فخامة الرئيس، أبعد سيمون كرم وأبدله بشيعي ثقة
المفاوض ليس شخصاً يشارك في اجتماعات تقنية فحسب، بل هو جسر الثقة بين أطراف متباينة، وهو المعبّر عن نبض الأرض التي تمسّها نتائج التفاوض مباشرة.
-
الرئيس اللبناني جوزاف عون (أرشيف)
في اللحظات التي يمرّ فيها لبنان بمرحلة دقيقة، وتتعاظم فيها التحديات الأمنية والسياسية، تبرز الحاجة إلى قرارات مدروسة تعزّز الثقة الداخلية وتضمن وحدة الموقف الوطني. وفي مقدّمة هذه الملفات، يأتي ملف التفاوض حول مستقبل المناطق الجنوبية وما يرتبط به من ترتيبات أمنية وسياسية، هو ملف يتصل مباشرة بسلامة أهل الجنوب والبقاع والضاحية، وبالمشهد الوطني الأوسع الذي ينعكس على كل اللبنانيين.
من هنا تأتي هذه المناشدة الهادئة، غير التصادمية، الموجّهة إلى فخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون، بهدف إعادة النظر في خيار المفاوض الذي جرى تعيينه مؤخراً. فالقضية ليست شخصية، ولا هي محاسبة، بل هي دعوة إلى مقاربة أكثر انسجاماً مع حاجات المرحلة ومقتضيات الواقع، وإلى اختيار شخص قادر على حمل هذا الملف بحساسية ومسؤولية وفعالية، بما يعكس ثقة الأطراف المعنية ويمهِّد لنجاح أي حوار أو تفاوض.
أهمية المفاوض في الملفات الحساسة
المفاوض ليس شخصاً يشارك في اجتماعات تقنية فحسب، بل هو جسر الثقة بين أطراف متباينة، وهو المعبّر عن نبض الأرض التي تمسّها نتائج التفاوض مباشرة. لذلك، في كل التجارب الإقليمية والدولية، نرى أن اختيار المفاوض يكون قائماً على معيارين أساسيين:
1. أن يحظى المفاوض بثقة الطرف المحلي الذي تمسّه نتائج المفاوضات.
2. أن يمتلك معرفة واقعية بالبيئة الاجتماعية والأمنية والسياسية للملف الذي يتولّاه.
هذه المبادئ ليست تفصيلاً إجرائياً، بل هي ما يحدّد نجاح أي عملية تفاوضية. ذلك أن التفاوض ليس حساباً فنياً ولا عملية تقنية محضة، بل هو بناء ثقة، وخلق مساحة مشتركة، وفتح قنوات يمكن عبرها للطرفين أن يسمع أحدهما الآخر. ومن دون ثقة متبادلة، يصبح التفاوض مجرد إجراء شكلي لا ينتج اتفاقاً ولا يخفف توتراً.
ولذلك، حين تختار مصر التفاوض المباشر مع المقاومة الفلسطينية في غزة، فذلك لا يتم من باب القرب الجغرافي أو التاريخي فقط، بل لأن مصر تحظى بثقة الطرف المعني، وتملك القدرة على التواصل الفعلي مع مكوّن حاسم في المعادلة. وهذا مبدأ بديهي في العلوم السياسية وفي فن إدارة الأزمات.
لبنان والملف الجنوبي: الواقع يفرض شروطه
في الحالة اللبنانية، نحن أمام ملف يمسّ الشيعة بالدرجة الأولى، لأن الجنوب والبقاع والضاحية هي المناطق التي شهدت النزوح والدمار والضغط الأمني الأكبر. وهذه المناطق تحتضن أيضاً المقاومة التي تشكّل جزءاً أساسياً من معادلة الردع ومن واقع الاشتباك مع العدو.
وبالتالي، فإن الطرف الذي تمتد نتائج التفاوض إلى حياته اليومية، وبيئته، ومنازله، ومستقبله، وهويته الأمنية والسياسية هو المجتمع الشيعي. من هنا يصبح من الطبيعي ، بل من الضروري، أن يكون المفاوض المكلّف بهذا الملف على تماس مباشر مع هذه البيئة، أو من أبنائها، أو على الأقل موضع ثقتها.
ليس في ذلك منطق طائفي أو فئوي، بل منطق واقعي يستند إلى:
• قرب المفاوض من الناس الذين يتأثرون بالنتائج.
• قدرته على فهم حساسياتهم وتطلعاتهم.
• امتلاكه اللغة المشتركة التي تسمح له بالتواصل مع المقاومة والشخصيات المؤثرة في هذا الملف.
• ثقة البيئة بمَن يتحدث باسمها.
هذه الشروط ليست موجّهة ضد أحد، ولا تستهدف إسقاط اسم أو مهاجمة شخص، بل هي مبادئ مهنية تحكم التفاوض حين يتعلق بمصير جماعة محورية في المعادلة الوطنية.
