ضيق الخيارات الأميركية تجاه إيران.. لماذا؟

إمكانية الحسم عسكرياً في الحرب مع إيران غير واردة البتة، وبالتالي، لا بدّ من تنازل محسوس من الطرفين، وإلا سوف نبقى في حالة "جمود استراتيجي".

  •  إمكانية الحسم عسكرياً في الحرب مع إيران غير واردة البتة (أرشيف).
    إمكانية الحسم عسكرياً في الحرب مع إيران غير واردة البتة (أرشيف).

قُبيل نهاية الأسبوع العاشر للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، واستخدام كلّ الوسائل الممكنة للإطاحة بالنظام، أو إرضاخه للمطالب والشروط الأميركية في مختلف الملفات الشائكة، القديمة والجديدة على السواء (النووي، الباليستي، النفوذ الإقليمي وفتح مضيق هُرمز)، تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام معضلة لا يمكن حلّها إلا عن طريق التفاوض.

بدأت الحملة الأميركية-الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية في 28 شباط/فبراير الماضي، باستهداف أركان النظام، بغية ضعضعته والتمهيد إلى إسقاطه، وذلك بالتزامن مع استثارة الشعب الإيراني وحثّه للتحرّك بقوة ضدّ قوى الأمن الداخلي، بطريقة تفوق بحدّتها الصدام وأعمال الشغب اللذين شهدتهما مختلف المدن الإيرانية مطلع العام الجاري. 

وعندما فشل السيناريو الأول، شنّت المقاتلات الأميركية والإسرائيلية هجوماً على المنشآت العسكرية والأمنية الإيرانية، في أربع أصقاع الجمهورية، من دون أن تنال من عزيمة النظام. مما دفع نحو تفعيل عمل "الموساد" و"السي أي أيه" لتحريك خلاياهما في الداخل الإيراني، وتزويد الجماعات الانفصالية بالأسلحة اللازمة لمواجهة القوات الإيرانية واستنساخ تجربة إدلب-جبهة النصرة، أو "قسد" الكردية. وقد حال تماسك أركان النظام، والتفاف الشعب الإيراني حولهم، واستمرار زخم إطلاق الصواريخ الباليستية على القواعد الأميركية في الدول الخليجية و"إسرائيل"، من دون تحقيق أحلام "العم سام" والكيان العبري.

ومما زاد من مأزق الولايات المتحدة، مبادرة إيران إلى "الإغلاق الذكي لمضيق هرمز" عبر السماح بمرور سفن دول معيّنة وحظر أخرى. وهدفت هذه الاستراتيجية إلى استخدام المضيق كأداة ضغط سياسي واقتصادي في الصراع، مع تحديد طهران لمن يحقّ له العبور. قابلتها واشنطن بتصرّف ذكي أيضاً، عبر ضرب حصار بحري على الموانئ الإيرانية كافة على طول الشاطئ الإيراني الممتد على مياه الخليج الفارسي وخليج عدن وبحر العرب.

لكنّ هذا الحصار لم يُمكّن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من جلب الإيراني إلى طاولة إسلام آباد. إذ فات الأخير بأنّ لإيران باعاً طويلاً في التعاطي مع الحصار ورزم العقوبات التي لم تتوقّف يوماً منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979. وهذا ما حمل الرئيس الأميركي إلى تنظيم حملة دولية لفتح المضيق تحت شعار إنساني، حيث أسماها "مشروع الحرية"، بحجة احتجاز أكثر من 1500 سفينة و20 ألف بحّار داخل مياه الخليج نتيجة إغلاق المضيق.

حتى هذا المشروع لم ينجح، رغم ادّعاء الرئيس الأميركي بعكس ذلك، بحيث قابله حرس الثورة الإسلامية بقوة، مستهدفاً المدمّرات الاميركية وموانئ الإمارات، ولا سيما ميناء "الفجيرة"، الذي يُنقل من خلاله قرابة 80% من صادرات النفط الإماراتي. 

ومن حسن حظّ إيران، أنّ هذه الحرب وقعت في توقيت دولي يناسبها، حيث إنّ الإدارة الأميركية الجديدة افتعلت العديد من المشكلات مع الحلفاء قبل الخصوم، من فرض رسوم جمركية، إلى إعلان السيطرة على جزيرة غيرنلاند وقناة بنما، وصولاً إلى ضمّ كندا للولايات المتحدة. 

هذا كلّه، دفع الدول الغربية على الأقلّ، إلى التفكير بصورة مغايرة للصورة التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية، وهذا ما حال دون وقوف تلك الدول إلى جانب الولايات المتحدة في حربها ضدّ إيران.

