صدمة العودة وأهداف العدو: حين يتحوّل الركام إلى ساحة حرب نفسيّة

ليست المعركة على الوعي شعاراً نظريّاً. إنها تبدأ من جملة نقولها لطفل أمام بيت مهدوم، ومن يد نضعها على كتف أم تبحث عن أثر منزلها، ومن جار يساعد جاره، ومن منشور لا يحرّض، ومن خطاب لا يشمت، ومن ذاكرة لا تسلّم نفسها للمحو.

  • حين يتحوّل الركام إلى ساحة حرب نفسيّة (أرشيف).
    حين يتحوّل الركام إلى ساحة حرب نفسيّة (أرشيف).

ليست الحرب، في صورتها الأشدّ قسوة، فعلاً عسكريّاً فقط. فالقصف والهدم والتجريف ومحو المعالم لا تنتهي آثارها عند حدود الحجر، ولا تقاس فقط بعدد البيوت التي سوّيت بالأرض أو الطرقات التي قطعت أو المقابر التي دنّست أو الأشجار التي اقتلعت. في الحروب الحديثة، ولا سيما في التجربة الإسرائيليّة المتكرّرة مع لبنان وفلسطين، يصبح المكان نفسه هدفاً نفسيّاً وسياسيّاً: البيت، الشارع، المقبرة، الساحة، الشجرة، المدرسة، رائحة الحيّ، باب الدار، وذاكرة القرية.

من هنا يمكن فهم ما جرى في عدد من البلدات الجنوبيّة لا بوصفه فعلاً عابراً أو انتقاماً أعمى فحسب، بل بوصفه جزءاً من معركة أوسع على الوعي. فالعدو لا يريد أن يترك خلفه دماراً ماديّاً فقط، بل يريد أن يترك سؤالاً جارحاً في داخل الناس: 

هل كانت الكلفة تستحقّ؟ هل ما زال الصمود ممكناً؟ هل المقاومة جدوى أم عبء؟ هل العودة إلى الأرض عودة إلى الحياة أم عودة إلى الوجع؟

هذه هي بالضبط وظيفة الحرب النفسيّة: أن تنقل الإنسان من موقع صاحب الأرض والحقّ والذاكرة إلى موقع المتهم لنفسه، ومن موقع الضحيّة المعتدى عليها إلى موقع من يبحث عمن يلومه في الداخل. فحين يعجز العدو عن كسر الإرادة في زمن المواجهة المباشرة، يحاول أن يستكمل المعركة بعد توقّف النار، عبر هندسة مشهد العودة نفسه: أن يعود الجنوبي إلى قرية لا تشبه قريته، وإلى بيت لم يعد بيتاً، وإلى طريق لم تعد طريقاً، وإلى مقبرة لا يعرف كيف يصل إليها. في تلك اللحظة، يراد للصدمة أن تقوم بما لم تستطع آلة الحرب أن تنجزه كاملاً.

في علم النفس السياسي، لا تعمل الحرب النفسيّة فقط على تخويف الخصم، بل على إعادة تشكيل تفسيره للحدث. فالهدف ليس أن يرى الإنسان الخراب فحسب، بل أن يفسّره بالطريقة التي يريدها العدو: (هذا ما جلبته المقاومة، هذه نتيجة التمسّك بالأرض، لا قدرة لكم على المواجهة، العين لا تقاوم المخرز، واليد التي لا تستطيع كسرها قبّلها وادعُ عليها). هنا تتحوّل الصورة من وثيقة إدانة للمعتدي إلى أداة اتهام للذات، إذا لم يرافقها وعي يحصّن المعنى ويحمي الذاكرة من التلاعب.

إنّ ما يسمّى في الأدبيّات العسكريّة والنفسيّة بـ"كيّ الوعي" يقوم على مبدأ بسيط وخطير: إحداث ألم مادي كبير، ثم دفع الجمهور المستهدف إلى تبنّي الخلاصة التي يريدها المعتدي. فلا يكتفي العدو بتدمير المكان، بل ينتظر من الناس أن ينشروا المشاهد، وأن يتنازعوا حولها، وأن تتحوّل الصدمة إلى غضب داخلي، وأن يتحوّل الغضب إلى انقسام، وأن يتحوّل الانقسام إلى كسر في الحاضنة الاجتماعيّة والوطنيّة. وحين يحصل ذلك، يكون قد ربح من خلال الصورة ما لم يربحه كاملاً في الميدان.

