هل يكون الـ pkk قرباناً للقوات الأميركية؟ أنقرة.. أوجاع داخلية وطموحات إقليمية
تمدد تركيا الإقليمي وإعادة توظيف نفوذها الجيوسياسي وسط تحولات الناتو والشرق الأوسط وتحدياتها الداخلية.
-
هل يكون الـ Bkk قرباناً للقوات الأميركية؟ أنقرة.. أوجاع داخلية وطموحات إقليمية
تمدّدت تركيا في السنوات الأخيرة في محيطها، بعدما كسبت من انهيار دول وهيمنة جهات فاعلة من غير الدول في جوارها المباشر. ففي المشرق العربي، أعاد القادة السياسيون في أنقرة رسم هيكليات الدول انطلاقاً من سوريا لتتناسب مع جهات إقليمية ودولية فاعلة، مولّدين بذلك بيئةً تلائم توجّهها السياسي الذي طالما عمل على ترسيخ روابط مع هذه الجهات الفاعلة لتلائم طموحاتها.
أنقرة والواقعية الجغرافية
ويمكن قراءة كيف تحوّلت علاقات تركيا بـ(دمشق) إلى ورقة جيوسياسية رابحة بعد أن وصل رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع إلى القصر الجمهوري في العاصمة السورية، حيث أعادت أنقرة تأكيد حضورها على رقعة الشطرنج في المشرق العربي لدعم واقعيتها الجغرافية في أن تصبح مركزاً إقليميًاً لتصدير الطاقة إلى أوروبا، الأمر الذي أثار استياء "إسرائيل" من جهة وخصومها العرب الخليجيين من جهة ثانية.
يضاف إلى ذلك أنّ حالة عدم اليقين حول دور الولايات المتحدة الأميركية في المستقبل أثارت نقاشات متكرّرة حول الضمانات الأمنية الأميركية لأوروبا التي تسعى إلى زيادة الاستقلال الذاتي في العديد من دول الناتو. وأنقرة ترى في ذلك فرصة لتوسيع نفوذها السياسي داخل الحلف.
وكانت القمة السادسة والثلاثون لقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عُقدت في أنقرة يومي 7-8 تموز/يوليو 2026، بعد مرور اثنين وعشرين عاماً على قمة إسطنبول عام 2004، أكّدت دور تركيا الإقليمي المفترض، التي ستمثّل فرصة تاريخية لتعزيز مكانة العاصمة أنقرة على الساحتين الإقليمية والدولية، وقد أولت صحف تركيا اهتماماً بالتحوّلات البنيوية التي يشهدها الحلف، مشيرة إلى أنّ قمة "الناتو" قد تؤسّس مرحلة جديدة في مسار تطوّره، سيما بعد الجدل المتصاعد بشأن مستقبل قيادة هذا الحلف.
هذا في ظلّ دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تحمّل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن تعزيز أمنها، وما يثيره ذلك من تساؤلات عن الأدوار المشبوهة لأعضائه في المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد الحديث عن تراجع الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط بسبب حربها العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولعلّ المفاجأة الكبيرة بالنسبة لترامب أنّ حلفاءه الخليجيين إضافة إلى الأردن والكيان الصهيوني ساهموا في العدوان على الأراضي الإيرانية، في حين أنكفأ الغرب عن مساعدة ترامب رغم صراخه اليومي مطالباً قادة أوروبا بمدّ يد العون له ضدّ إيران. ولكن، هل وقفت تركيا على الحياد في الحرب الأميركية الإيرانية رغم مغريات ترامب ببيعها طائرات "أف-35"؟
هذا الاختراق لم يتحوّل إلى قرار قانوني وتنفيذي نهائي من جهة؛ ولم تتجاوب أنقرة مع المطالب الأميركية لمواجهة إيران، وهي تدرك أنّ الحصول على طائرات أف-35 المتطوّرة أكثر صعوبة بالنسبة لأنقرة، التي مُنعت من شرائها منذ عام 2020 عندما فرضت واشنطن عليها عقوبات بموجب قانون "مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات" بسبب شرائها لمنظومة الدفاع الجوي الروسية أس-400.
إضافة إلى ذلك فإنّ ترامب وضع شروطاً قاسية للحصول على هذه الطائرات وهي شروط لا تستطيع أنقرة التجاوب معها. وهي تحاول أن تبرز كوسيط في الأزمات الدولية- مثلاً في حرب أوكرانيا وفي العدوان على إيران. وتسعى أنقرة إلى تقديم نفسها كلاعب لا غنى عنه تتجاوز أهميته موقعها الجغرافي.
طبعاً، تسعى تركيا الى بناء تفوّق إقليمي من خلال مطالبتها الحصول بسرعة على طائرات "أف-35" المتطوّرة لمواكبة منافسيها الإقليميين مثل "إسرائيل" واليونان وقبرص وتعزيز قوّتها الجوية لمواجهة أيّ تهديدات محتملة.
عادة ما تحتاط أنقرة تجاه طموحات طهران في البلدان المجاورة لها. لكن على الرغم من أنّ علاقتهما تشهد تقلّبات في بعض الأحيان، لكنّها لطالما اتّصفت بالاستقرار نسبياً. فما دام لا يعتبر أيّ من البلدَين البلدَ الآخر تهديداً وجوديّاً له، وما دام كلاهما يريان في التحالف السعودي الإماراتي الإسرائيلي تهديداً، فقد عقدا تسوية توافقية بالعيش كبلدَين متجاورَين. وقد أتاحت لهما هذه التسوية الإبقاءَ على روابط سياسية واقتصادية حتّى في أثناء خوضهما حروباً بالوكالة في سوريا ومنافسةً في العراق. وسمحت قدرة طهران وأنقرة على فصل المسائل في علاقتهما الثنائية باستكمال التعاون بينهما في مجالات مثل التجارة والطاقة والسياحة، غير أنّ لمدى إمكانيّة تقاربهما حدوداً، وذلك نظراً إلى نظامَيهما السياسيَّين المختلفَين وطموحاتهما الجيوسياسية المتضاربة.
