حين تصبح الطاعة مشاركة في التفريط: العصيان المدني في مواجهة سياسات الاستسلام وتكميم المعارضة

العصيان المدني وسيلة دستورية وسلمية للدفاع عن السيادة والحريات عندما تنحرف السلطة عن واجباتها.

  • حين تصبح الطاعة مشاركة في التفريط: العصيان المدني في مواجهة سياسات الاستسلام وتكميم المعارضة
    حين تصبح الطاعة مشاركة في التفريط: العصيان المدني في مواجهة سياسات الاستسلام وتكميم المعارضة

ليس أخطر على الدولة من أن تتحول السلطة التي يفترض أن تحمي السيادة إلى أداة لتقييد حق المواطنين في الدفاع عنها، ولا أخطر على الدستور من أن يُستخدم القانون لإسكات المعترضين على سياسات تمسّ الأرض والكرامة الوطنية، فيما يُترك الاحتلال حرّاً في عدوانه واغتيالاته وتدميره للمنازل وفرض شروطه السياسية والأمنية على لبنان. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً بحق المعارضة في انتقاد الحكومة أو الاعتراض على قرار سياسي عابر، بل يصبح متعلقاً بحدود الطاعة نفسها: هل يظل المواطن ملزماً بالامتثال لسلطة تتجاوز التفويض الذي منحها إياه الدستور، أو تتصرف تحت ضغط خارجي، أو تحاول تمرير خيارات مصيرية من دون مشاركة وطنية حقيقية؟ ومتى يتحول الامتناع عن الطاعة من مخالفة قانونية إلى واجب أخلاقي وسياسي ودستوري؟

في هذا السياق، يبرز العصيان المدني لا بوصفه دعوة إلى الفوضى أو الانقلاب، بل باعتباره وسيلة سلمية ومنظمة للدفاع عن الدستور عندما تنحرف السلطة عن غاياته، ولحماية السيادة عندما تُختزل في امتثال لمطالب الخارج، ولصون الحريات عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أجهزة لملاحقة الصحافيين وأصحاب الرأي، بدل ملاحقة المعتدين والمتعاملين مع الاحتلال.

العصيان المدني، في معناه السياسي والدستوري، ليس خروجاً على الدولة، بل اعتراضاً على استيلاء السلطة التنفيذية على مفهوم الدولة واستخدامه لتبرير سياساتها. فالدولة ليست الحكومة، والدستور ليس بياناً وزارياً، والشرعية لا تُختصر بقرار يصدر عن مجلس الوزراء أو بتوجيه أمني أو بتسوية تُصاغ خلف أبواب مغلقة. الدولة هي جماعة سياسية تستند إلى السيادة الشعبية، والسلطة لا تكون شرعية إلا بقدر التزامها بالدستور، وحماية حقوق المواطنين، والدفاع عن استقلال البلاد ووحدة أراضيها.

عرّف جون رولز العصيان المدني بأنه فعل علني وسلمي وضميري وسياسي، يخالف قاعدة قانونية معينة بهدف تغيير قانون أو سياسة يُنظر إليهما بوصفهما جائرين. لكن أهمية هذا التعريف لا تكمن في مجرد تعداد شروط شكلية، بل في الفكرة التي يقوم عليها: قد تكون مخالفة القانون الجزئي وسيلة لحماية النظام الدستوري من انحراف السلطة التي تطبق القانون. فالقانون لا يكتسب شرعيته من صدوره عن السلطة وحدها، وإنما من اتساقه مع العدالة والحقوق الأساسية والمبادئ العليا التي يقوم عليها النظام السياسي.

