من الدبلوماسية الهشّة إلى دولة القرار: الجنوب كنقطة تحوّل
لبنان اليوم يقف عند مفترق حاسم: إما الاستمرار كدولة هشّة عاجزة ضعفة منقسمة على ذاتها، أو الانتقال إلى دولة مواجهة واعية، تتحمّل كلفة القرار وتعيد تعريف سيادتها بلا مواربة.
-
الجنوب اليوم هو مرآة الدولة (أرشيف).
في لبنان، لم يعد السؤال عن حماية الجنوب سؤالًا أمنيًا تقنيًا، ولا ملفًا حدوديًا يمكن عزله عن بقية الأزمات. الجنوب اليوم هو مرآة الدولة: قوّتها أو ضعفها، سيادتها أو ارتهانها، وقدرتها على اتخاذ القرار أو خضوعها لمنظومة تعطيل داخلية وخارجية متشابكة. من هنا، فإن الحديث عن حماية الجنوب لا يمكن أن ينفصل عن مشروع دولة متكامل، يعيد تعريف النظام السياسي، وخيارات التحالف، ووظيفة القوة، ومعنى المواجهة مع إسرائيل.
لقد أظهرت التجربة اللبنانية، على مدى عقود، أن الدولة التي لا تمتلك قرارها العسكري لا يمكنها أن تكون دولة ذات سيادة. الجنوب لم يُترك مكشوفًا فقط بسبب التفوق العسكري الإسرائيلي، بل بسبب غياب دولة قررت أن لا تكون دولة. فالدولة اللبنانية، منذ نهاية الحرب الأهلية، عاشت في منطقة رمادية: تُعلن التزامها بالسيادة، لكنها تقبل عمليًا بقيود خارجية تمنعها من بناء قوة ردع حقيقية، وعلى رأس هذه القيود الانضمام إلى الحلف الامريكي الغربي.
هذا التحالف، الذي قُدّم بوصفه ضمانة للاستقرار، تحوّل فعليًا إلى أحد أبرز العوامل الخارجية التي عطّلت قيام دولة قوية في لبنان. فمن خلال سياسات “المساعدات المشروطة”، جرى منع الجيش اللبناني من الحصول على تسليح نوعي قادر على حماية الحدود وبناء توازن ردع، فيما استُخدمت شعارات “الدعم "والشرعية الدولية" لتكريس جيش محدود الإمكانات، ودولة ضعيفة عاجزة. وفي الوقت نفسه، شكّلت هذه الوصاية السياسية والمالية غطاءً دوليًا لنظام فساد داخلي، حُوِّل فيه لبنان إلى اقتصاد ريعي تابع، تُدار أزماته بالديون والهندسات المالية، لا بالإنتاج والتنمية والسيادة.
في مقابل هذا المسار، تبنّت السلطة السياسية المتعاقبة على الحكم في لبنان ما يمكن تسميته بالرؤية الدبلوماسية الهشّة وعمادها "قوة لبنان في ضعفه"، والتي تقوم على وهم الحماية الدولية، وعلى افتراض أن ضبط النفس الدائم، وتدوير الزوايا، وتقديم التنازلات السياسية، كفيل بردع إسرائيل أو تحييد لبنان عن الصراع. غير أن هذه الرؤية، التي أثبتت فشلها مرارًا، لم تمنع الاعتداءات الإسرائيلية، ولم تحمِ السيادة. بل على العكس، ساهمت في تكريس لبنان كبلد ضعيف، تُستباح أجواؤه وحدوده، فيما تُختزل الدبلوماسية بشكوى يتيمة إلى المنظمات الدولية.
أمام هذا الواقع، برزت رؤية المقاومة القائمة على خيار المواجهة العسكرية والتصدي المباشر للاعتداءات الإسرائيلية، لا بوصفها مغامرة، بل كخيار فرضته وقائع القوة. هذه الرؤية، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها، أثبتت في محطات متعددة قدرتها على فرض معادلة ردع نسبية، ومنع العدو من التصرف بحرية مطلقة، وكسر منطق الاستباحة الكاملة. الفرق الجوهري هنا أن المقاومة تعاملت مع إسرائيل بوصفها تهديدًا بنيويًا لا يمكن ردعه بالخطاب الدبلوماسي وحده، فيما تعاملت السلطة مع الخطر نفسه بوصفه أزمة يمكن احتواؤها بالبيانات والوساطات.
غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن صوابية خيار المواجهة، من حيث المبدأ، لا تعفي الدولة من مسؤوليتها، بل تُعيد طرحها بإلحاح أكبر. فالمواجهة، لكي تكون ذات أفق سياسي جامع، يجب أن تكون سياسة دولة. وهذا ما يعيدنا إلى جوهر الإشكالية: لا يمكن لدولة تختار المواجهة مع إسرائيل، لا كشعار بل كسياسة، أن تبقى أسيرة تحالف يمنع عنها أدوات القوة، ويُغضّ الطرف عن الاعتداءات اليومية على سيادتها البرية والبحرية والجوية.
