طوفان الأقصى في مسار التّاريخ ومآلاته

سؤال المستقبل والوجود، ومعضلة الشعور بالأمن والأمان، ليسا جديدين في هذا السّياق التّاريخيّ، بل هما حصيلة طبيعة هذا الكيان، وطريقة تشكّله، وجملة من الحروب والمواجهات.

  •  العدّ التّنازلي للكيان بالمعنى الاستراتيجيّ بدأ.
    العدّ التّنازلي للكيان بالمعنى الاستراتيجيّ بدأ.

إنّ ما يجب التركيز عليه هو أن حدث «طوفان الأقصى»، وما نجم عنه على مستوى المنطقة، ليسا أمراً مفصولاً عن سياقيه التّاريخيّ والاستراتيجي. وإنّ من يقرأ سياقات الأحداث منذ سبعة عقود ونيّف، على مستوى مواجهة الكيان الإسرائيليّ في فلسطين المحتلَّة والمنطقة، قد يستنتج مالآت محددة لهذه السياقات، وخصوصاً عندما نلتفت إلى أنّه منذ حرب لبنان الأولى قبل عقود أربعة، وما بعدها، صرنا نشهد تحولاً في مجرى الصراع.

تحولٌ مفاده أنّ العدّ التّنازلي لهذا الكيان بالمعنى الاستراتيجيّ بدأ، بحيث يمكن أن نستخلص جملة من النقاط في هذا السياق:

1- الإيمان بقدرة حركات المقاومة على هزيمة هذا الكيان ولو بشكل موضعي، لكن متراكم.

2-  إمكان تحقيق إنجازات من خلال فعل المقاومة، بعيداً عن منطق السّلام (الزّائف)، وتقديم التّنازلات عن الحقوق.

3- إن كل ما يحكى عن السّلام و«حلّ الدّولتين» ليس إلا كذبة ممجوجة، يراد منها إبعاد الشعوب عن خيار المقاومة، وتدجين الفلسطينيّين في الواقع القائم، واستخدامهم (السّلطة الفلسطينيّة) في ضرب مقاومتهم، وصولاً إلى تيئيس الفلسطينيّين، عبر كل السبل، من استعادة حقوقهم. وأهم تلك السبل: إيجاد وقائع على الأرض يستحيل معها تطبيق حلّ الدّولتين.

4- فشل جميع المشاريع الهادفة إلى تحويل هذا الكيان إلى كائن طبيعي في المنطقة، على رغم الجهود الكبيرة التي بذلت وتبذل في هذا المجال.

هذا فضلاً عن التّحوّل الجوهريّ في الواقع الإقليميّ، من حيث تبنّي قوة إقليميّة مؤثرة (الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران) لمشروع المقاومة في المنطقة، وصولاً إلى النشوء والتطوّر لعدد من حركات المقاومة، من لبنان إلى فلسطين وسوريا، وصولاً إلى العراق واليمن، بحيث أضحى هذا الكيان محاطاً بعدد من حركات المقاومة الجادّة، والمؤمنة بقدرتها على الإنجاز، والمتعاونة فيما بينها، والبعيدة عن التأثّر بخيارات النظام الرّسميّ العربيّ ومصالحه؛ هذا النظام الّذي أدمن على وهم السّلام، أو أنّ هذا الوهم أضحى لديه ذريعة لتبرير موقفه السّلبيّ تجاه المقاومة.

في هذا السّياق العام، أتى حدث طوفان الأقصى، والّذي دلّ على:

1- إمكان إحداث تغيير في استراتيجية المواجهة من جانب حركات المقاومة، من دفاعيّة محضة، إلى دفاعيّة هجوميّة، وتحقيق إنجازات في هذا المجال.

2- مزيد من تأكيد وجود نقاط ضعف بنيويّة في الجيش الإسرائيليّ، بل في الكيان الإسرائيليّ، وإمكان توظيفها في معادلات الصراع.

3- إمكان صدمة هذا الجيش وهذا الكيان، وتعزيز حضور الأسئلة القلقة في الوعي الكيانيّ لدى الجمهور الإسرائيليّ، وما يؤدي إليه ذلك من تعاظم مزيد من عدم الشعور بالأمن والأمان تجاه مستقبل هذا الكيان واستمرار وجوده.

إنّ سؤال المستقبل والوجود، ومعضلة الشعور بالأمن والأمان، ليسا جديدين في هذا السّياق التّاريخيّ، بل هما حصيلة طبيعة هذا الكيان، وطريقة تشكّله، وجملة من الحروب والمواجهات، ابتداءً بحرب لبنان الأوّلى، بل قبلها، وصولاً إلى طوفان الأقصى، سوى أن هذا الحدث الأخير زاد في إلحاح هذا السؤال، وعمّق هذه المشاعر لدى الجمهور الإسرائيليّ، وخصوصاً مع المشهد الّذي ظهر عليه جيش هذا الكيان. ومن المعلوم أنّ الكيان الإسرائيلي يقوم، ليس فقط على قوة جيشه، بل على تفوّق هذا الجيش. فعندما تضعف الثقة بهذا الجيش، عندها سوف يكون أمراً طبيعياً أن يصبح سؤال المستقبل والمصير سؤالاً حاضراً بقوة، وأن يرتفع منسوب القلق لدى مختلف فئات هذا الكيان وأفراده.

إن ما يجب قوله هو أنّ طوفان الأقصى حدثٌ في سياق تراكمي، نحو هدف أضحى استشرافه أشدّ وضوحاً، وهو زوال هذا الكيان، وعودة الحقّ إلى أهله.