أما يورغن هابرماس، فينظر إلى العصيان المدني بوصفه امتحاناً لنضج الدولة الديمقراطية؛ إذ تكشف طريقة تعامل السلطة مع المعترضين مقدار إيمانها الفعلي بالديمقراطية. فالسلطة التي ترد على الاحتجاج السلمي بالملاحقات والتهديدات والاستدعاءات الأمنية لا تدافع عن القانون، بل تكشف خشيتها من المجال العام ومن قدرة المواطنين على مساءلتها. والديمقراطية التي لا تحتمل اعتراضاً يتجاوز الرسائل والمقالات والبيانات تتحول إلى طقس انتخابي فارغ، تُستدعى فيه الإرادة الشعبية مرة كل عدة سنوات، ثم يُطلب منها الصمت حتى موعد الاقتراع التالي.

في لبنان، لا يوجد نص دستوري صريح يسمّي العصيان المدني حقاً قائماً بذاته، لكن غياب التسمية لا يعني غياب الأساس الدستوري. فالدستور لا يُقرأ من خلال مواده المنفردة فقط، بل من خلال المبادئ التي يقوم عليها النظام كله. تنص الفقرة «ب» من مقدمة الدستور على أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، كما تكرّس المادة الثالثة عشرة حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة، وحرية الطباعة والاجتماع وتأليف الجمعيات. وتنص مقدمة الدستور كذلك على أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، وأن أرض لبنان واحدة لكل اللبنانيين.

هذه المبادئ لا تمنح السلطة تفويضاً مفتوحاً لتقرير مصير البلاد بعيداً عن الإرادة الشعبية، ولا تسمح لها بأن تجعل من عبارة «قرار الحرب والسلم» ستاراً لتبرير التخلي عن واجب الدفاع عن الأرض، أو القبول ببقاء الاحتلال، أو إخضاع اللبنانيين لشروط عدو يواصل الاعتداء عليهم. إن صلاحيات الدولة في إدارة العلاقات الخارجية والدفاع لا تعني حقها في التنازل عن السيادة، كما أن احتكارها المفترض للقرار لا يمنحها حق تعطيل المجتمع أو تجريده من وسائل قوته قبل زوال الاحتلال وتوقف العدوان وتوافر القدرة الفعلية على الحماية.

فالسلطة لا تستطيع أن تطالب الناس بطاعة سياساتها باسم السيادة، فيما تتسامح مع انتهاك السيادة يومياً. ولا يمكنها أن تجرّم الاعتراض على التفاوض أو على نزع عناصر القوة، بينما تعجز عن منع الطائرات الإسرائيلية من اختراق الأجواء اللبنانية، أو عن إعادة الأسرى، أو حماية القرى الحدودية، أو وقف الإبادة العمرانية التي يتعرض لها الجنوب. حينها يصبح خطاب «حصرية الدولة» منفصلاً عن الوظيفة الجوهرية للدولة؛ أي حماية الشعب والأرض. بل قد يتحول إلى مطالبة المواطنين بالتجرد من عناصر الدفاع في الوقت الذي لا تقدم فيه السلطة بديلاً قادراً على ردع المعتدي.

من هنا، فإن العصيان المدني في الحالة اللبنانية لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره اعتراضاً فئوياً دفاعاً عن حزب أو جماعة أو منطقة، بل بوصفه دفاعاً عن قواعد دستورية وطنية عامة: لا تفاوض مصيرياً من وراء ظهر الشعب، ولا التزام سياسياً أو أمنياً تحت الإكراه، ولا تنازل عن عناصر القوة قبل إنهاء الاحتلال، ولا استخدام للقضاء والأجهزة الأمنية لتصفية الحساب مع المعارضين، ولا تحويل لحرية التعبير إلى امتياز تمنحه السلطة للموالين وتحجبه عن خصومها.