من زاوية علم النفس المعرفي، الإنسان تحت الصدمة يبحث عن تفسير سريع لما حدث. العقل المرهق لا يحبّ الفراغ، ولذلك قد يتسرّع في البحث عن سبب واحد ومباشر للألم. ومع ضخّ إعلامي وسياسي منظّم، يمكن أن يتحوّل السؤال الطبيعي "من فعل بنا ذلك؟" إلى سؤال ملغوم: "من تسبّب لنا بذلك؟". الفارق بين السؤالين جوهري. الأول يثبت مسؤولية المعتدي، والثاني قد ينقل الاتهام إلى الداخل. وهنا تحديداً تقع المعركة على الوعي.

أمّا من زاوية علم النفس الإجتماعي، فإنّ استهداف القرية ليس استهدافاً لمجموعة بيوت فقط، بل استهداف لهوية جماعيّة. فالبيت ليس جدراناً، بل امتداد للذات. والقرية ليست مساحة جغرافيّة، بل وعاء للذاكرة. والمقبرة ليست مكانًا للموتى فقط، بل جسر بين الأجيال. لذلك فإنّ محو المعالم يهدف إلى ضرب العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين العائلة وتاريخها، بين الجغرافيا والانتماء. ومن هنا تأتي خطورة صدمة العودة: إنها صدمة فقدان المكان، لا فقدان الممتلكات وحدها.

قد يشعر العائد إلى بيته المدمّر أو قريته المتغيّرة بالذهول، الخدر، الغضب، البكاء، الصمت، الارتباك، فقدان القدرة على الكلام، أو حتى الضحك العصبي. وقد يشعر بعضهم بالذنب لأنه نجا، أو بالعجز لأنه لا يعرف من أين يبدأ، أو بالحنين المؤلم إلى تفاصيل صغيرة لم يكن ينتبه لها سابقاً. كلّ هذه ردود فعل نفسيّة مفهومة أمام حدث غير عادي. ليست ضعفاً، وليست قلّة إيمان، وليست تراجعاً في الصمود. إنها استجابة إنسانيّة طبيعيّة أمام مشهد قاسٍ يريد العدو له أن يكون أكبر من قدرة النفس على الاحتمال.

لكنّ الوعي يبدأ من هنا: أن نفهم أنّ الصدمة مقصودة، وأنّ المشهد جزء من الرسالة، وأنّ نشر الصورة بلا معنى مرافق قد يخدم أحياناً ما يريده العدوّ. ليس المطلوب إخفاء الحقيقة أو تجميل الدمار، بل المطلوب أن نعيد تثبيت المعنى الصحيح: هذا الخراب ليس دليلاً على خطأ الضحيّة، بل دليل على طبيعة المعتدي. وهذه البيوت لم تهدم لأنها بلا قيمة، بل لأنها ذات قيمة في معادلة الوجود والصمود والذاكرة. والقرى لا تمحى لأنها ضعيفة، بل لأنها حاضرة في وعي عدوّ يعرف أنّ الأرض حين تبقى في القلب لا تسقط من الخريطة.

إنّ أخطر ما يمكن أن يقع فيه اللبنانيّون، والجنوبيّون على وجه الخصوص، هو أن يسمحوا للعدو بأن يربح عبر الفتنة ما عجز عن تثبيته بالقوة. فالخلاف السياسي مشروع، والنقاش حول الخيارات والكلفة والمرحلة المقبلة حقّ طبيعي، لكنّ تحويل الألم إلى شماتة، والركام إلى منصة اتهام داخلي، والمصاب إلى مادة للتحريض، هو استكمال نفسي لأهداف الحرب. في لحظات الفقد الكبرى، تحتاج الشعوب إلى نقاش مسؤول لا إلى جلد جماعي، وإلى محاسبة وطنيّة عاقلة لا إلى تحطيم معنويّات الناس، وإلى تضامن لا إلى استثمار في الوجع.

