هرمز وإيران في اختبار التوازن الأميركي–الصيني الجديد
زيارة ترامب إلى بكين لم تُنتج تحوّلاً في الملف الإيراني بقدر ما كشفت حدود القدرة الأميركية على توجيه سياسات القوى الكبرى الأخرى.
-
لا يمكن فصل الموقف الصيني عن التحوّلات التي أفرزتها الحرب مع إيران (أرشيف).
جاءت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في ظاهرها ضمن سياق إدارة العلاقة بين القوتين العظميين، ولا سيما في مجالات التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية، وهي ملفات أصبحت تمثّل العمود الفقري للتنافس الأميركي–الصيني في العقد الأخير. غير أنّ هذه الزيارة، في جوهرها السياسي والاستراتيجي، لم تكن معزولة عن السياق الدولي الأوسع، حيث حضرت بقوة ملفات الأمن الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى، وفي مقدمتها الحرب مع إيران، وأمن الطاقة، ومستقبل الممرات البحرية الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز.
لا شكّ أنّ ترامب سعى إلى توظيف لقائه مع شي جين بينغ لمحاولة إعادة إدخال الصين في منظومة الضغط على إيران، حيث إنّ هدفه يكمن في دفع بيجين إلى احتواء طهران، سواء عبر الحدّ من تعاونها الاقتصادي والعسكري معها، أو عبر الضغط غير المباشر لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية من دون قيود، بما يضمن استقرار أسواق الطاقة ويمنع إيران من استخدام الجغرافيا كورقة ضغط في الصراع المفتوح مع واشنطن وحلفائها.
لكنّ هذا التصوّر اصطدم بواقع دولي جديد يختلف عمّا كان سائداً في عقود خلت بالعلاقة بين القوتين العظميين. فالصين لم تعد تتصرّف كقوة صاعدة تحاول تجنّب الاحتكاك المباشر مع الولايات المتحدة، بل كقوة رئيسة تسعى إلى إعادة تعريف النظام الدولي من موقع الندية.
وعليه، لم تُظهر بكين أيّ استعداد لتقديم التزامات واضحة في الملف الإيراني، ولم تتبنَّ خطاباً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية مع واشنطن. هذا الغياب المتعمّد لأيّ إعلان صيني بشأن إيران لا يعكس حياداً بقدر ما يعكس إدارة دقيقة للتوازنات، تقوم على رفض الانخراط في سياسات الضغط الأميركي على طهران، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
يمكن فهم هذا الموقف الصيني في ضوء التحوّل البنيوي في ميزان القوة العالمي. فالصين باتت تدرك أنّ النظام الدولي يتجه نحو تعدّدية قطبية، وأنّ قدرتها على التأثير في قضايا مثل الطاقة والتجارة والممرات البحرية أصبحت عنصر قوة استراتيجياً لا يقلّ أهمية عن القوة العسكرية التقليدية.
لذلك، فإنّ بيجين تنظر إلى إيران ليس فقط كحليف ظرفي في مواجهة الضغوط الغربية، بل كجزء من شبكة أوسع لإعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط، بما يحدّ من الهيمنة الأميركية على الممرات الحيوية للطاقة.
في المقابل، لا يمكن فصل الموقف الصيني عن التحوّلات التي أفرزتها الحرب مع إيران، والتي شكّلت نقطة انعطاف في صورة الردع التقليدي لأميركا، والتي حاولت واشنطن إظهارها إبّان الحرب على أفغانستان، وصولاً إلى تغيير النظام في فنزويلا. فهذه الحرب، كشفت حدود القدرة الأميركية على فرض إرادتها بالقوة العسكرية وحدها، وأظهرت أنّ مشاريع تغيير الأنظمة أو إعادة هندسة الإقليم لم تعد سهلة التنفيذ كما كانت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة أو حتى بعد حرب أفغانستان عام 2001، هذا الأمر يعود إلى عدة أمور؛ منها التقديرات الأميركية الخاطئة عن إيران، ومنها الصمود الإيراني والذهاب بعيداً في الدفاع عن النظام والدولة. وبالتالي فإنّ هذا التراجع في فعّالية الردع الأميركي انعكس مباشرة على سلوك القوى الكبرى، وفي مقدّمتها الصين، التي باتت أكثر ثقة في قدرتها على المناورة ضمن النظام الدولي من دون الخضوع للضغط الأميركي المباشر.
من هنا، يمكن القول إنّ الحرب مع إيران منحت الصين مكاسب استراتيجية مزدوجة. أولاً، عزّزت موقعها كشريك اقتصادي عالمي لا يمكن تجاوزه، خصوصاً في مجال الطاقة، حيث تعتمد على تدفّقات مستمرة من النفط والغاز تمرّ عبر مضيق هرمز. وثانياً، أضعفت صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على فرض هيمنتها بالقوة، ما فتح المجال أمام بيجين لتقديم نفسها كبديل موثوق في إدارة الأزمات الدولية، أو على الأقلّ كقوة قادرة على موازنة النفوذ الأميركي.
ضمن هذا السياق، كان ترامب يسعى إلى استخدام ورقة الطاقة كمدخل للضغط على الصين، باعتبار أنّ بيجين تبقى بحاجة ماسّة إلى ضمان استمرار تدفّق النفط عبر مضيق هرمز. إلا أنّ هذه المعادلة لم تعد تعمل بالمنطق القديم ذاته. فالتنسيق الصيني–الإيراني تطوّر بشكل واضح، وظهر في ترتيبات عملية تتعلّق بعبور سفن صينية في المضيق ضمن تفاهمات مع طهران، ما يعكس مستوى متقدّماً من التفاهم بين الطرفين، يقوم على تعزيز العلاقة وتنسيق المصالح.
هذا التطوّر يحمل دلالات أعمق تتجاوز البعد الاقتصادي أو الملاحي. فهو يشير إلى إعادة تشكيل تدريجي لمفهوم السيادة على الممرات البحرية، وإلى تآكل القدرة الأميركية على احتكار ضبط هذه الممرات. كما يعكس في الوقت نفسه قدرة إيران على تحويل موقعها الجغرافي من نقطة ضغط عليها إلى أداة تفاوضية تستخدمها في بناء شبكة علاقات مع قوى دولية كبرى، وفي مقدّمتها الصين.
وفق ما تقدّم، يمكن أن نقول إنّ زيارة ترامب إلى بيجين لم تُنتج تحوّلاً في الملف الإيراني بقدر ما كشفت حدود القدرة الأميركية على توجيه سياسات القوى الكبرى الأخرى. فالصين تتحوّل إلى شريك وازن في إدارة النظام الدولي، وإيران لم تعد مجرّد طرف يمكن عزله اقتصادياً أو سياسياً بسهولة، فيما بات مضيق هرمز نفسه جزءاً من معادلة دولية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الطاقة مع توازنات الردع وإعادة تشكيل النظام الدولي.