قاعدة أميركية لحماية القاعدة الأميركية

بدأت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران والتي تستمر فعلياً كصراع مديد يشترك فيه الجميع ضدّ الجميع ومع الجميع، بتسخين منطقة غرب آسيا وصولاً إلى شرقها، مع تغيير قواعد اللعبة.

  •  الحرب مع إيران تقف على استعصاء كبير وهو التعامل مع مضيق هرمز (أرشيف).
    الحرب مع إيران تقف على استعصاء كبير وهو التعامل مع مضيق هرمز (أرشيف).

نقلت القناة "i24 الإسرائيلية" خبراً حول إنشاء قاعدة أميركية في منطقة أم الرشراش (إيلات)، وأثار الخبر الجدل حول إذا ما كان مثل هذا التوجّه مجرّد إجراء تحوّط أميركي لحماية "إسرائيل" أم يمثّل تحوّلاً جذرياً في بنية العلاقة بينها  وبين الولايات المتحدة الأميركية. 

إذا أخذنا الوصف الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركي ألكسندر هيغ وكان في عهد رونالد ريغان ومفاده بأنّ "إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات أميركية في العالم لا يمكن إغراقها"، وإذا عدنا إلى كتاب المفكّر والباحث الفلسطيني إلياس شوفاني الصادر عن دار الحصاد للنشر، ومفاده أنّ الحركة الصهيونية هي الثكنة المتقدّمة للمركز الرأسمالي الغربي،  وأنّ "إسرائيل" ليست "دولة" طبيعية ولا يمكن أن تقوم كدولة قومية طبيعية بل ستبقى كمجتمع عسكري وثكنة تعيد مراجعة وتعديل أهدافها الاستراتيجية بناء على المتغيّرات الإقليمية، وإذا ما زدنا على ذلك الجدل الذي جرى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق شامير ووزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر عام 1990 وهجوم شامير عليه بسبب ضمانات القروض بقيمة 10 مليارات دولار والتي كسبتها "إسرائيل" فيما بعد، فإنّ كلّ هذه الشواهد تؤكّد نظرية المفكّر الراحل إلياس شوفاني مع وضع تحديث على نظريته "المركز والثكنة" بحيث إنّ الثكنة أضحت تحتاج اليوم إلى ثكنة تحميها. 

لقد بدأت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران والتي تستمرّ فعلياً كصراع مديد يشترك فيه الجميع ضدّ الجميع ومع الجميع، بتسخين منطقة غرب آسيا وصولاً إلى شرقها، مع تغيير قواعد اللعبة، والمطلوب هو استمرار الصراع لحين إنهاء عملية التمكين الجارية لصناعة النفط والغاز والبتروكيماويات وخطوط النقل التجارية وحراستها. 

ما هو دافع التغيير الاستراتيجي المحتمل؟

من الواضح أنّ الحرب مع إيران تقف على استعصاء كبير يشبه عقدة الخشب في المنشار وهو التعامل مع مضيق هرمز  والذي تفوّق على الملف النووي بأهميته واستعصائه على الحلّ.

وواضح أيضاً أنّ القبول بأيّ نوع من التفاهمات حول سيادة إيرانية على المضيق، لا تعني فقط مقدار الأموال من الرسوم التي ستجنيها إيران، بل أنّ الأمر يمتدّ لعمق نقاش الاستراتيجية الأميركية في الاحتفاظ بـ "سبعمئة وخمسين قاعدة أميركية حول العالم + إسرائيل". 

لماذا؟

لأنّ مبدأ الاحتفاظ بالقواعد الهائلة ونشرها حول العالم وتمويلها من أموال الضرائب، يتعلّق بدور متبادل يسري منذ الحرب العالمية الثانية وهو حماية كلّ خطوط النقل التجاري العالمي مقابل الهيمنة.

وبالتالي تسيّد الدولار كعملة عالمية أولى للتحوّط المالي والتداول، وإنّ البدء بخرق هذا التسيّد في منطقة تشكّل خُمس حركة النفط والغاز العالمية، لهو مؤشّر خطير لم يجرِ حلّه في الداخل الأميركي قبل أن يتوافق مع إيران. 

الطرح الإيراني

يقوم الفهم الإيراني حول حماية المنطقة ذاتياً بين دولها، وقد هيّأت لذلك عبر الضغط العسكري الذي تمثّل بالهجوم على القواعد والمصالح الأميركية في الدول المجاورة من جهة، وعبر تجديد الدعوة لها لإنشاء منظومة أمن إقليمي بالشراكة معها، ولكن ذلك يعني أن تصبح إيران أكبر قوة مهيمنة بينها حتى ولو دخلت دول كبيرة إقليمياً في هذه المنظومة مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان. 

السؤال المطروح هنا إن كانت الولايات المتحدة الأميركية ستسمح بتأسيس أدنى شكل من العلاقة العسكرية الأمنية بين هذه الدول أصلاً والجواب تعرفه إيران جيداً. 

لذلك يفرد الصائد الإيراني شباكه واسعاً لدول المنطقة و هو يعلم أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستفعل كلّ شيء لمنع حدوث مثل هكذا تفاهم لأنه أكبر من امتلاك السلاح النووي وأكبر من هرمز، والحلّ الوحيد أمامه هو دراسة إمكانية أن يقوم هو بالشراكة معها ولو عبر سبل غير مباشرة أي بعض دول المنطقة، لكنّ عقدة هذا الطرح هي الثكنة أي "إسرائيل".

فإن كان البدء بإنشاء قواعد عسكرية أميركية في "إيلات" يبتغي حماية "إسرائيل"، فستكون هذه الخطوة هي الأولى للتعامل مع (الكيان الثكنة) على طريقة التعامل مع دول المنطقة مثل السعودية أو الإمارات حتى ولو بقي الضخّ العسكري الأميركي بالتسليح لـ"إسرائيل" في أعلى درجاته، لأنّ القياس هنا هو على فلسفة وجود الكيان ووظيفته، وسوف تكون تلك الخطوة هي المقدّمة لحمايته من الزوال صحيح، لكنها اعتراف ضمني بالتخلّي عن أحد أهمّ أهداف وجوده، وسيصبح الطريق ممهّداً، إما إلى التفاهم لإنشاء منظومة أمن إقليمي تضمّ إيران وتكلّف إحدى الدول الخليجية بالتعبير الكامل عن الوجود الأميركي الفعلي ضمن التفاهم بشكل غير مباشر، أو استمرار الحرب بأشكال وطرق جديدة ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية ابتداعها بعد لقاء ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.