تحدّيات داخلية
قدّم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، إلى البرلمان مشروع قانون يضع إطاراً قانونيّاً لتنفيذ إجراءات حلّ حزب العمال الكردستاني، والإشراف على عملية نزع سلاحه وعودة عناصره، ضمن مسار يهدف إلى إنهاء الصراع الممتدّ منذ عقود.
ومشروع القانون يمنح مجلس الأمن القومي صلاحية التحقّق من تنفيذ إجراءات حلّ الحزب والتأكّد من استكمال عملية نزع السلاح وفق الآليات المنصوص عليها.
ويتضمّن المشروع أحكاماً تقضي بعدم ملاحقة مقاتلي الحزب الذين لم يثبت تورّطهم في جرائم قتل عند عودتهم إلى تركيا، إلى جانب تعليق تنفيذ أحكام السجن الصادرة بحقّ المدانين بالانتماء إلى الحزب.
كما ينصّ على تشكيل لجنة عليا للإشراف على تنفيذ الإجراءات، تضمّ نائب الرئيس وعدداً من الوزراء ورئيس جهاز المخابرات، فيما تتولّى لجنة برلمانية متابعة عمليات تسليم السلاح واستسلام عناصر الحزب، فضلاً عن مراقبة تنفيذ بنود القانون.
وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن في أيار/مايو من العام الماضي قراره بحلّ نفسه وإلقاء السلاح، استجابةً لدعوة أطلقها زعيمه المسجون عبد الله أوغلان.
ويذكر أنّ حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (التركي) المقرّب من الكرد، كان أوّل من كشف عن التوصّل إلى إطار قانوني لعملية السلام تمهيداً لعرضه على البرلمان وإقراره قبل العطلة الصيفية، عقب زيارة وفد منه، قبل نحو أسبوعين، أوغلان في سجنه.
لا تعني نهاية المواجهة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني بالضرورة نهاية الحزب بوصفه قوة إقليمية. فبينما يتراجع مقاتلوه عن الحدود التركية، تشير تحرّكات متراكمة إلى انتقال مركز ثقله جنوباً، عبر الشريط الجبلي الممتد من قنديل إلى حلبجة بمحاذاة إيران. وإذا تأكّدت التقارير عن حفر أنفاق وتشييد تحصينات في المنطقة، فقد نكون أمام تحوّل استراتيجي، خروج الحزب من جبهة تركيا، مع احتفاظ منظومته بعمق عسكري على حدود إيران، تزامناً مع الحرب العدوانية التي تشنّها أميركا ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ما يضع علامات استفهام كبيرة أمام أسباب نقل البندقية من الجبهة التركية إلى الحدود الإيرانية؟
عندما أطلق العمال الكردستاني ثورته ضدّ العسكرتيريا التركية عام 1984، تركّزت قواعده العراقية قرب الحدود التركية، لتكون نقاط انطلاق نحو الداخل. رسّخ وجوده في هفتانين، ثم تمدّد إلى أميدي وخواكورك وغارا وقنديل، ومعظمها ضمن مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني.
لكنّ الاستراتيجية العسكرية التركية غيّرت الخريطة. فمنذ عام 2019، انتقلت أنقرة من الغارات والعمليات المؤقتة إلى إنشاء قواعد ونقاط محتلة داخل شمال العراق. وأدّى هذا الوجود إلى تقليص حركة الحزب ودفعه بعيداً عن الحدود التركية إلى السليمانية. والمفارقة أنّ هذا الواقع سبقه تحسّن في علاقة الاتحاد الوطني بتركيا. فقد زار رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن السليمانية في تموز/يوليو 2026، ثم التقى قُباد طالباني وزير الخارجية هاكان فيدان في أنقرة.
ولا تثبت هذه الاتصالات وجود صفقة ثلاثية، لكنها توحي بأنّ أنقرة باتت ترى الاتحاد الوطني شريكاً محتملاً في إدارة مرحلة ما بعد انسحاب الحزب من الجبهة التركية إلى الحدود الإيرانية بهدف تحريك الفصائل الكردية للدخول في مواجهة القوات الإيرانية.
وكان الباحث التركي، إسلام أوزكان، قد رجّح احتمال تطوّر العلاقات بين بغداد وأنقرة، إلا أنه استبعد انسحاب الجيش التركي من العراق "في القريب العاجل". ويرى رئيس مركز "التفكير السياسي العراقي"، الخبير السياسي إحسان الشمري، أنّ "تركيا لن تنسحب سريعاً من العراق، خصوصاً وأنّ اتفاق السلام مع حزب العمال لا يزال في بدايته".
طبعاً، لم تتوقّف علاقة أنقرة بحزب العمال الكردستاني فقط، بل تحوّلت علاقات تركيا بحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) إلى ورقة جيوسياسية رابحة بعد أن كانت ذات يوم نقطة خلاف مع واشنطن، حيث أعادت أنقرة تأكيد حضورها على رقعة الشطرنج في المنطقة مما يثير استياء "إسرائيل" وخصوم تركيا العرب. ولكنّ السؤال الذي يطرحه المراقبون: كيف للإسرائيلي أن يدخل إلى تركيا من دون "فيزا".. في حين يطلب من الفلسطيني الحصول على "فيزا" قبل الدخول إلى الأراضي التركية؟