إن الملاحقات التي تطال صحافيين وإعلاميين وناشطين بسبب انتقادهم أداء السلطة، أو موقفها من العدوان الإسرائيلي، أو سياساتها الأمنية والتفاوضية، تكشف تناقضاً فاضحاً في مفهوم الأمن. فبدل أن يكون الأمن حمايةً للمجتمع من العدوان، يصبح حمايةً للسلطة من النقد. وبدل أن يتجه القانون إلى ردع الاعتداء والتجسس والتعاون مع العدو، يُستدعى لتجريم الكلمات والتعليقات والمقالات. وهنا لا تكون القضية مجرد إساءة في استخدام بعض النصوص القانونية، بل انقلاباً في الأولويات: الاحتلال يمارس العنف المادي، بينما يُلاحق المواطن بسبب عنف لغوي مزعوم؛ العدو يهدم المنازل، بينما يُستدعى الصحافي لأنه هدم رواية السلطة؛ "إسرائيل" تفرض الوقائع، فيما تطالب الحكومة اللبنانيين بضبط كلماتهم.

لا يمكن الاحتجاج بعبارات مثل «هيبة الدولة» لتبرير هذا القمع. هيبة الدولة لا تُبنى باستدعاء صحافي أو محاكمة معارض أو تهديد وسيلة إعلامية، بل بقدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها وكرامتهم. الدولة التي لا تستطيع وقف اعتداءات العدو، ثم تستعرض سلطتها على مواطنيها، لا تصنع هيبة، بل تعوض ضعفها الخارجي بتشدد داخلي. وكلما عجزت عن مواجهة المعتدي، بالغت في إخضاع المعترضين، وكأن المشكلة ليست في الاحتلال، بل في الذين يذكّرون السلطة بوجوده.

مع ذلك، لا يكون كل احتجاج عصياناً مدنياً، ولا تكتسب كل مخالفة للقانون شرعية بمجرد رفع شعار سياسي. فالعصيان المدني الذي يمكن الدفاع عنه دستورياً وأخلاقياً يجب أن يكون علنياً وسلمياً ومنظماً ومحدد الأهداف، وأن يتوجه إلى سياسة أو إجراء بعينه. وقد يتخذ شكل الاعتصامات المفتوحة، أو الإضرابات المهنية، أو الامتناع المنظم عن التعاون مع إجراءات جائرة، أو المقاطعة المدنية، أو رفض تنفيذ قرارات تمسّ الحريات العامة، أو التضامن الجماعي مع من يتعرضون للملاحقة بسبب آرائهم.

ولا تعني سلمية العصيان أن يكون رمزياً أو ضعيفاً أو عديم التأثير. فاللاعنف لا يساوي الخضوع، بل قد يكون أكثر أشكال المقاومة السياسية تنظيماً وإرباكاً للسلطة. الإضراب الذي يشل مؤسسة، والاعتصام الذي يمنع تمرير قرار، والمقاطعة التي تسقط الغطاء الاجتماعي عن سياسة، والامتناع الجماعي عن التعاون مع إجراء غير مشروع، كلها أدوات ضغط حقيقية، شرط ألا تتحول إلى اعتداء على المواطنين أو إلى فتنة أهلية.

أما القول بضرورة استنفاد جميع الوسائل القانونية قبل اللجوء إلى العصيان المدني، فلا ينبغي تحويله إلى شرط تعجيزي. ففي الأنظمة التي تعمل فيها المؤسسات باستقلال وفعالية، يكون من الطبيعي إعطاء الأولوية للمراجعات القضائية والبرلمانية. لكن ماذا يعني «استنفاد الوسائل» في نظام تُعطّل فيه المؤسسات، وتتقاسم القوى النافذة القضاء والإدارة، وتُتخذ فيه القرارات المصيرية خارج الرقابة الفعلية، وقد تتحول فيه الأكثرية النيابية إلى مجرد غطاء لقرارات صيغت بفعل الضغوط الخارجية؟ لا يمكن مطالبة المواطن بالانتظار إلى ما لا نهاية، بينما تُفرض على البلاد وقائع لا يمكن الرجوع عنها.

