كيف يفسّر جورج حبش العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران؟

ربط أفكار جورج حبش بالصراع الإسرائيلي‑الأميركي مع إيران يُظهر أنّ هذا الصراع ليس مجرّد حرب عابرة أو نزاع تقليدي، بل تجربة معقّدة لاختبار بنية التحالفات الاستراتيجية وعمق شبكة الدعم الدولية.

  • جورج حبش.. الفكرة من الحرب على إيران.
    جورج حبش.. الفكرة من الحرب على إيران (أرشيف).

تأتي الحرب الإسرائيلية‑الأميركية المستمرّة ضدّ إيران في سياق إقليمي متصاعد، ليُعيد طرح سؤال جوهري في السياسة الشرق أوسطية: كيف يمكن فهم طبيعة هذا الصراع ضمن بنية الكيان الصهيوني وتحالفاته الاستراتيجية؟ في هذا الإطار، يقدّم كتاب "نحو فهم أعمق وأدقّ للكيان الصهيوني" لـ جورج حبش منظوراً تحليلاً يُعدّ أداة فكرية مهمة لفهم أبعاد الحرب الحالية، لا باعتبارها مجرّد اشتباك عسكري، بل كتعبير عن ديناميكيات القوة والتحالفات الأساسية.

حبش، القائد السياسي الفلسطيني الراحل ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ركّز في كتابه على أنّ الكيان الصهيوني لا يمكن فهمه كوحدة عادية، بل كـ “شبكة مركزية” متكاملة تتصل فيها السياسة والدين والعسكر والاقتصاد في بنية واحدة مدعومة من قوة راعية خارجية، وهي في الحالة الإسرائيلية الولايات المتحدة الأميركية. وهذه الشبكة — أو ما يمكن تسميته بـ نظرية السلسلة المركزية — لا تشرح فقط كيفية تشكّل الكيان بل أيضاً ليشّكل التحالف الاستراتيجي مع واشنطن العمود الفقري في استدامته واستقراره.

اليوم، في ظلّ تصاعد الحرب بين "تل أبيب" وواشنطن من جهة وطهران من جهة أخرى، تظهر العلاقة الأميركية‑الإسرائيلية بوصفها أكثر من مجرّد تحالف حكومي؛ فالولايات المتحدة ليست مجرّد داعم سياسي أو عسكري، بل هي الدولة الراعية الاستراتيجية التي تزوّد الكيان الصهيوني بالغطاء الدولي، الدعم التكنولوجي، التمويل العسكري، والشرعية السياسية. إذاً، أيّ حرب يشنّها هذا المحور — ضد إيران — يجب فهمها في سياق شبكة التحالفات والدعم المتبادَل وموقعها في بنية القوة العالمية.

الراعي الاستراتيجي والحرب على إيران

في كتابه، يشدّد حبش على أنّ الكيان الصهيوني بنى وجوده على دعم خارجي مركزي ليس فقط في بداياته، بل باعتباره نظاماً يتحوّل ويتكيّف استراتيجياً، اعتماداً على الرافعات الدولية لمواجهة التحدّيات. وهذا ما نراه اليوم بوضوح في الحرب الراهنة، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على حدود جغرافية أو نزاع إقليمي داخل الشرق الأوسط، بل أصبحت تجسيداً لنمط من السياسات الأميركية الممتدة.

الولايات المتحدة دأبت عبر عقود على تقديم الدعم العسكري المباشر لـ "إسرائيل"، وهو دعمٌ شمل أحدث الأسلحة، أنظمة الدفاع الجوي، الدعم الاستخباراتي، والتنسيق الاستراتيجي في المواجهات الكبرى. في الحرب الحالية على إيران، يظهر هذا الدور بوضوح في التنسيق العسكري والاستخباراتي بين واشنطن و"تل أبيب"، وفي التصريحات الرسمية التي تؤكّد تحالفاً استراتيجياً ليس فقط في مواجهة تهديدات محدودة، بل في تفكيك مشروع نفوذ المنافس الإقليمي (إيران).

