دروس كيسنجر للمفاوض اللبناني
لا ينجح لبنان في مفاوضاته بمجرد عرض حقوقه على الطاولة، بل بإعادة تشكيل موازين القوة وحماية السيادة وتوظيف المقاومة والتحالفات لرفع كلفة استمرار الاحتلال.
-
دروس كيسنجر للمفاوض اللبناني
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا تصبح المفاوضات مجرد وسيلة لإنهاء نزاع، بل تتحول إلى اختبار لقدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها تحت ضغط اختلال موازين القوى. ولبنان يقف اليوم أمام واحد من هذه الاختبارات.
فهو يخوض، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مفاوضات مع "إسرائيل" برعاية أميركية، تتناول قضايا الانسحاب من الأراضي المحتلة، وعودة سكان القرى الحدودية، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار.
غير أن نجاح هذه المفاوضات لا يُقاس بعدد البنود التي تُنجز، بل بقدرتها على تحقيق هذه الأهداف من دون أن تتحول السيادة الوطنية إلى ثمن يُدفع مقابلها.
التفاوض يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة
في هذا السياق، يقدم كتاب Kissinger the Negotiator: Lessons from Dealmaking at the Highest Level، لجيمس سيبينيوس ونيكولاس بيرنز وروبرت منوكين، إطاراً بالغ الأهمية لفهم طبيعة التفاوض السياسي.
فالكتاب لا يقدم كيسنجر بوصفه رجل سياسة فحسب، بل يحلل منهجه التفاوضي، ويستخلص منه مبادئ عملية تصلح لمفاوضات الدول المعاصرة. وأهم ما ينتهي إليه أن النجاح لا يصنعه الأداء داخل قاعة التفاوض وحده، بل القدرة على إعادة تشكيل البيئة التي تجري فيها المفاوضات قبل الجلوس إلى الطاولة.
أولى هذه الدروس أن المفاوض الناجح لا يبدأ من الطاولة، بل مما قبلها. فالمفهوم الشائع للتفاوض يختزله في تبادل المواقف والاقتراحات بين الوفود، بينما يبين مؤلفو الكتاب أن كيسنجر كان يعتبر أن معظم العمل الحقيقي يجري خارج غرفة الاجتماعات.
فقبل أن يبدأ التفاوض، كان يعمل على بناء التحالفات، وتحريك الأطراف المؤثرة، وخلق الحوافز، وزيادة كلفة الفشل، بحيث يصبح الاتفاق أكثر جاذبية للطرف الآخر من استمرار الوضع القائم.
ولهذا، يكرر الكتاب أن كثيراً من النجاح يتحقق عبر ما يسمى "التحرك بعيداً عن الطاولة"، أكثر مما يتحقق عليها.
ويكتسب هذا الدرس أهمية استثنائية في الحالة اللبنانية. فالمفاوض اللبناني لا يستطيع أن يدخل أي جولة مكتفياً بالحجج القانونية أو الأخلاقية.
فالعمل الحقيقي يبدأ قبل ذلك، بتوحيد الموقف الرسمي، وحشد التأييد العربي والدولي، وتفعيل الأدوات القانونية والدبلوماسية، وإقناع المجتمع الدولي بأن استمرار الاحتلال يمثل مصدراً دائماً لعدم الاستقرار.
فإذا دخل الوفد إلى المفاوضات من دون أن يكون قد غيّر البيئة المحيطة بها، فسيجد نفسه يناقش الشروط التي صاغها خصمه، لا الشروط التي تخدم مصالحه الوطنية.
وضوح الهدف الاستراتيجي
يتمثل الدرس الثاني في وضوح الهدف الاستراتيجي. فالكتاب يبين أن كيسنجر كان يبدأ دائماً بتحديد الغاية النهائية، ثم يبني عليها الخطوات المرحلية، لا أن يسمح للمراحل بأن تتحول إلى غايات قائمة بذاتها.
ولهذا، كان يميز باستمرار بين التكتيك والاستراتيجية، ويرفض أن يختلط أحدهما بالآخر. وهذا يفرض على المفاوض اللبناني أن يحافظ على وضوح الهدف النهائي: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة جميع الأهالي، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار.
أما أي انسحاب جزئي، أو ما يسمى "المناطق التجريبية"، أو الترتيبات المرحلية، فلا ينبغي النظر إليها بوصفها وسائل انتقالية فحسب، إذ يُخشى أن يكرّسها الإسرائيلي سقفاً نهائياً للتفاوض. فكثير من المفاوضات تفشل لأن الوسيلة تتحول تدريجياً إلى غاية، ويستيقظ الطرف الأضعف ليكتشف أن "المرحلة الأولى" أصبحت الحل النهائي.
