حزب الله من معركة التحرير إلى معركة التأصيل

اليوم، يخوض حزب الله معركة أخرى، ومواجهة ثانية قوامها الدفاع عن "مفهوم المقاومة" والاستمرار والثبات لتأصيل هذا المفهوم، وهذا ما يجسده الحزب اليوم.

  • حزب الله ومعركة تأصيل المقاومة (أرشيف).
    حزب الله ومعركة تأصيل المقاومة (أرشيف).

يُعد حزب الله اللبناني من أكثر الأحزاب والحركات والقوى العربية والإسلامية فرادةً وتميزاً في نموذجه الإسلامي، ومشروعه الوطني، ففي نموذجه الإسلامي قدّم الحزب نموذجاً مختلفاً جداً عن معظم القوى والحركات والتنظيمات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي خلال القرن العشرين.

مثّل عام 1982 البداية الأولى للحزب بعد قيام مجموعة من رجال الدين بتكوين حركة "مقاومة إسلامية حزب الله" من حالة ووضع أقل ما يُقال عنه بأنه "حالة عدم وجود"  وخلال 18 عاماً استطاع هذا الحزب تحرير جنوب لنبان من خلال نموذج جهادي قائم على مواجهة الاحتلال، كما استطاع الحزب وتحت قيادة الشهيد حسن نصر الله التاريخيّة، التحول إلى أكبر حزب سياسيّ في لبنان وكلّ العالم العربي.

وكذلك استطاع بناء قوة عسكرية لا يضاهيها أي جيش عربي في المنطقة، ليتوج كل ذلك بصناعة نصر تاريخي خلال عدوان تموز 2006 ضدّ أكبر "جيش" في المنطقة، وكل هذا كان انعكاساً طبيعياً لطبيعة المشروع المقاوم الواعي الذي يتحرك في إطاره الحزب المقاوم.

لقد كان الأجدر بالعالم العربي والإسلامي، دولاً وأحزاباً وشعوباً وحركات، دراسة هذا النموذج والاستفادة منه وأخذ تجربته في نماء الإنسان وفي النهوض والتغيير، والعمل على استنساخ ذلك النموذج في دول المنطقة علها تستطيع حماية نفسها وشعوبها من حالة التيه والتبعية والارتهان والاستلاب الكامل للغربي.

لكن، مع الأسف الشديد، أن ما حدث هو العكس تماماً، وخاصة بعد النصر التاريخي في تموز 2006، فقد شُنت حملات تضليل ممنهجة، وعمليات غسيل دماغ شاملة لتشوية صورة الحزب، ليس من قبل كيان العدو الصهيوني والأميركي بل من قبل إخوة الأرض والدين والجغرافيا، وانخرط فيها مثقفون، وعلماء دين ونخب، وجامعات، ومراكز دراسات، وفضائيات ومواقع، هدفها الجامع شيطنة الحزب وتشويهه بصورة مستمرة منذ 2006 وإلى اليوم.

قد يكون مفهوماً أن يتم تضليل بعض العرب بصورة زائفة عن حزب الله بعناوين مذهبية أو قومية، أو عناوين زائفة ومخادعة، لكن المستغرب أن يطال التضليل أبناء لبنان، وهم من يعلمون حقاً أن حزب الله هو الذي "دافع دائماً عن لبنان وشرف وكرامة أهله من جميع المكونات التي لا يمكن لأي فرد منها أن يتهم الحزب وكوادره بأي عمل عدائي استهدفه هو شخصياً أو فئته أو طائفته، وحتى إن كان البعض من أفراد هذه الطائفة أو تلك عملاء لكيان العدو الصهيوني، وأسياده في الغرب الإمبريالي في باريس ولندن وواشنطن".

لماذا يُعادى حزب الله؟

يمكننا القول وبكل إنصاف إن حزب الله يمتلك أنظف تاريخ لأي حركة إسلامية في المنطقة، كما يمتلك أعظم رصيد تاريخي لكل حركات المقاومة في المنطقة خلال أكثر من قرن، فمن يقرأ تاريخ حزب الله يجده تاريخاً مليء بالشواهد المثالية لما ضحى به الحزب ولما قدمه  من أجل لبنان وسيادته واستقلاله، بل من أجل شرف وكرامة العرب والمسلمين، وهذا تحديداً (الشرف والكرامة) هو ما يفتقر إليهما كثيرون وخاصة الحكام.

