مناورة وليست مفاوضات اتفاق

منذ اتفاقية أوسلو، وحتى اليوم، يتحدى التيار الصهيوني العالم برفض حلّ الدولتين، ويعود اليوم لطرح المشروع الصهيوني المتجدِّد، والمتمثل بـ "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل.

  • لطالما أكد نتنياهو على رفض الحل في مختلف مراحل الحكم الإسرائيلي (أرشيف).
    لطالما أكد نتنياهو  رفض الحل في مختلف مراحل الحكم الإسرائيلي (أرشيف).

في صخب الأحاديث المتداولة، والمتضاربة، والمتناقضة حول ملف التفاوض الأميركي-الإيراني، ثمّة ما يدعو إلى الحيرة حول الإمكانية الحقّة بالتوصل إلى اتفاق، أو تسوية للنزاع، بينما لا يزال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وما يمثّل من رأس حربة التيار الصهيوني المتشدِّد، والمسيطر على سياسة الولايات المتحدة الأميركية، مستمراً في التحكم بمسار الأمور.

لقد سبق أن وصلت التسوية الإسرائيلية-العربية (الفلسطينية تحديداً)، إلى نتائج حاسمة كرّست شيئاً من مفهوم الدولتين في فلسطين المحتلة، وذلك في اتفاقية أوسلو التي وقّعها عن الجانب الإسرائيلي رئيس الحكومة الإسرائيلية الراحل إسحق رابين.

ما وصلت إليه الأوضاع الحالية، سببه التيار الصهيوني، ومعه تشعبات استخبارية ومراكز قوى وأبحاث مختلفة، المعروف بالدولة العميقة، والمهيمن في سياسة الولايات المتحدة الأميركية، الذي يرفض أي حلٍّ للقضية الفلسطينية، خصوصاً حل الدولتين على أرض فلسطين التاريخية والذي تتوافق عليه الأمم المتحدة ومختلف دول العالم.

فلطالما أكد نتنياهو  رفض الحل في مختلف مراحل الحكم الإسرائيلي منذ اتفاقية أوسلو، وبعد إسقاطها باغتيال مُوَقِّع تسويتها رابين، وقيل إن التيار الصهيوني المتشدِّد، ورأس حربته نتنياهو، كان وراء الاغتيال لعدم رضاه عن إبرام تسوية تسمح بحل الدولتين، وها هو نتنياهو يرفض هذا الحل منذ أواسط التسعينيات، واستطاع أن يفرض هذا الرفض حتى في دورات الحكم التي لم يكن فيها رئيساً للحكومة الإسرائيلية. 

منذ اتفاقية أوسلو، وحتى اليوم، يتحدى التيار الصهيوني العالم برفض حلّ الدولتين، ويعود اليوم لطرح المشروع الصهيوني المتجدِّد، والمتمثل بـ "إسرائيل" الكبرى من الفرات إلى النيل.

مشروع يضع العالم على المقلب الآخر من إرادته في حل الدولتين؛ أي ليس لا حلّ للدولتين فحسب، بل توسيع المشروع الصهيوني ليشمل المشرق العربي، وبعضاً من مصر، وبعضاً من شمال المملكة العربية السعودية على ما أظهرت الخرائط التي رفعها نتنياهو، وقادةٌ إسرائيليون آخرون، وقام نتنياهو بعرض نسخة منها في الأمم المتحدة.

ما يسقط التسوية الفلسطينية بحل الدولتين، وتجديد طرح المشروع الصهيوني الأصيل، تحكّم التيار الصهيوني المتشدِّد بالسياسة والاستراتيجية الأميركية.

لكنّ هذا المشروع، المرفوض عالمياً، لا يقارعه، ويقف في طريقه إلّا الاستراتيجية الإيرانية التي رفع قائدها الراحل الإمام الخميني شعار "إسرائيل شرٌّ مطلق"، إلى جانب "الولايات المتحدة الأميركية هي الشيطان الأكبر". 

