ميثاق وطني في تونس لاستعمال الذكاء الاصطناعي في الصحافة
مهنة الصحافة تحكمها أخلاقيات تستدعي تدخّل الصحافي للتحقّق ومراجعة ما تنتجه خوارزميات الذكاء الاصطناعي من محتوى قبل نشره لكونه يتحمّل مسؤولية المحتوى الذي ينشره ويتحمّل تبعات ما قد يتسلّل إليه من أخطاء.
-
الميثاق يضع خطوطاً حمراً أمام المؤسسات الإعلامية في تونس (وسائل التواصل الاجتماعي).
في عمق مواكبة التحوّلات والتحدّيات التي تواجه مهنة الصحافة في تونس وفي العالم، واستباقاً لمشهد لا نتحكّم في إنتاج أدواته، لكن علينا أن نتحكّم في مخرجاته فيما يتعلّق بإنتاج المضامين الصحفية بمعايير تحترم أخلاقيات المهنة وتحترم حقوق الجمهور، كانت المبادرة في تونس من مجلس الصحافة ونقابة الصحافيين التونسيين إلى طرح ميثاق وطني لاستعمال الذكاء الاصطناعي في الصحافة.
ميثاق يأتي في وقت يشهد فيه المشهد الإعلامي تحوّلاً رقمياً، تنامت من خلاله مجالات التعويل على استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار في إنتاج المحتوى وتحليل المضامين والتحقّق من بعض الأخبار أو المصادر، تحوّل يعي الجميع أنه يقدّم خدمات جليلة من حيث تيسير المهام، وتسريع العمل، غير أنه يفتح الباب أمام طرح أسئلة جوهرية في علاقة بأخلاقيات مهنة الصحافة، وحدود الاعتماد على الآلة في إنتاج المضامين ونقل الحقيقة، ليرتقي السؤال إلى ما هو أخطر وأبعد حول مدى خطورة أن يستبدل رأس المال غرف التحرير بتطبيقات وبرمجيات لإنتاج المضامين الصحفية التي تصبح رهينة ما تحدّده الخوارزميات التي تسيّر نظام عمل هذه التطبيقات، بدلاً من الفكر النقدي للصحافي الذي يتحرّى من مصداقيّة المعلومات ويحترم أخلاقيات المهنة في ما يتعلّق بالملكيّة الفكرية واحترام المعطيات الشخصية للأشخاص، وعدم نشر معيطات ترمز الى التمييز أو تخالف المعايير المجتمعية أو القانونية، فالآلة قد تساعد في الكتابة، لكنها لا تستطيع أن تحلّ محلّ الضمير المهني لجهة احترام دقة الخبر .
تقرّ جهتا المبادرة من أجل إقرار هذا الميثاق على المؤسسات الصحفية في تونس، نعني بذلك لجنة أخلاقيات المهنة بمجلس الصحافة ونقابة الصحافيين التونسيين أنّ لاستخدام الذكاء الاصطناعي مزايا عديدة، بما يفرض على الصحافي أن يكون ابن بيئته مواكباً لعصره متحكّماً فيما تقدّمه له تكنولوجيا العصر من مجالات واستخدامات من شأنها أن تطوّر مجال عمله، بحيث يكون استخدام الذكاء الاصطناعي مثمراً حينما يتعلّق الأمر بتلخيص مقالات طويلة أو معالجة كمّ هائل من المعطيات والبيانات والصور، كما كان الحال فيما يتعلّق بالوثائق المسرّبة لما يعرف بفضائح "إبتسين"، أو الترجمة الآلية لعدد من المقالات أو الأبحاث، أو تحويل التسجيلات إلى نصوص، فضلاً عن التحقّق من صحة بعض المصادر أو المعلومات، وغيرها من مجالات الاستعمالات الممكنة أو التي قد يطوّرها الذكاء الاصطناعي في المقبل من الأيام.
غير أنّ هذا الميثاق جاء ليؤكّد بأنّ مهنة الصحافة تحكمها أخلاقيات تستدعي تدخّل الصحافي للتحقّق ومراجعة ما تنتجه هذه الخوارزميات من محتوى قبل نشره لكونه يتحمّل مسؤولية المحتوى الذي ينشره، ويتحمّل تبعات ما قد يتسلّل إليه من أخطاء أو إخلالات، فالذكاء الاصطناعي قد ينتج معلومات خاطئة، وقد يسرّب معطيات شخصية تمّ مدّه بها من أحد المتدخّلين ليحوّلها إلى معطيات عامّة، غير أنّ المسؤولية الأخلاقية والقانونية لا تكون على الآلة، بقدر ما تكون على عاتق الصحافي ومؤسسته الإعلامية.
ثمّة قناعة بأنّ الذكاء الاصطناعي يمثّل فرصة لتحديث العمل الصحافي تطويره، غير أنّ استخدامه يطرح تحدّيات كبيرة في علاقة باحترام أخلاقيات المهنة التي عليها أن تجيد توظيف التكنولوجيا، وأن تحارب من أجل كسب رهان الاستمرارية عبر التقيّد بقيم الدقة والاستقلالية والشفافية والمسؤولية والدفاع عن مبادئ الحرية وعلوية القانون .
"الميثاق يضع خطوطاً حمراً أمام المؤسسات الإعلامية في تونس
يأتي هذا الميثاق إذاً ليضع المؤسسات الصحفية في البلاد أمام مسؤولياتها من خلال حظر نشر محتويات صحفية تمّ إنتاجها كلياً أو جزئياً من خلال الذكاء الاصطناعي من دون إشراف بشري، أو إنتاج محتويات اصطناعية كإنتاج أصوات أو صور أو فيديوهات تهدف إلى محاكاة واقع غير موجود أو إلى خداع الجمهور، الى جانب منع التصنيف التمييزي للأشخاص من خلال الذكاء الاصطناعي بناء على بيّنات لها علاقة بالأصل أو الدين أو الآراء، وكذلك منع كلّ انتهاك لبيانات شخصية أو لجهات أو مؤسسات ضمن منصات للذكاء الاصطناعي غير آمنة.
هو الميثاق الأول من نوعه في المشهد التونسي، يأتي بحسب القائمين عليه لضمان حقوق أساسية مستوحاة من المعايير الدولية، وليؤكّد للعاملين في الحقل الإعلامي أنّ استعمال الذكاء الاصطناعي في مجال العمل الصحفي يجب ألّا يكون مجرّد تطوّر تقني بل تأكيداً لعقد ثقة جديد من أجل إنارة الرأي العامّ والانتصار للحقيقة.