"إسرائيل" ما بعد 7 أكتوبر و"وعي الأرض المحروقة" كعقيدة أمنيّة مستجدّة

في عام 1956 كانت الأرض المحروقة وسيلة لتعطيل قدرة الخصم، وفي مرحلة ما بعد حرب 2006 أصبح التدمير الواسع أداة للردع ورفع الكلفة، أما بعد الـ 7 من تشرين الأول فقد بدأ يظهر نموذج ثالث يقوم على استخدام التدمير لإعادة تشكيل المجال نفسه.

  •  أفرز السابع من تشرين الأول 2023 تحولًا عميقًا في التفكير الأمني الإسرائيلي (أرشيف).
     أفرز السابع من تشرين الأول 2023 تحولًا عميقًا في التفكير الأمني الإسرائيلي (أرشيف).

أفرز السابع من تشرين الأول 2023 تحولًا عميقًا في التفكير الأمني الإسرائيلي، تجاوز مراجعة الإخفاق الاستخباري والعسكري إلى إعادة النظر في مفهوم الدفاع نفسه. فبدل الاكتفاء بالحدود والعوائق التكنولوجية والمراقبة والإنذار المبكر، برز اتجاه يقوم على نقل الجزء الأساسي من منظومة الدفاع والحماية إلى داخل أرض الخصم، عبر السيطرة على مساحات حدوديّة، وتدمير أجزاء من بنيتها، ومنع إعادة استخدامها عسكريًا، وتحويلها إلى أحزمة أمنية ومناطق قتل وفضاءات مراقبة ونيران. وفي هذا السياق ظهر تعبير «الأرض المحروقة» بوصفه أكثر من وصف للدمار، ليأخذ وظيفة عملياتيّة وإدراكيّة داخل تصوّر أمني مستجد.

تكشف صحيفة «هآرتس» هذا التحوّل بوضوح في تقرير نشرته مجموعة من الكتاب (ياردين ميخائيلي وبار بيليغ ويانيف كوبوفيتش وليزا روزوفسكي) في الـ 4 آب من 2026 حول ترسّخ "الجيش" الإسرائيلي في جنوب لبنان. ووفق التقرير، لم تعد المنطقة التي دخلها "الجيش" خلال الحرب مجرد مساحة عمليات مؤقتة، إذ أنشأ قواعد عسكرية وطرقًا لوجستيّة وسيطر على نقاط مرتفعة، بالتوازي مع تدمير واسع للقرى والبلدات.

وقدّرت «هآرتس» مساحة المنطقة التي يسيطر عليها الجيش بنحو 602 كيلومتر مربع، فيما تحدّث وزير الحرب إسرائيل كاتس عن نحو 700 كيلومتر مربع، مع وصول عمق السيطرة في بعض المواضع إلى نحو 12 كيلومترًا داخل لبنان.

غير أن الدلالة الأهم جاءت في العبارة التي نقلتها «هآرتس» عن مسؤول كبير في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في نيسان 2026: «يجب خلق وعي الأرض المحروقة». تكشف هذه العبارة أن التدمير لا يُراد له أن يؤدي وظيفة مادية فقط، بل أن ينتج أثرًا نفسيًا وردعيًا أيضًا؛ أي ترسيخ إدراك لدى الخصم بأن إعادة بناء القدرة العسكريّة قرب الحدود أو العودة إلى نمط الانتشار السابق ستترتب عليها كلفة مرتفعة. وهكذا تصبح الجغرافيا المدمرة نفسها جزءًا من الرسالة الأمنيّة.

كما كشف الصحافي بار بيليغ في تقرير سابق أن المؤسّسة الأمنية تعتزم الهدم الكلي للبيئة العمرانية في منطقة الخط الأصفر جنوبي لبنان، ومنع السكان من العودة إليها، وإقامة مواقع دائمة ومؤقتة. وبرّرت المؤسّسة هذه السياسة بأن تلك القرى تستخدمها بنية حزب الله العسكرية، ولذلك يجب اعتماد سياسة «الأرض المحروقة» لمنع عودة المسلحين وإعادة التنظيم. والأهم أن التقرير ربط هذا التصور مباشرة بما سبق تطبيقه في رفح وبيت حانون ومناطق أخرى في قطاع غزة، بما يكشف انتقال نموذج عملياتي من جبهة إلى أخرى.

كما أشار التقرير إلى توجّه للسيطرة على جنوب لبنان حتى خط الليطاني وإنشاء «مجال قتالي» بين النهر والحدود. وهو ما يكشف توسيع مفهوم المنطقة العازلة إلى عمق أمني أوسع، تُستخدم فيه السيطرة على الأرض والنيران والمراقبة لمنع اقتراب التهديد من الحدود الإسرائيليّة.

ومع ذلك، فإن «الأرض المحروقة» ليست مفهومًا جديدًا في التاريخ العسكري الإسرائيلي. ففي نهاية عام 1956 نفذ الجيش الإسرائيلي «عملية عمورة»، المعروفة أيضًا باسم «عملية الأرض المحروقة»، قبيل انسحابه من سيناء. وشملت العملية تدمير مئات الكيلومترات من الطرق والسكك الحديدية، ومطارات ومعسكرات ومستودعات وقود وخطوط اتصال ومصادر مياه، بهدف منع الجيش المصري من استخدام تلك البنى لحشد قواته بسرعة بعد الانسحاب الإسرائيلي.