كذلك الدول العربية والاسلامية، لم تتخذ موقفاً عدائياً من إيران، حتى الدول الخليجية التي طالها القصف الإيراني، باستثناء دولة الإمارات التي تؤكّد تقارير أمنية مشاركة مقاتلاتها في ضرب الجمهورية الإسلامية. 

عليه، لم يبقَ أمام واشنطن سوى خيارات محدّدة، يمكن حصرها بالآتي:

1- قيام قوات كوماندوس مظلّي بعملية خاطفة لتحرير كميات اليورانيوم المخصّب على درجة 60%، وهذا العمل دونه عقبات جمّة، سواء لجهة تحديد أماكن اليورانيوم أو القدرة على الوصول إليه، والخسائر التي قد تترتّب على عمل من هذا النوع. خصوصاً أنّ الجيش الأميركي حاول القيام بذلك تحت ذريعة التفتيش عن الطيار الثاني الذي سقطت طائرته الـ "F-15"، ومنيت القوات الأميركية بفشل وخسائر كبيرة، ذكّرتها بعملية "مخلب النسر" الفاشلة في 25 نيسان/أبريل 1980، في صحراء طبس، لتحرير الرهائن الأميركيين في السفارة الأميركية في طهران.

2- قيام سلاح الجو الأميركي والإسرائيلي بعملية عسكرية واسعة وخاطفة، تُدمّر البنية التحتية الإيرانية كافة، ولا سيما النفطية منها. لكنّ الرسائل الإيرانية، على لسان أكثر من مسؤول رفيع، بخصوص الردّ على هذه العملية بعملية مماثلة تستهدف البنى التحتية النفطية في مختلف الدول الخليجية حالت حتى الآن دون تنفيذها، واقتصار الأمر على تهديدات لفظية من الرئيس ترامب والتي اعتادت القيادة الإيرانية على سماعها.

3- تنفيذ عملية إبرار لبعض الجزر الإيرانية في الخليج، ولا سيما جزيرة "خرج"، التي تصدّر من خلالها الجمهورية الإسلامية قرابة 95% من صادراتها النفطية. أو احتلال كامل الشطّ الإيراني والسيطرة عليه والذي يفوق طوله الـ 2500 كلم. في كلتا الحالتين تتعرّض القوات الأميركية لمخاطر جمّة لا تقوى على تحمّلها. خصوصاً أنّ التاريخ الحديث للولايات المتحدة مع الحروب البريّة حافل بالفشل، بدءاً من الحرب الفيتنامية إلى الحرب الأفغانية وانتهاءً بالحرب العراقية. 

4- شنّ حرب نووية على إيران، بقنابل تكتيكية-موضعية، وهذا أمر مستبعد، وعلى الرغم من جنون ترامب، صرّح بعدم استخدام هذا السلاح، وردّ على سؤال إحدى الصحافيات في البيت الأبيض، بهذا الخصوص، بـ"لا" كبيرة، وسخر من سؤالها ووصفه بـ"الغبي".

في المحصّلة، ووفقاً للعديد من الأبحاث الأميركية وغير الأميركية، وتأكيد معظم كتبة الأعمدة في الصحافة الغربية، إنّ إمكانية الحسم عسكرياً في الحرب مع إيران غير واردة البتة، وبالتالي، لا بدّ من تنازل محسوس من الطرفين، وإلا سوف نبقى في حالة "جمود استراتيجي"، في ظلّ السقوف المرتفعة من كليهما. فيما العالم يقف أمام مدرستين مختلفتين من التفاوض هما:

المدرسة الأميركية: لا تفهم التفاوض إلى من خلال القوتين العسكرية والاقتصادية، وفقاً لنظرية وزير خارجية الولايات المتحدة الراحل هنري كسينجر، والتي ضمنها في كتابه "الدبلوماسية" (Diplomacy). 

المدرسة الإيرانية، تعتمد نظرية وزير الخارجية الإيرانية، عباس عراقتشي، المذكورة في كتابه الجديد "قوة التفاوض"، والتي تقتضي بأن يحمل معه المفاوض على الطاولة، اضافة إلى القوتين العسكرية والاقتصادية، الهوية والقومية والكرامة الوطنية وثقل الأمة المتجذّر في أعماق التاريخ والجغرافيا. 

هذا فضلاً عن هدوء المفاوض الإيراني وطول أناته، فيما المفاوض الأميركي مُتسرّع ويستعجل النتائج، ولا سيما في ظلّ الإدارة الحالية التي تشغل البيت الأبيض، وهي مجموعة من المطوّرين العقاريين، وثمّة جموح يُخيّم على هذه الإدارة وسعي إلى الربح السريع، وهذا ما يتعارض مع طبيعة المفاوض الإيراني.