التسوية لا تعني قبول أي اتفاق
ومن أهم ما يشدد عليه الكتاب أيضاً أن المفاوض لا ينبغي أن يخلط بين قبول التسوية وقبول أي تسوية. فالتفاوض ليس اختياراً بين الاتفاق واللااتفاق بصورة مجردة، وإنما بين بدائل متعددة تختلف في جودتها، ويجب قياس كل منها بميزان دقيق يوازن بين مكاسبها وكلفة استمرار الوضع القائم.
ويطلق الكتاب على ذلك متابعة ميزان "الصفقة أو اللاصفقة" (Deal/No Deal Balance)، أي إعادة تقييم ما إذا كان الاتفاق المطروح أفضل فعلاً من استمرار الوضع الراهن. وفي الحالة اللبنانية، لا يمكن تجاهل أن استمرار الاحتلال يفرض كلفة يومية على السكان والدولة والاقتصاد، لكن هذه الحقيقة لا تعني أن أي اتفاق يصبح مقبولاً.
فالميزان الحقيقي هو: هل يحقق الاتفاق تقدماً فعلياً نحو إنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق؟ وهل يحافظ، في الوقت نفسه، على القرار الوطني المستقل؟ فإذا كان الاتفاق يحقق مكاسب ميدانية، لكنه يقيد السيادة أو يجعل تنفيذ الانسحاب مشروطاً بقرارات داخلية تُفرض من الخارج، فإنه لا يكون قد خفف الكلفة، بل استبدلها بكلفة سياسية ودستورية قد تكون أشد وطأة.
السيادة والغموض البنّاء
من هنا، تبرز قضية السيادة بوصفها الخط الأحمر في أي تفاوض. يناقش الكتاب بإسهاب مفهوم "الغموض البنّاء"، ويبين أن كيسنجر استخدمه أحياناً لتجاوز العقد المؤقتة، لكنه لم يكن يراه أداة تصلح للقضايا كلها. فالغموض قد يكون مفيداً في التفاصيل الفنية التي يمكن تفسيرها لاحقاً، لكنه يصبح خطراً إذا طال المبادئ الأساسية التي تحدد الحقوق والالتزامات.
ولذلك، فإن أي صياغة غامضة تتعلق بالسيادة اللبنانية، أو بحق الدولة في اتخاذ قراراتها الأمنية والدستورية بصورة مستقلة، ينبغي التعامل معها بأقصى درجات الحذر. فالتاريخ الدبلوماسي مليء باتفاقات بدا نصها مقبولاً عند التوقيع، ثم تحولت الصياغات المبهمة فيها إلى أدوات ضغط وتفسير منحاز بعد سنوات.
إعادة تشكيل ميزان القوة
غير أن أكثر دروس الكتاب أهمية بالنسبة إلى الحالة اللبنانية هو ما يسميه المؤلفون تغيير قواعد اللعبة، أو إعادة تشكيل ميزان "الصفقة أو اللاصفقة". فالتفاوض، في نظرهم، لا يجري في فراغ، ولا تنبع قوته من البلاغة أو المهارة الخطابية، وإنما من قدرة أحد الأطراف على جعل استمرار الوضع القائم أكثر كلفة من تغييره.
ولهذا، يوضح الكتاب أن كيسنجر لم يكن يفصل بين الدبلوماسية وعناصر القوة التي تعيد تشكيل حسابات الطرف المقابل، سواء كانت عقوبات، أو تحالفات، أو ضغوطاً سياسية، أو أدوات ميدانية تجعل رفض الاتفاق أكثر كلفة من قبوله. وهنا يبرز عامل المقاومة في التجربة اللبنانية بوصفه عنصراً استراتيجياً لا يمكن عزله عن منطق التفاوض نفسه.
فالمسألة لا تتعلق بالمفاضلة بين المقاومة والدبلوماسية، وكأنهما خياران متناقضان، بل بفهم العلاقة بينهما. فالمفاوض الذي يجلس إلى الطاولة مدعوماً بعناصر قوة حقيقية يفاوض من موقع يختلف جذرياً عن مفاوض لا يملك سوى الاحتجاج بالقانون الدولي.
وتقدم تجربة الانسحاب الإسرائيلي من جنوبي لبنان عام 2000 مثالاً واضحاً على ذلك. فالانسحاب لم يكن ثمرة مفاوضات مباشرة، ولم يكن استجابة لقرار قانوني مجرد، بل جاء بعد سنوات أصبحت فيها كلفة البقاء العسكري والأمني أعلى من كلفة الانسحاب.
لقد تغير ميزان "الصفقة أو اللاصفقة" بالنسبة إلى "إسرائيل" نفسها، فأصبح إنهاء الاحتلال أقل كلفة من استمراره. وهذا هو المنطق الذي يشرحه الكتاب في سياقات أخرى: لا يكفي أن يكون مطلبك عادلاً، بل يجب أن يصبح رفضه مكلفاً للطرف الآخر.