تكشف المقارنة بين «عمورة» والنموذج الحالي تحولًا في وظيفة المفهوم. ففي عام 1956 كانت الأرض المحروقة أداة حرمان تسبق الانسحاب؛ أما بعد الـ7 من تشرين الأول فأصبحت تقترن بالسيطرة والإمساك بالمجال. لم يعد الهدف فقط تدمير ما قد يستخدمه الخصم بعد مغادرة الجيش، بل إعادة تشكيل البيئة الحدودية نفسها بحيث يصعب على القوى المعادية استعادة حضورها السابق فيها. وهو ما يفسّر سلوك الجرف الكلي حتى للبنى التحتية للقرى وبما فيها المقابر.

هذا المعنى يتقاطع مع تحليل الباحث والضابط السابق في الشرطة الإسرائيلية بنحاس يحزقيلي في مقاله المنشور في الـ14 من حزيران 2024 بعنوان «طريقة الأرض المحروقة: رافعة تأثير نصر الله». فقد قدّم يحزقيلي الأرض المحروقة بوصفها إحدى أدوات حرب الاستنزاف التي تستهدف البنية التحتية والقوة العسكرية والقدرة النفسية للخصم، وأشار إلى سوابق إسرائيلية تبدأ بعملية «عمورة» وتمر بتدمير الضاحية الجنوبية في حرب لبنان الثانية، وصولًا إلى حرب «السيوف الحديدية»، حيث وصف أجزاء من قطاع غزة بأنها جرت تسويتها وتحويلها إلى مناطق غير صالحة للسكن. وتكمن أهمية هذا الطرح في توسيع وظيفة التدمير من الحرمان العسكري إلى التأثير في قدرة الخصم على الاستمرار وفي تصوراته عن كلفة الحرب.

أما التحول في مفهوم الدفاع نفسه فيظهر بصورة أوضح في تقرير آفي أشكينازي المنشور في «معاريف» في الـ25 من تموز 2026 بعنوان «كانوا يطلقون النار من هناك سابقًا، واليوم هي أرض محروقة». ونقل التقرير عن قائد الكتيبة التاسعة في لواء المدرعات 401 أن الجيش بنى في جنوب لبنان تصورًا دفاعيًا متعدد الطبقات، يتضمن «مجالًا منزوع السلاح» و«عمقًا أمنيًا» ومنظومة مواقع يُطلَق عليها «مواقع القبضة»، تسيطر بالرصد والنيران على المنطقة.

الأهم أن قائد الكتيبة قال صراحة إن «مفهوم الدفاع تغيّر»، موضحًا أن العائق الحدودي لم يعد مجرد حاجز مادي، وأن الجيش يعمل داخل الأراضي اللبنانية باعتبارها جزءًا من مهمة الدفاع عن مستوطنات الشمال. كما وصف القوات الموجودة داخل لبنان بأنها «دائرة الدفاع الثالثة». وهنا تظهر بوضوح النقلة العقائدية: الحدود لم تعد نقطة البداية الوحيدة للدفاع، بل أصبحت جزءاً من الأرض الواقعة وراءها مدمجة في منظومة الحماية الإسرائيلية.

ويؤكّد وزير الحرب إسرائيل كاتس هذا المنطق بصورة أكثر مباشرة. ففي تقرير شاي ليفي في موقع القناة 12، نُقلت عن كاتس خلال لقاء مغلق مع قادة عسكريين في لبنان عبارة: «نعم، هذه أرض محروقة»، موضحًا أن الغاية هي «ألا يعودوا إلى هناك، وألا يستطيعوا إعادة تنظيم أنفسهم هناك»، وأن «هناك ثمنًا يدفعونه» لأن «هذا هو الأمن». وهذه الصياغة تربط التدمير بمنع العودة وإعادة التنظيم وفرض الكلفة، وتمنح مفهوم «وعي الأرض المحروقة» مضمونًا سياسيًا وأمنيًا واضحًا. وبذلك يربط وزير الحرب بصورة مباشرة بين أربعة عناصر هي التدمير، ومنع العودة، ومنع إعادة التنظيم، وإنتاج الأمن.

ومن هنا يبرز الفرق بين هذا النموذج و«عقيدة الضاحية» التي ظهرت بعد حرب لبنان الثانية عام 2006. فقد قامت عقيدة الضاحية أساسًا على استخدام قوة نارية واسعة لرفع كلفة الحرب على الخصم وتحقيق الردع، بينما يضيف النموذج المستجد بعد السابع من أكتوبر عنصرًا آخر هو الاحتلال بعد التدمير ليصبح مقدّمة لإنشاء عمق أمني وإعادة تنظيم الجغرافيا الحدودية.

ففي عام 1956 كانت الأرض المحروقة وسيلة لتعطيل قدرة الخصم بعد الانسحاب، وفي مرحلة ما بعد حرب 2006 أصبح التدمير الواسع أداة للردع ورفع الكلفة، أما بعد الـ7 من تشرين الأول فقد بدأ يظهر نموذج ثالث يقوم على استخدام التدمير لإعادة تشكيل المجال نفسه، ثم الإمساك به وتحويله إلى عمق دفاعي.

وتشير التقارير الإسرائيليّة إلى أن غزّة شكّلت الحقل الأول لتطبيق هذا النمط على نطاق واسع بعد الـ7 من تشرين الأول، قبل أن تظهر بوضوح في جنوب لبنان وربما لاحقًا في أماكن ثانية، بما يسهم بفهم العقيدة المستجدّة باعتبارها انتقالاً من «الدفاع عن الحدود» إلى «الدفاع بواسطة الأرض الواقعة وراء الحدود». ففشل السياج والعوائق التكنولوجية والإنذار المبكر في الـ7 من تشرين الأول دفع جزءًا من المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة إلى البحث عن الأمن في المسافة والجغرافيا، أي في إبعاد الخصم عن الحدود، وليس فقط في تحسين القدرة على اكتشافه عند اقترابه منها بل بوضع الجيش وجنوده في المتراس الأول مقابل التهديدات لا المستوطنات والمستوطنين.