إشكالية خيار سيمون كرم: من زاوية هادئة وموضوعية
إن التعيين الأخير للأستاذ سيمون كرم كمفاوض أثار نقاشاً واسعاً ليس لأن الرجل يفتقر إلى الكفاءة، بل لأن سيرته السياسية تشي بوضوح بعدم وجود علاقة ثقة بينه وبين البيئة التي يُفترض أن يفاوض باسمها أو باسم الدولة فيما يخصّ مستقبلها. فكرم، كما يعرف اللبنانيون، يحمل مواقف شديدة الوضوح في معارضته للمقاومة، وكان في مراحل من حياته السياسية قريباً من شخصيات ضباط الارتباط خلال الاحتلال الإسرائيلي لجزين وما حولها.
هذه الوقائع ،سواء اتفق معها المرء أم اختلف، تجعل من الصعب على المكوّن الشيعي، كجمهور ومقاومة، أن يرى فيه اسماً مناسباً ليكون واجهة التفاوض في ملف يرتبط بوجوده المباشر.
وهنا لا نقول إن كرم غير مناسب من منطلق طائفي، بل نقول إن ملفاً بهذه الحساسية يحتاج إلى شخصية قادرة على بناء الثقة مع الطرف المحلي المعني أولاً. وهذا ما تفتقر إليه هذه التسمية تحديداً.
ليس المطلوب إدانة كرم، ولا مواجهته، ولا الانتقاص من سيرته، بل المطلوب هو إعادة النظر في مدى توافق هذا الاختيار مع متطلبات النجاح الفعلي للتفاوض.
لماذا يجب أن يكون المفاوض شيعياً؟
في السياق الحالي، الإجابة بسيطة:
لأن النتائج تمسّ الشيعة مباشرة قبل غيرهم، ولأن المقاومة طرف أساسي في المعادلة، ولأن أي تفاهم أو تفاوض لن ينجح من دون وجود قناة تواصل عملية وحقيقية بين المفاوض وهذا الطرف.
ومرة أخرى، نحن لا نتحدّث عن منطق حصص أو توزيع طائفي للمناصب، بل عن ضرورات واقعية تُحتّم أن يكون المفاوض:
• قادراً على فهم تعقيدات البيئة الجنوبية،
• قادراً على مخاطبة المقاومة بلغة مشتركة،
• ومقبولاً من الجمهور الذي يعيش على خطوط النار ويتحمّل كلفة الحرب والسلام معاً.
وهذه الدرجة من القرب والثقة لا يمكن أن تتوافر لدى شخصية تعلن العداء السياسي للمقاومة، أو أن تاريخها العام لم يجعلها يوماً في موقع القرب من الجنوب وأهله.
فخامة الرئيس… هذه مناشدة وليست اعتراضاً
إن مناشدتنا فخامتكم لا تستند إلى رغبة في نقد أو تصعيد، بل إلى حرص على حماية المسار التفاوضي من الإخفاق. فالتجارب تقول إن أي مفاوضات تُبنى على قاعدة هشّة تفقد فعاليتها قبل أن تبدأ. أما إذا أُعيد النظر في المفاوض، فذلك سيشكّل خطوة إيجابية تعزّز الثقة الوطنية، وتجعل الأطراف المختلفة تشعر بأنها ممثلة، وأن صوتها حاضر على الطاولة.
ونحن نعلم أن فخامتكم تعملون على إيجاد صيغة وطنية تُلائم كل اللبنانيين، وأن قرار التفاوض لم يكن بسيطاً، وأن ضغوطاً دولية مختلفة قد تداخلت في تحديد شكل الفريق المفاوض. ولكن المصلحة اللبنانية العليا تقتضي اليوم إعادة وصل ما انقطع بين الدولة والبيئة التي تمسّها نتائج التفاوض مباشرة.
اقتراح للتصويب: اسم شيعي يحظى بثقة المقاومة
إن الخطوة الأكثر انسجاماً مع هذا الواقع هي تسمية شخصية شيعية ذات صدقية عالية، وتحظى بثقة المقاومة والجمهور الشيعي، وتملك القدرة على التواصل مع المؤسسات الدولية والدبلوماسية. ليس ذلك من باب المحاصصة، بل من باب الواقعية السياسية، ومن باب تعزيز ثقة الأطراف الداخلية، ومن باب ضمان أن يتحدث المفاوض من موقع معرفة وبصوت لا يُنظر إليه على أنه غريب أو خصم.
وجود مفاوض من هذا النوع لا يعني الخضوع لأي طرف، بل يعني أن الدولة تعرف كيف تتعامل مع مكوّناتها الأساسية باحترام واحتضان، وأنها تبني تفاوضها على قاعدة داخلية قوية لا على توازنات خارجية فقط.
خاتمة: نحو مسار تفاوضي قائم على الثقة
إننا، في هذه اللحظة الدقيقة، بأمسّ الحاجة إلى خطوات تُعيد تعزيز وحدة الموقف الوطني، وتضمن أن كل مكوّن يشعر بأنه ممثّل في القرارات التي تمسّ حياته وأمنه ومستقبله. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة النظر في اسم المفاوض ليست خطأ سياسياً، بل فعل حكمة ومسؤولية وطنية.
وفي النهاية، هذه دعوة هادئة لفخامتكم: ليكن المستقبل الذي يُكتب على طاولة التفاوض مستنداً إلى ثقة الداخل قبل رضا الخارج، وإلى أصوات الناس قبل ضغط الدبلوماسيين.
وأنتم القادرون على تصويب المسار.