وحتّى يمكن أن نعي هذا الأمر، فلنقف قليلاً عند ردة الفعل الإسرائيليّة، والّتي هي كالعادة وحشيّة إجراميّة ومزيد من المجازر والإبادة، لكن ما شهدناه في هذه الحرب، هو مزيد من هذا التوحّش، ومن ضرب جميع المعايير الإنسانيّة والقانونيّة بعرض الحائط. وما يهمنا هنا هو الوقوف عند جملة من دلالات ردة الفعل هذه ونتائجها.

في الدّلالات، تكشف هذه الحروب عن تأزّم هذا الكيان، وعن مدى سيطرة الشعور بالهلع والخوف على عقله ووجدانه، وعن المستوى الّذي وصل إليه العقل الإسرائيليّ (العقل الكيانيّ)، من الانفصام عن الواقع، واللاعقلانيّة، وعدم القدرة على قراءة حجم المتغيرات ومداها. لذلك، جاءت ردوده انفعاليّة انتقاميّة، تريد أن تثأر لهذه الكبرياء التي جُرحت، والّتي أصيبت بثلمة لا مخرج منها.

أما في النتائج، فيمكن أن نشير سريعاً إلى ما يلي:

1- وضوح مزيد من وحشيّة هذا النظام ونازيّته.

2- تهشيم مزيد من المشروعيّة الأخلاقيّة (المدّعاة) لهذا الكيان وسرديّته.

3- صيرورة مسارات التّطبيع أشدّ تعقيداً، ومزيد من عزلة هذا الكيان في محيطه.

4- مزيد من التّحوّل الإيجابي تجاه قضية المقاومة في المنطقة وفلسطين، من جانب الرّأي العام العالميّ، فضلاً عن الإسلاميّ والعربيّ.

5- تعميق الشعور بالقلق والخوف تجاه المستقبل لدى جمهور هذا الكيان وشعبه، لأنّه من الطبيعي عندها أن يبقى السّؤال مطروحاً في وجدان هذا الجمهور: بعد مسلسل المجازر هذا، ماذا سوف يحدث لنا غداً، لو تمكّنت حركات المقاومة من الوصول إلينا وبلوغ حواضرنا.

6- التّأكيد أكثر لمشروعيّة المقاومة، لأنّ المعادلة البسيطة هي أن عدواً بهذا الإجرام وهذه الوحشيّة، لا يمكن التّعامل معه إلا بمنطق المقاومة.

7- مزيد من تأكيد فشل خيارات السّلام والوعود المخادعة، لأنّ ما انكشف من خطط تهجير، وغيرها، يدلّ على أنّ مسار السّلام هو مسار فاشل وعقيم ومخادع.

8- إعطاء قوة دفع لجميع حركات المقاومة في المنطقة، لمراكمة مزيد من عناصر القوة في مواجهة هذا الكيان وتغوّله.

9-  تضرّر الاقتصاد الإسرائيليّ، والتّشكيك في صلاحية الكيان ليكون المرفأ البحريّ الاقتصاديّ الرابط بين الشرق والغرب.

10- تعميق مشاعر عدم الثقة بالجيش الإسرائيليّ، وبهذا الكيان، الأمر الذي سوف يؤدي إلى مزيد من التّسرّب، ديمغرافيّاً واقتصاديّاً وماليّاً.

حتّى لو انتهت هذه الحرب بتكلفة كبيرة، بشريّاً وماديّاً، على مستوى حركات المقاومة وبيئتها الحاضنة - وهو أمر مؤلم من دون شك - لكن المؤكّد أيضاً أمران:

الأوّل أنّ إرادة المقاومة لن تنكسر، وأن وعيها لن يسقط.

الثاني أن ديناميات الفعل المقاوم لن تتراجع، بل سوف تقوى وتزداد.

والّذي يقرأ سير الحروب والمعارك بين حركات المقاومة والكيان، على مدى هذه العقود، يصل إلى نتيجة، مفادها أنّه على رغم كل ما يحدث، فإنّ المقاومة تصبح أقوى بعد الحرب، وأنّ الأضرار الّتي تصيب الكيان هي أضرار لا تُجبر، وخصوصاً ما يتصل منها بالجبهة الدّاخليّة والوضع الدّاخليّ للكيان في مختلف ميادينه، الأمر الذي يجعل الميزان الاستراتيجي يعمل بصورة دائمة لمصلحة حركات المقاومة وأهدافها. وإن هذه الحرب الدّائرة في فلسطين والمنطقة، لن تكون استثناءً من تلك المعادلة، وخصوصاً عندما نلاحظ المنحى الهجوميّ من جانب مجمل حركات المقاومة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، فضلاً عن فلسطين، تجاه هذا الكيان، وأيضاً فتح جميع هذه الجبهات بصورة متقاربة، ومنسَّقة، والّذي إن لم يصل إلى الحرب الشاملة، لكنّه تحوّل في غاية الأهمية، ويحمل رسالة قوية في سياق هذا الصراع، وقد يكون مجرد بداية لها ما بعدها.

بمعزل عن منحى هذه المواجهة، وهذه الحرب في فلسطين ولبنان والمنطقة، ومساراتها المستقبليّة، من الوضوح أنّ هذا الكيان يصبح يوماً بعد آخر أشدّ عجزاً، وأكثر فشلاً في مواجهة حركات المقاومة، وأنّه لن ينجو من مجمل نتائج هذه الحرب، الّتي ربما قد تفضي إلى خلاصة مفادها أنّ الإسرائيليّ الذكي، هو الّذي يحزم أمتعته اليوم وليس غداً، ليعود إلى البلد الّذي جاء منه، لتبقى فلسطين لأهلها، لأنّ ما حدث في اليوم الأوّل من طوفان الأقصى، قد يكون نموذجاً بسيطاً عما سوف يحدث في الأيام المقبلة.