ومن هذا المنظور، فإن وجود مقاومة ذات قدرة فعلية هو أحد العناصر التي تمنح التفاوض وزنه الحقيقي. فحين يشعر المحتل بأن استمرار الاحتلال يفرض عليه أثماناً أمنية وسياسية متزايدة، يصبح الانسحاب جزءاً من حساباته العقلانية، لا مجرد تنازل أخلاقي. أما التفاوض المجرد من أي عنصر يغيّر حسابات الخصم، فإنه يتحول بسهولة إلى إدارة للأزمة، بدلاً من أن يكون وسيلة لحلها.
لبنان لا يفاوض "إسرائيل" وحدها
ولا يقل عن ذلك أهمية فهم أن المفاوض اللبناني لا يفاوض "إسرائيل" وحدها. فالكتاب يبين أن المفاوضات الكبرى تكون دائماً متعددة الأطراف، وأن نجاحها يعتمد على القدرة على إدارة شبكة معقدة من المصالح المتقاطعة، لا على العلاقة الثنائية فقط. فالولايات المتحدة ليست مجرد وسيط، بل طرف له حساباته، كما أن الأمم المتحدة والقوى الأوروبية والدول العربية والقوى الإقليمية والرأي العام الدولي كلها عناصر تؤثر في النتيجة النهائية.
ولهذا، فإن المفاوض الكفوء لا يكتفي بقراءة مواقف خصمه، بل يدرس أيضاً مصالح جميع الأطراف القادرة على التأثير في مسار التفاوض، ويعمل على الإفادة من القوى التي تدعم التحرير. كما يشدد الكتاب على ضرورة قراءة القيود الداخلية للطرف المقابل. فالمواقف المعلنة ليست دائماً الحدود الحقيقية لما يستطيع الخصم تقديمه.
وقد كان كيسنجر يميز باستمرار بين الخطاب الموجه إلى الجمهور وبين الهامش الفعلي للمناورة السياسية. وهذا يفرض على المفاوض اللبناني أن يقرأ القيود السياسية داخل "إسرائيل"، وكذلك الحسابات الأميركية، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع التصريحات الرسمية بوصفها مواقف نهائية.
الزمن أداة تفاوضية
وأخيراً، يقدم الكتاب درساً بالغ الأهمية في إدارة الزمن. فكيسنجر لم يكن ينظر إلى طول المفاوضات بوصفه دليلاً على الفشل، بل كان يعتبر المثابرة جزءاً من عملية التفاوض نفسها.
فالجولات المتعددة، والدبلوماسية المكوكية، وإعادة فتح الملفات، كلها أدوات لإعادة تشكيل الظروف حتى تنضج التسوية. ولذلك، فإن نجاح لبنان لن يُقاس بسرعة الوصول إلى اتفاق، بل بقدرته على استخدام الزمن في تحسين موقعه التفاوضي، لا في استنزافه.
فإذا ترافق الصبر الدبلوماسي مع بناء التحالفات، وتعزيز الشرعية الدولية، والحفاظ على عناصر القوة التي ترفع كلفة الاحتلال، والاستفادة من التحالفات المعادية لـ"إسرائيل"، فإن الزمن قد يتحول إلى عنصر ضغط على المحتل، لا على الدولة المحتلة أراضيها.
حماية السيادة تبدأ قبل الاتفاق
إن الدرس الأكبر الذي يقدمه كتاب Kissinger the Negotiator ليس أن المفاوض البارع هو من يتحدث أفضل من غيره، بل أن المفاوض الحقيقي هو من يعيد تشكيل شروط التفاوض قبل أن يبدأ التفاوض نفسه.
وفي الحالة اللبنانية، يعني ذلك أن حماية السيادة لا تتحقق عند توقيع الاتفاق فقط، بل تبدأ قبل ذلك ببناء البيئة السياسية والقانونية والميدانية التي تجعل الانسحاب الكامل، وعودة الأهالي، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، أهدافاً قابلة للتحقيق، لا مجرد مطالب أخلاقية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المقاومة نقيضاً للدبلوماسية، بل أحد عناصر البيئة الاستراتيجية التي تمنح الدبلوماسية وزنها، وترفع كلفة الاحتلال، وتجعل التفاوض طريقاً إلى إنهائه، لا وسيلة لإدارته أو تثبيته. للأسف، فإن المفاوض اللبناني الحالي، الأميركي الهوى، لم يقرأ تجربة المفاوض الأميركي ذائع الصيت، بل يتصرف كمن لا يعرف ألف باء التفاوض.