فالمواجهة هنا ليست خطابًا شعبيًا، بل قرار دولة يُترجم ببناء جيش وطني عقائدي، مُجهَّز مُدرَّب مُسلَّح، ومحمي سياسيًا، يعمل ضمن عقيدة دفاعية – هجومية واضحة تُقرّها المؤسسات الدستورية وتخضع للمساءلة الوطنية. عندها فقط يتحول الجنوب من ساحة مفتوحة إلى جبهة منظمة، تُدار وفق حسابات المصلحة الوطنية، لا وفق منطق العجز وارضاء الأوصياء على حساب الكرامة الوطنية.
غير أن القوة العسكرية، مهما بلغت، تبقى عاجزة إذا استندت إلى دولة مفككة من الداخل. وهنا تظهر المعضلة البنيوية للنظام السياسي اللبناني. فالطائفية السياسية، بصيغتها الحالية، ليست مجرد خلل تمثيلي، بل نظام تعطيل ممنهج، يُجزّئ القرار، ويحوّل الدولة إلى توازن هش بين زعامات وطوائف، لا إلى سلطة مركزية قادرة على الفعل. دولة المواجهة لا يمكن أن تُدار بنظام يقوم على الفيتوات المتبادلة، والمحاصصة، والشلل الدائم وضرب عوامل القوة والمنعة لحسابات شخصية مصلحية ضيقة.
من هنا، يصبح الانتقال إلى نظام علماني مدني ضرورة سيادية لا ترفًا فكريًا، أو مناكفات طائفية. إلغاء الطائفية السياسية لا يعني إلغاء التعددية، بل تحرير الدولة من قيد الانتماءات ما دون الوطنية، وبناء نظام يقوم على المواطنة، والكفاءة، والمحاسبة. نظام يُخرج الجيش والقضاء والإدارة من القيد الطائفي والمذهبي، ويعيد السياسة إلى معناها الوطني الجامع. فالدولة التي تواجه عدوًا خارجيًا لا يمكن أن تبقى أسيرة انقسامات داخلية تُدار كأدوات نفوذ لقوى خارجية.
ويجب أن يترافق هذا التحول السياسي مع إصلاح إداري بنيوي يضرب في عمق منظومة الفساد. فالفساد في لبنان ليس خللًا عرضيًا، بل جزء من بنية النظام، وامتدادًا مباشرًا لعلاقته المختلّة بالخارج. دولة المواجهة لا يمكن أن تُدار بإدارة زبائنية لصوصية، ولا أن تخوض صراعًا وجوديًا فيما مؤسساتها مستباحة. الإدارة هنا تتحول إلى أداة فعّالة تحصن الوحدة الوطنية: كفاءة بدل الولاء، رقابة فعلية بدل أجهزة شكلية، ودولة تعمل بانتظام وفقًا للقانون والدستور لا وفق مصالح القوى النافذة والحاكمة والمتحكمة.
أما على مستوى التحالفات الخارجية، فإن إعادة التموضع تصبح شرطًا لبقاء الدولة نفسها. المطلوب ليس القطيعة العمياء ولا الارتماء في أحضان محور بديل، بل بناء سياسة خارجية مستقلة، تنفتح على دول قادرة على التعاون مع لبنان اقتصاديًا وعسكريًا من دون فرض وصاية سياسية أو أجندات تتناقض مع مصلحته الوطنية. شراكات قائمة على المصالح المتبادلة: تسليح غير مشروط للجيش، استثمارات إنتاجية، تعاون في الطاقة والبنى التحتية، لا قروض تُستخدم كأدوات ضغط ولا مساعدات تُدار كرشاوى سياسية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الاقتصاد بوصفه جبهة لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية. فاقتصاد الريع والانهيار لا يحتمل المواجهة، ولا يحمي مجتمعًا تحت الضغط. دولة تختار الصراع مع إسرائيل يجب أن تبني اقتصاد صمود: زراعة، صناعة، طاقة، وعدالة اجتماعية تُحصّن الداخل من التفكك. فالجبهة الداخلية المنهكة أخطر على السيادة من أي تفوق عسكري خارجي، والانهيار الاجتماعي هو الشكل الأكثر فاعلية للحرب غير المعلنة.
إن حماية الجنوب، في هذا السياق، ليست هدفًا منفصلًا، بل خلاصة مشروع دولة كاملة: دولة علمانية مدنية، قوية بجيشها، متماسكة بإصلاحها، مستقلة بتحالفاتها، ومعادية لإسرائيل بوصفها تهديدًا بنيويًا لا جارًا يمكن التعايش مع اعتداءاته. دولة تُقاتل دفاعًا عن شعبها وأرضها وكرامتها وسيادتها، وتعرف أن الردع الحقيقي يبدأ من الداخل، من وحدة القرار وشرعية السلطة.
لبنان اليوم يقف عند مفترق حاسم: إما الاستمرار كدولة هشّة عاجزة ضعفة منقسمة على ذاتها، تُدار من الخارج وتُستنزف من الداخل، أو الانتقال إلى دولة مواجهة واعية، تتحمّل كلفة القرار وتعيد تعريف سيادتها بلا مواربة. حماية الجنوب ليست سوى الامتحان الأول لهذه الدولة، والنجاح فيه يبدأ بالجرأة على كسر المسلّمات، لا بإعادة إنتاجها بصيغ أكثر هشاشة.