حبش حذّر في كتابه من أنّ تفكيك الشبكة المركزية للحركة الصهيونية لا يمكن أن يتمّ عبر ضربات عسكرية مباشرة فقط، بل يتطلّب فهم عمق البنية الداعمة للكيان، أي الدولة الراعية والتحالفات الدولية. وهذا ما يجعل الحرب ضد إيران أكثر من مجرّد مواجهة عسكرية؛ إنها اختبار لبنية التحالف الاستراتيجي الأميركي‑الإسرائيلي وموقع هذه بنية ضمن النظام الدولي الأكبر.

السلسلة المركزية والضغط الاقتصادي والسياسي

من منظور حبش، لكلّ عقد في "السلسلة المركزية" دور جوهري في إبقاء الكيان قائماً ومتفاعلاً، ولا يمكن فصل السياسة (العدوان أو الدفاع) عن البُعد الاقتصادي أو العلاقات الدولية. الحرب الحالية لم تنحصر في التهديدات والصواريخ وحدها؛ فقد أدّت إلى ضغوط اقتصادية متصاعدة على الجانب الإسرائيلي، كما تشير تقديرات رسمية بأنّ الخسائر الأسبوعية قد تتجاوز 9 مليارات شيكل، إضافة إلى تأثير على النمو، عجز الميزانية، واستقرار الأسواق المحلية.

هذا البُعد الاقتصادي — رغم أنه يُستبعد أحياناً في التحليل الأمني البحت — يُعدّ جزءاً من السلسلة المركزية التي تحدّث عنها حبش. الصراع مع إيران لا يمسّ فقط قوة السلاح، بل ثقة المستثمر، الاستقرار المالي، نفقات الدفاع، وتوازن الاستراتيجية الاقتصادية للدولة الراعية نفسها. وهذا ما يجعله صراعاً متعدّد الأبعاد، هو في جوهره ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً اقتصادياً، سياسياً واستراتيجياً.

الدولة الراعية والصراع طويل الأمد

حبش كان يرى أنّ أيّ قوة استعمارية تبني مشروعاً يعتمد على دعم خارجي قوي، لن تكون لديها قدرة على الاستمرار إذا ما انقطعت العلاقات والتحالفات. بناءً على هذا، العلاقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة ليست مجرّد علاقة مصالح عابرة؛ بل هي شبكة مركزية تستند إلى تبادل مصالح الاستراتيجية الجيو‑سياسية.

الحرب ضدّ إيران، من هذا المنظور، ليست انعكاساً لفتنة إقليمية عابرة، بل اختبار لاستدامة هذا التحالف ودوره في إعادة ترتيب النفوذ الدولي بمحوراته الكبرى.

كذلك، الحبش يربط بين التحوّلات الكبرى في النظام الدولي وبين الضغوط الداخلية التي قد تفرزها حروب طويلة الأمد. فالصراعات الممتدة تؤثّر على الشرعية السياسية الداخلية، الموارد الاقتصادية، واستقرار التحالفات — ما يعيد طرح سؤال: هل تستطيع "السلسلة المركزية" أن تستمر في ربط الكيان الراعي الإيراني بالتحالف الأميركي‑الإسرائيلي في مواجهة خصم قوي مثل إيران، من دون أن يتسبّب ذلك في انهيارات بنيوية على المدى المتوسط والطويل؟

خاتمة: قراءة الحرب كاختبار لسلسلة مركزية للحلف الاستراتيجي

ربط أفكار جورج حبش بالصراع الإسرائيلي‑الأميركي مع إيران يُظهر أنّ هذا الصراع ليس مجرّد حرب عابرة أو نزاع تقليدي، بل تجربة معقّدة لاختبار بنية التحالفات الاستراتيجية وعمق شبكة الدعم الدولية التي ترتبط بكلّ من الكيان الصهيوني والدولة الراعية له.

إذا كان حبش محقّاً في وصفه لسلسلة مركزية مترابطة، فإنّ الحرب الحالية تُعدّ لحظة اختبار حاسمة لهذه السلسلة: اختبار قدرة التحالف الأميركي‑الإسرائيلي على الصمود في وجه تحدٍ إقليمي يمتدّ تأثيره إلى الأمن العالمي، الاقتصاد الدولي، والشرعية السياسية في الداخل والخارج.