسب خرائط الاستهدافات المعلنة، تعرضت أكثر من 113 آلية عسكرية إسرائيلية لضربات مباشرة، بينها 48 دبابة و30 جرافة عسكرية و35 آلية متنوعة، على امتداد الجبهة الحدودية.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد خسائر تقنية أو مادية، بل تكشف حقيقة أكثر خطورة بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: الجبهة ما تزال قادرة على استنزاف الجيش ومنعه من التحرك بحرية رغم التفوق الجوي والاستخباراتي الهائل.

والأهم أن جزءًا كبيرًا من الآليات المستهدفة يرتبط مباشرة بالعمليات البرية والهندسية، أي بالأدوات التي يُفترض أن تسمح للجيش الإسرائيلي بفرض السيطرة الميدانية وتغيير الوقائع على الأرض. وعندما تتحول الدبابات والجرافات نفسها إلى أهداف دائمة، فهذا يعني أن البيئة العملياتية ما تزال غير مستقرة، وأن القدرة على الحسم البري ما تزال مكلفة ومعقدة.

في المقابل، كانت "إسرائيل" قد وضعت للحرب أهدافًا واضحة: إنهاء التهديد الحدودي، تدمير البنية العسكرية للمقاومة، إعادة المستوطنين إلى الشمال، واستعادة قوة الردع التي تآكلت بفعل استمرار المواجهة.

لكن بعد أشهر من الحرب، لا تبدو هذه الأهداف متحققة بصورة نهائية. فالمستوطنات الشمالية ما تزال تعيش قلقًا أمنيًا دائمًا، والجبهة لم تتحول إلى مساحة مستقرة، كما أن المقاومة ما تزال قادرة على إدارة الاشتباك وفرض معادلات ميدانية مستمرة.

هنا تظهر المفارقة التي تحكم الحروب غير المتماثلة كلها:

فالطرف الأقوى يحتاج إلى نصر كامل كي يُعلن انتصاره، بينما يكفي الطرف الأضعف أن يمنعه من تحقيق هذا النصر.

لقد كشفت تجارب كثيرة، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، أن الجيوش الكبرى تستطيع السيطرة بالنار، لكنها تعجز أحيانًا عن فرض استقرار سياسي طويل الأمد عندما تواجه خصمًا يمتلك قدرة عالية على الصمود والاستنزاف وإعادة إنتاج نفسه.

وفي الحالة الإسرائيلية، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا، لأن صورة “الجيش الذي لا يُقهر” كانت تشكل جزءًا أساسيًا من قوة الردع النفسية والسياسية للدولة. أما الحروب الطويلة التي تمتد بلا حسم واضح، فإنها تستنزف هذه الصورة تدريجيًا، وتحوّل الجبهة الداخلية نفسها إلى ساحة ضغط على القيادة السياسية والعسكرية.

من يربح الحرب حتى الآن؟

انطلاقًا من طبيعة الحرب غير المتماثلة، يمكن قراءة النتائج الحالية بعيدًا عن منطق الدعاية والانفعال السياسي، ووفق معيار واحد: هل استطاع كل طرف تحقيق أهدافه الأساسية؟

حتى الآن، تبدو الصورة على الشكل الآتي:

لم تحقق "إسرائيل" حسمًا عسكريًا نهائيًا ضد المقاومة.

لم ينجح هدف "إنهاء التهديد الحدودي" بصورة كاملة.

ما تزال الجبهة الشمالية تعيش حالة استنزاف أمني وعسكري مستمر.

تعرضت صورة الردع الإسرائيلي لتآكل تدريجي بفعل طول أمد المواجهة.

ما تزال الفجوة قائمة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية.

في المقابل:

ما تزال المقاومة تحتفظ بقدرتها على الفعل الميداني.

نجحت في منع العدو من فرض بيئة أمنية مستقرة على الحدود.

حولت الحرب من معركة حسم سريع إلى حرب استنزاف مفتوحة.

استطاعت البقاء داخل معادلة الاشتباك رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل.

وهنا تكمن الخلاصة الأكثر أهمية:

في الحروب التقليدية ينتصر من يحتل الأرض ويدمّر جيش خصمه، أما في الحروب غير المتماثلة فقد ينتصر الطرف الأضعف بمجرد منعه الطرف الأقوى من فرض إرادته الكاملة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن "إسرائيل"، حتى اللحظة، لم تنجح في تحقيق النصر السياسي والاستراتيجي الذي دخلت الحرب من أجله، فيما نجحت المقاومة في منع الهزيمة وتحويل الحرب إلى استنزاف طويل الأمد.

في الحروب غير المتماثلة، لا يُسأل الطرف الأضعف إن كان قادرًا على هزيمة خصمه بالكامل، بل يُسأل الطرف الأقوى لماذا عجز، رغم فائض القوة، عن فرض نهاية للحرب.

وهذه تحديدًا هي المعضلة الأكثر إرباكًا لـ "إسرائيل":

قد تربح معارك النار يوميًا، لكنها كلما عجزت عن إنتاج حسم نهائي، اقتربت أكثر من حرب تربح فيها القوة... ويضيع فيها معنى النصر.