في منافسة حامية مع الكلاب من يؤدّي الدور أفضل؟
توظيف الكلاب العسكرية الإسرائيلية في الاعتقالات والتفتيشات ضدّ الفلسطينيين، وسط شكوك حول استغلال مشاريع تدريب الكلاب لأغراض أمنية واستخبارية.
-
في منافسة حامية مع الكلاب من يؤدّي الدور أفضل؟
الكلاب العسكرية الإسرائيلية المدرّبة مصدر رعب لآلاف الفلسطينيين الذين تعرّضوا لعضّها مرة أو أكثر، ذلك أنهم يستخدمونها في الاعتقالات والتفتيشات الممنهجة. مشهد المرأة الغزية المسنّة التي يهجم عليها كلبهم بإيعاز منهم، حيث يضع وجهه على وجهها مباشرة ويداه فوق صدرها، فيما تجحظ عيناها رعباً، مشهد يحتلّ جزءاً من الذاكرة الجمعية بين آلاف مشاهد الدمار والقتل والقصف والتهجير والإبادة، يعزّز بشاعة المشهد.
والكلّ بات يعرف أنّ هناك وحدة كلاب في "جيشهم" مدرّبة في أوروبا وأميركا تؤدّي دوراً أساسياً في إرهابهم الممارس ضدّ الشعب الفلسطيني في كلّ مدنه وقراه ومخيماته، على طرقاته، بعضها مستورد وبعضها مدرّب محلياً. في هذه العصابة التي اسمها "جيش" فإنهم يمنحون هذه الكلاب رتباً عسكرية وألقاباً شأنها شأن جنودهم وضباطهم.
تقارير وتحقيقات نُشرت حول هذا الموضوع، حيث استخدموا الكلاب بشكل واضح وفاضح في الانتفاضة الأولى وقبلها وبعدها .وكّتبت فيه التقارير والتحقيقات والقصص الإخبارية والتقطت الصور. تحقيق مطوّل في مجلة الفراتس المغاربية حول الموضوع بعنوان "أنياب عابرة للحدود.. تجنيد كلاب من بلجيكا للتهجير من الضفة الغربية"، حيث في مرحلة من المراحل ادّعوا أنّ تدريب الكلاب (كلاب الإنقاذ البلجيكية) يهدف لاستخدامها في أغراض مدنية وإنسانية.
وهذا أعاد إلى ذهني قصة مثيرة للشكّ، فقد ظهرت في قريتنا فجأة امرأة بملامح أوروبية، في الخمسين من عمرها تقريباً، وعرّفت عن نفسها أنها باحثة قادمة من بلجيكا أو الدانمارك تعمل على مشروع مع الاتحاد الأوروبي. الناس بسذاجة أو بطيبة، بجهل أو بقصد ولا مبالاة، وانطلى عليهم الأمر أنّ دكاترة جامعات تعرفهم ويعرفونها هم أصدقاء لها.
تقبّل الناس الأمر ولم يطرحوا عليها الأسئلة، واستأجرت بيتاً سكنته لفترة، وكانت تُرى في شوارع القرية، يستقبلها الناس بسذاجتهم المعهودة. أيام مرّت وعرف عن المرأة أنها تجمع الكلاب الضالة في القرية وتقوم بتدريبها. وهذا ما أثار حفيظة أصحاب المنزل، حيث كانت تدخل هذه الكلاب إلى بيتهم فتفسد المكان، فطلبوا منها إخلاء البيت، وبدأت تدور على المؤسسات الحقوقية لتشكو أصحاب البيت.
ومن ضمن الجهات التي اشتكت إليها كان المجلس القروي، وصادف أن كنت عضواً في المجلس القروي في العام 2012 فدخلت المراة إلى الاجتماع بعد أن كان رئيس المجلس حدّد لها موعداً لتقديم الشكوى، تحدّثت عن مشروعها القائم على تدريب الكلاب لمساعدة المكفوفين للسير في الطرقات بشكل آمن وكذلك الأطفال. استمعنا للشكوى وغادرت الاجتماع ليتداول المجلس في الموضوع.
زكّاها بعض المجتمعين من باب أنّ سين أو صاد يعرفونها، وبعضهم ناقش كيف يمكننا مساعدتها. لكنني تحفّظت على الموضوع برمّته، وقلت لهم: أنا امرأة مسكونة بالشكّ، لكنه ليس الشكّ المرضي، شكّي قام على عدد من الأسئلة:
إذا كان مشروعها إنسانياً بحتاً كما تدّعي، فلماذا اختارت قريتنا التي لا يوجد فيها إلا كفيف واحد وهو إمام مسجد متقاعد يعرف شوارع القرية وحاراتها ويذهب إلى المدينة وإلى القرية الأخرى التي كان إماماً فيها طيلة عقدين بمفرده؟ هذا أولاً.
ثانياً: لماذا تزامن مشروعها مع صفقة تبادل الأسرى ومن قريتنا وحدها تحرّر أربعة أسرى من ذوي الأحكام المؤبّدة والعالية منهم عميدَا الأسرى في حينه اللذان قضيا في السجون 34 سنة ويعتبرهما الاحتلال من الخطرين الذين رفض الإفراج عنهما في صفقات سابقة؟
ثالثاً: لماذا تزامن مشروعها مع مشروع الاحتلال بتدريب الكلاب واستخدامها في الاعتقالات والتفتيشات والمطاردات؟
لم يطل مقامي في المجلس القروي واستقلت لجملة من الأسباب لا علاقة لها بهذا الموضوع
ولم تعد تلك المرأة تسكن في القرية، لكنها سكنت في البلدة المجاورة دون كلابها، وواظبت على الحضور إلى القرية عصر كلّ يوم لتجمع حولها كلابها في سهل مقابل لبيتَي الأسيرين "الخطرين".
ولأنني في مواضع الشكّ المتعلّق بالخطر الأمني في ظلّ احتلال طويل وقذر، لا أؤمن بالمصادفات، يظلّ الخوف من وقوع المحذور سيّد الموقف. فقد أصبح الأمر مريباً جداً، ولأنّ هذه المرأة تعرفني أو على الأقل تحفظ وجهي لأنها جلست إلى جانبي في الاجتماع، ولأنني أراها يومياً تقريباً وهي قادمة إلى القرية ولا أريد أن أثير شكوكها، فقد كلّفت أحد معارفي كونه يعمل في ميدان الإعلام ويتقن لغتها أن يلتقيها بهدف إجراء لقاء صحفي معها حول مشروعها "الإنساني" هذا.
فتوجّه الإعلامي إلى صاحب مطعم يقع تحت شقّتها وحدّثه بالأمر كي يعرّفه بها ويعرف مواعيد وجودها. مرّ يومان أو ثلاثة وكانت المفاجأة أنها غادرت المكان، ولا أدري هنا أيضاً أنّ مغادرتها بعد السؤال عنها هي مصادفة أم أنها تدبير من تدبيرهم؟
الموضوع برمّته مثير للاستفزاز لعامّة الشعب الفلسطيني، ولي شخصياً مهما ادّعوه من دور لهذه الكلاب التي يسمّونها صديقة، فلا أنسى كيف أطلقوا كلابهم ليلة السادس والعشرين من آب/أغسطس 2019 على زوجي لتمزّق بنطاله وتنهش ساقه، ثم على ابني لتنهش ساقه وأعضاءه التناسلية.
ويظلّ السؤال هل يتقاسمون الأدوار بين الجنود والكلاب أم يتنافسون معها في من يؤدّي الدور أفضل؟