الاستعجال هنا عنصر جوهري. فالسياسة التي تؤدي إلى التخلي عن عناصر القوة أو تثبيت ترتيبات أمنية تمليها "إسرائيل" ليست كقرار إداري يمكن إلغاؤه لاحقاً. والتنازل الذي يُقدَّم مرة قد يتحول إلى سابقة ملزمة، والقبول بمنطقة محتلة أو عازلة قد يتحول إلى واقع دائم، والتسليم بشرط خارجي قد يفتح الباب أمام سلسلة لا تنتهي من الشروط. لذلك، قد يصبح التحرك المبكر واجباً لمنع الضرر، لا خروجاً متسرعاً على الوسائل القانونية.

كذلك لا ينبغي التسليم بأن قبول العقوبة شرط مطلق لشرعية العصيان المدني. فقبول المسؤولية قد يعبّر عن جدية الفاعلين، لكنه لا يعني منح القضاء أو السلطة حقاً أخلاقياً في قمعهم. فإذا كانت الملاحقة ذاتها جزءاً من الظلم المحتج عليه، فإن الدفاع عن النفس قانونياً، والطعن في الإجراءات، ورفض الاعتراف بشرعية المحاكمة السياسية، كلها مواقف مشروعة. ليس مطلوباً من المعارض أن يذهب طوعاً إلى السجن كي يثبت احترامه للدستور، فيما تنتهك السلطة الدستور الذي تطالبه باحترامه.

وهنا يلتقي العصيان المدني مع التقاضي الاستراتيجي. فكل ملاحقة لصاحب رأي يجب ألا تُعامل باعتبارها قضية فردية معزولة، بل مناسبة لكشف البنية القانونية التي تسمح بتكميم المجال العام. ويمكن تحويل المحاكمات إلى ساحات دفاع عن حرية التعبير، والطعن في النصوص الفضفاضة المتعلقة بالذم والقدح وإهانة المقامات، وفضح الانتقائية في تطبيق القوانين. فحرية الرأي لا تعني الحق في قول ما ترضى عنه السلطة، بل الحق في قول ما يزعجها ويشكك في سياساتها ويطالب بمحاسبتها.

غير أن الأخطر من الملاحقات الفردية هو انتقال القمع من الاستثناء إلى المنهج. فإذا أصبحت الأجهزة الأمنية أداة دائمة لضبط الخطاب السياسي، وإذا تحولت المحاكم إلى وسيلة لترهيب الإعلام، وإذا جرى تعطيل الحق في الاجتماع والاعتراض، وإذا أُقصي جزء من المجتمع من المشاركة في القرارات المصيرية، فلن نكون أمام سياسة خاطئة فحسب، بل أمام بداية اضطهاد سياسي منظم. وعندئذ يتغير موقع العصيان المدني: من وسيلة للاعتراض على قرار إلى وسيلة للدفاع عن أصل الحياة الدستورية.

التمييز بين العصيان المدني ومقاومة الاضطهاد مهم، لكنه ليس جداراً جامداً. فالعصيان المدني يفترض أن النظام لا يزال قابلاً للإصلاح من داخله، وأن الاعتراض يستهدف إعادة السلطة إلى حدود الدستور. أما مقاومة الاضطهاد فتبدأ عندما تغلق السلطة هذه الحدود، وتفرغ المؤسسات من مضمونها، وتجعل الطاعة شرطاً للمواطنة. ولا يُقاس الاضطهاد بعدد المعتقلين فقط، بل بمدى قدرة المواطنين على الاعتراض الفعلي من دون أن يخسروا أمنهم أو عملهم أو حريتهم أو حقهم في الظهور العام.

في لبنان، يجب أن يبقى الهدف الأول هو منع السلطة من الوصول إلى تلك المرحلة. وهذا يتطلب بناء حركة اعتراض واسعة تتجاوز الاصطفافات الطائفية، من دون أن تتظاهر بحياد زائف بين الاحتلال ومقاومته، أو بين المعتدي ومن يدافع عن الأرض. فالطابع الوطني العابر للطوائف لا يعني إلغاء الحقائق السياسية، بل يعني تأسيس الاعتراض على مصالح مشتركة: حماية السيادة، رفض الإملاءات الخارجية، الدفاع عن الحريات، منع توظيف "الجيش" في صراعات داخلية، وعدم تحويل الدولة إلى أداة لنزع قوة المجتمع في ظل استمرار التهديد الإسرائيلي.