مشروعان متعارضان تعارضاً وجودياً، وقد احتل هذا التعارض صدارة الأسباب للحروب الجارية، والمستمرة في المنطقة، ورغم أن إيران لم تلعب دور الصدام المباشر مع الكيان الصهيوني، ولا مع الولايات المتحدة الاميركية، إلّا أن التيار الصهيوني، المتمثل بنتنياهو يؤكد تكراراً ما مفاده بصوة غير مباشرة، إمّا نحن وإما إيران، ولذلك يصرّ على تجريد إيران من قوتها النووية، رغم التأكيدات الإيرانية الدائمة إن الإمامة القائدة للسياسة الإيرانية، تحرِّم امتلاك السلاح النووي من منطلق عقائدي، ديني إسلامي، وتقتصر في استراتيجتها النووية على الاستخدام المدني السلمي للنووي. 

اليوم، يعاني العالم من الحرب الأميركية (الأصح الصهيوأميركية)- الإيرانية، بعد أن اندلعت عدة معارك بهجوم صهيوأميركي على إيران رافعة ثلاثة شعارات: إسقاط النظام، وفتح مضيق هرمز مع رفض سيطرة إيران عليه، وتجريد إيران من سلاحها النووي الذي يشكّل بنظر الصهيونية العالمية، المتمثلة بموقف نتنياهو، التهديد الوجودي للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

ورغم سقوط الشعارات الثلاثة أمام الصلابة الإيرانية، تجري محاولاتٌ لحلٍّ تفاوضيٍّ مفترض بين الطرفين، يمكن وصفه بالحل "المتلعثم"، المتردّد، والمتناقض في مضمونه، والذي يعبّر فيه الرئيس الأميركي عن تمسّك دولته بمواقفها خصوصاً ازاء مضيق هرمز والنووي، ويناور في التفاوض لعلّه يحقق نصراً ما، بينما يشدّ نتنياهو الرحال باتجاه مقامرة عسكرية ليس ليقينه إنه منتصرٌ فيها، بل لاعتقاده أنها معركته الوجودية، فإمّا "إسرائيل"، ومنها التيار الصهيوني المتشدّد أميركياً، وعالمياً، أو إيران.

الحلّ المطروح متلعثم ومتناقض ومتردّد لذلك لا يخرج إلى العلن بصيغة اتفاق اعتادت عليه البشرية بعد كل حرب، وتوقفت على قاعدتها. المطروح صخب حلٍّ، وضجيج إعلاميّ غير مسبوق في السياسات العالمية، ما يوحي بأن الحروب لم تنتهِ بين الصهيوأميركية، وإيران، وأن ما يجري ما هو إلّا مناورات تحمل في باطنها تكهنات متعددة ليس أقلها الاستعداد المتجدّد للحرب، والتسلّح، وتمرير صفقات أخرى آنية كموسم الحاج لمناسبة الأضحى، وإكراماً لأنظمة الخليج المصطفة في الخط الصهيوأميركي، كذلك موسم المونديال (كرة القدم العالمية) الذي يراهن عليها ترامب في تحقيق مدخول مالي كبير، والذي ستجري دورته بين أواسط حزيران\يونيو وتموز\يوليو الُمقْبِلَين. 

في ظاهر الأمور، تدفع المحاولات الصهيوأميركية العالم للتوهّم إن المفاوضات، والتسوية مقبلة، لكنها لا تظهر، يترافق ذلك مع تصعيد مُعادٍ لإيران بصيغتين: أميركية ملطّفة لكن متناقضة، وإسرائيلية جازمة، وإن هما إلّا وجهان لعملة واحدة.

لا يمكن تفسير المماطلة بظهور الاتفاقية عبر المفاوضات الباكستانية إلّا بعدم وجود ظروف تسووية للصراع، وبوجود مشاريع وأحلام صهيوأميركية، طابعها الأساسيّ وجودي، ولذلك، يُرَجّح أن تكون المحاولات الجارية، وما يصدر بصددها من تصريحات ومواقف، ليست سوى مناورات مؤقتة، وبعد الانتهاء من احتياجاتها الآنية، سيعود الصراع إلى حدّته، بانتظار المعارك الحاسمة المقبلة لاحقاً.