من هنا، فإنّ مواجهة صدمة العودة تبدأ بخطوات نفسيّة واجتماعيّة بسيطة لكنها عميقة الأثر.

أولاً، لا ينبغي أن يذهب العائدون إلى المكان وهم يتوقّعون أن يكونوا أقوياء طوال الوقت. القوة لا تعني غياب البكاء، ولا تعني منع الانهيار المؤقت. القوة الحقيقية هي أن يرى الإنسان ما حصل، وأن يسمّيه باسمه، وأن يسمح لنفسه بالحزن، ثم أن يستعيد قدرته على الفعل ولو بخطوة صغيرة.

ثانياً، من الأفضل ألا تكون العودة الأولى فرديّة لمن يستطيع. العودة ضمن العائلة أو الجيران أو مجموعة من أهل البلدة تخفّف وقع الصدمة، لأنّ الذاكرة الجماعيّة تحتاج إلى شهود جماعيين. حين يقول شخص لآخر: هنا كان بيتنا، هنا كانت الساحة، هنا كانت الشجرة، فهو لا يصف المكان فقط، بل يعيد بناء الخريطة النفسيّة للقرية.

ثالثاً، يجب الانتباه إلى الأطفال والمراهقين. لا ينبغي دفعهم إلى مشاهدة كلّ التفاصيل دفعة واحدة أو إجبارهم على أن يكونوا أقوياء. الطفل يحتاج إلى تفسير بسيط وصادق: حصل دمار كبير، ونحن حزينون، لكنّنا معاً، وسنحاول أن نرتّب أمورنا خطوة خطوة. المهم ألا يسمع الطفل عبارات تهويل مطلقة مثل انتهى كلّ شيء أو لم يعد لنا شيء، لأنّ هذه العبارات قد تتحوّل داخله إلى خوف طويل الأمد.

رابعاً، ينبغي تنظيم التعرّض للصور والفيديوهات. التوثيق مهم، وحفظ الذاكرة ضروري، لكنّ تكرار مشاهدة الدمار لساعات طويلة يعيد تنشيط الصدمة ويمنع العقل من الانتقال إلى التماسك. يمكن التصوير والتوثيق بهدوء، ثم وضع الهاتف جانباً، والعودة إلى الناس لا إلى الشاشة.

خامساً، يحتاج العائدون إلى مهام صغيرة قابلة للإنجاز. في الصدمات الكبرى، يشعر الإنسان أنّ كلّ شيء أكبر منه. لذلك فإنّ ترتيب زاوية، جمع أوراق، البحث عن صورة عائلية، تنظيف مدخل، وضع علامة على مكان البيت، أو الاتفاق مع الجيران على خطوة مشتركة، كلّها أفعال رمزيّة تعيد الإحساس بالقدرة. العدو يريد للإنسان أن يشعر بالعجز المطلق، وكلّ فعل صغير ومنظّم يكسر هذا العجز.

سادساً، ينبغي تحويل الذاكرة إلى طقس جامع لا إلى وجع منفرد. زيارة جماعية للمقابر حين يكون ذلك ممكناً، تسمية الأماكن، جمع صور البيوت كما كانت، تسجيل شهادات كبار السن، وكتابة أسماء العائلات والأحياء، كلّها وسائل نفسيّة ووطنيّة لحماية المكان من المحو. فالذي لا يستطيع أن يمنع الهدم دائماً، يستطيع أن يمنع محو المعنى.

سابعاً، لا بدّ من فتح مساحات كلام آمنة. الناس لا تحتاج فقط إلى مساعدات ماديّة، بل إلى من يسمعها بلا مقاطعة وبلا محاكمة. بعضهم سيغضب، بعضهم سيصمت، بعضهم سيلوم، بعضهم سينهار. الإصغاء هنا فعل مقاومة نفسيّة، لأنّه يمنع الألم من التحوّل إلى عزلة، والعزلة من التحوّل إلى يأس، واليأس من التحوّل إلى قابليّة للتلاعب.