ليست المشكلة في أن الدولة تريد ممارسة صلاحياتها، بل في أن تمارس السلطة بعض الصلاحيات وتتخلى عن بعض الواجبات. فهي تتذكر احتكارها للقرار عندما يتعلق الأمر بتقييد المقاومة، لكنها تنسى مسؤوليتها عندما يتعلق الأمر بردع "إسرائيل". تتشدد في الداخل وتتساهل أمام الخارج؛ تطالب المواطن بالانضباط ولا تطالب العدو بالانسحاب؛ تستقوي بالقانون على الصحافي ولا تملك قوة القانون في مواجهة الاحتلال.

لهذا لا يكون العصيان المدني ضد الدولة، بل ضد اختزال الدولة في جهاز يطلب الطاعة من دون أن يؤدي واجباته. إنه دفاع عن الدولة بوصفها سيادة لا إدارة، وحقوقاً لا أوامر، ومشاركة شعبية لا تفويضاً أبدياً للحكام. وهو تذكير بأن الشرعية الدستورية ليست مجرد إجراءات، بل رابطة متبادلة: يحترم المواطن القانون لأن السلطة تحترم الدستور، ويطيع المؤسسات لأنها تحمي حقوقه وأرضه، أما حين تطلب السلطة الطاعة في مقابل التفريط، فإنها تهدم بنفسها الأساس الأخلاقي لهذه الطاعة.

العصيان المدني، إذاً، ليس خياراً رومانسياً ولا تمريناً نظرياً. قد يصبح ضرورة سياسية حين تتحول الوسائل الدستورية التقليدية إلى أبواب مغلقة، وحين تُدار القرارات السيادية تحت الضغط، وحين يصبح الصمت شرطاً للسلامة الشخصية. لكنه لا ينجح بالشعارات ولا بردود الفعل المتفرقة. يحتاج إلى تنظيم، وقيادة مسؤولة، وبرنامج واضح، وانضباط سلمي، وشبكة قانونية وإعلامية تحمي المشاركين فيه، وقدرة على تحويل القضايا الجزئية إلى قضية وطنية جامعة.

إن أخطر ما قد تفعله المعارضة هو الاكتفاء بالتنديد، وانتظار أن تتراجع السلطة من تلقاء نفسها، أو الرهان على مؤسسات أثبتت عجزها عن وقف المسار. وأخطر ما قد تفعله السلطة هو الاعتقاد أن إخضاع المعترضين يعني استقرار البلاد. فالصمت المفروض لا يصنع استقراراً، بل يراكم الغضب تحت سطح هش، والطاعة المنتزعة بالخوف لا تمنح شرعية، بل تؤجل الانفجار.

عندما تكون الأرض محتلة، والسيادة منتهكة، والمنازل مدمرة، والأسرى في قبضة العدو، لا يحق للسلطة أن تطالب الناس بالسكوت باسم الواقعية. وعندما تتحول الواقعية إلى قبول دائم بموازين القوة، والتفاوض إلى غطاء لفرض شروط المعتدي، والقانون إلى وسيلة لتكميم من يرفضون ذلك، يصبح العصيان المدني فعلاً دفاعياً عن الدستور والوطن معاً.

فالطاعة ليست قيمة مطلقة. وقد تأتي لحظة يصبح فيها الامتثال مشاركة في الخطأ، والصمت تواطؤاً مع التفريط، والاعتراض واجباً. عند تلك اللحظة لا يكون العصيان خروجاً على الشرعية، بل محاولة أخيرة لإنقاذها من سلطة تستخدم اسم الدولة كي تنقض المعنى الذي قامت الدولة من أجله.