ثامناً، من المهم أن يكون الخطاب العامّ حذراً ومسؤولاً. ليس كلّ وجع يصلح لأن يتحوّل إلى منشور سريع، وليس كلّ غضب يصلح لأن يصبح موقفاً سياسيّاً فوريّاً. في لحظة الصدمة، يحتاج المجتمع إلى لغة تحفظ الكرامة، لا إلى لغة تزيد الانقسام. نحتاج إلى خطاب يقول للناس: حزنكم مفهوم، غضبكم مفهوم، خسارتكم كبيرة، لكن لا تجعلوا المعتدي يحدّد لكم معنى ما جرى.

تاسعاً، يجب الانتباه إلى علامات الحاجة إلى دعم متخصّص: استمرار الأرق الشديد، نوبات الهلع المتكرّرة، العزلة القاسية، العجز عن القيام بالوظائف اليوميّة، نوبات غضب خارجة عن السيطرة، أو استمرار صور الدمار في الذهن بطريقة تمنع الحياة الطبيعيّة. طلب الدعم النفسي في هذه الحالات ليس ترفاً، بل حماية للنفس والعائلة والمجتمع.

وعلى المستوى الوطني، فإنّ تحصين الوعي لا يكون بالإنكار ولا بالشعارات وحدها، بل بثلاثيّة واضحة: تسمية المعتدي، احتضان المتضرّر، ومنع الفتنة. تسمية المعتدي تعني عدم نقل الجريمة من فاعلها إلى ضحيّتها. واحتضان المتضرّر يعني أن لا يشعر من خسر بيته أنّه وحيد أو أنّه تحوّل إلى عبء. ومنع الفتنة يعني أن لا نسمح بتحويل الركام إلى سلاح داخلي يطعن الناس ببعضهم.

لقد أراد العدو من مشهد العودة أن يكون مشهد انكسار. أراده أن يقول للجنوبيّين واللبنانيّين والعرب وكلّ وعي مقاوم: هذه هي الكلفة، خافوا، شكّكوا، تراجعوا، وتخاصموا. لكنّ الردّ النفسي والسياسي الأعمق هو أن يتحوّل المشهد نفسه إلى وثيقة وعي: نعم، الكلفة عظيمة، والمصاب كبير، والبيوت عزيزة، والشهداء والجرحى والنازحون ليسوا أرقاماً في خطاب. لكنّ الجريمة لا تصبح حجة ضدّ الضحيّة، والخراب لا يصبح برهاناً على هزيمة المعنى، والصدمة يجب أن لا تتحوّل إلى فتنة.

إنّ كسر أهداف العدو يبدأ حين يرى العائدون أنّ حزنهم مشترك، وأنّ بيوتهم المهدّمة ليست نهاية الحكاية، وأنّ قراهم وإن تغيّرت معالمها لم تفقد أسماءها ولا أهلها ولا ذاكرتها. يبدأ حين يقف اللبناني إلى جانب اللبناني، والجنوبي إلى جانب الجنوبي، لا سائلاً عن طائفته أو حزبه أو موقفه، بل عن بيته وأطفاله ووجعه وحقه في العودة والكرامة.

ليست المعركة على الوعي شعاراً نظريّاً. إنها تبدأ من جملة نقولها لطفل أمام بيت مهدوم، ومن يد نضعها على كتف أم تبحث عن أثر منزلها، ومن جار يساعد جاره، ومن منشور لا يحرّض، ومن خطاب لا يشمت، ومن ذاكرة لا تسلّم نفسها للمحو. يريد العدو أن يجعل الدمار لغة هزيمة، أما الردّ الأعمق فهو أن نجعله شاهداً على الجريمة، ودافعاً إلى التضامن، وسبباً إضافيّاً لحماية الوطن من الفتنة. فحيث يريدون للركام أن يفرّقنا، يجب أن يصبح الوعي الوطني جسراً يجمعنا؛ وحيث يريدون للصدمة أن تكسرنا، يجب أن يتحوّل التعاطف والتكافل إلى أوّل فعل شفاء وممانعة.