على مدى تاريخ حزب الله الجهادي ضد العدو الأول لهذه الأمة ودولها وشعوبها، على مدى ذلك التاريخ لم يُشكل حزب الله خطراً على أي لبناني مهما كان مخالفاً له أو رافضاً لمشروعه، كما لم يُشكل خطراً على أي نظام عربي في المنطقة، وعلى الرغم من تآمر هذه الأنظمة على وطنه لبنان، وعلى سلاح الحزب، وقيادته، بل وحتى على حليفه الإقليمي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعلى سوريا في عهد الأسدين، وهنا يمكننا أن نسأل لماذا يُعادى حزب الله؟

ما هي الأعمال والسيئات التي اقترفها ضد لبنان وضد العرب حتى يُعادى بكل هذا العداء؟ وبعد التفتيش والبحث المنصف لم نجد أي ذنب من الحزب يمكن أن يُدان به ضد لبنان أو العرب إطلاقاً، وأن الجريمة الكبرى والذنب الذي لا يُغتفر الذي ارتكبه حزب الله هو أنه حزب مقاومة ضد كيان العدو، وأنه الداعم الأول لكل حركات المقاومة الفلسطينية، والكارثة الكبرى التي عملها الحزب أيضاً هو أنه هزم كيان العدو ليس لمرة واحدة بل لأكثر من مرة. وهذا ما عجزت عنه معظم الدول والجيوش والأنظمة العربية على مدى سنوات الصراع. 

أعداء الحزب من الخلاف السياسي إلى الخيانة والتآمر 

منذ أن وقع اللبنانيون على "اتفاق الطائف" والذي بموجبه انتهت الحرب الأهلية في لبنان 1989، منذ ذلك التاريخ كان سلاح الحزب بمثابة المُحرّم أو المُقدس، لا يُمس ولا يُشكك به، "رُسم حوله خط أحمر تحميه معادلة "جيش، شعب، مقاومة" التي كانت بنداً لازماً في كل البيانات الوزارية للحكومات التي تشكلت بعد الطائف أثناء حقبة النظام الأمني السوري-اللبناني، وحتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان."

لكن، وكما أسلفنا، من بعد انتصار تموز 2006م، وإلى اليوم صار مشروع بعض القوى السياسية اللبنانية -مسنودة بدعم أميركي وغربي وعربي-محصوراً في مواجهة المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله ومن معه، وصارت تُجاهر ولا تخجل بأن هدفها الوطني الذي تعمل على تحقيقه هو نزع سلاح المقاومة، تلك المقاومة التي حررت لبنان ولولاها لما كان للبنان الحالي وجود، تلك المقاومة التي هي أول مقاومة عربية هزمت كيان العدو الإسرائيلي وأجبرته على الانسحاب والهروب من أرض عربية من دون قيد أو شرط. 

اليوم، ومع الأسف الشديد، نجد أن "تلك المقاومة تقف وحيدة مثل يوسف النبي وسط إخوة عرب، شيطنوها ومذهبوها وحاصروها ووضعوها على قوائم الإرهاب"!!!!. باستثناء محور المقاومة وبعض الشرفاء.

اليوم، ومع الأسف الشديد، نجد أن مطلب تجريد حزب الله من سلاحه وإنهاء وجوده العسكري، بل وحتى انسحابه من معقله في الجنوب، لم يعد مطلباً لكيان العدو الصهيوني ولا مطلباً أميركياً ولا غربياً، بل أصبح مطلباً لمعظم الأنظمة العربية، ولبعض القوى والشرائح اللبنانية، التي تدثرت بحرب الإسناد التي قام بها حزب الله مع غزة واعتبرته خطأ كبيراً جرت البلاد إلى معركة غير مدروسة وكلفت أثمانا باهظة بشرية ومادية، متناسية ومتجاهلة التهديد التاريخي للبنان من قبل الكيان، وأن كيان العدو كما صرح قادته يعمل على إقامة ما تسمى " إسرائيل الكبرى" التي سيكون نفوذها الأول جغرافية لبنان لولا المقاومة.

السلطة اللبنانية حصان طروادة

قبل أكثر من خمسة أشهر وخلال إحدى المقابلات التي استضافتني فيها قناة الميادين لتحليل أحد مقاطع الفيديو التي نشرتها المقاومة اللبنانية ضد كيان العدو الصهيوني، قلت بأن حزب الله مُحصناً الى حد كبير في مواجهة كيان العدو، لكن في الوقت ذاته سيكون في مرمى الاستهداف والتآمر، وستشن عليه حرب غير الحرب العسكرية، من قبل بعض القوى اللبنانية المدعومة بأجندة خارجية (صهيونية- أميركية – خليجية) وقد ظهرت باكورة الأجندة المشبوهة بإقرار الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام في جلستها التي  ترأسها رئيس الجمهورية جوزيف عون ما سمي بـ "قرار حصر السلاح" بيد الدولة، وعلى الفور أصدرت أوامرها إلى الجيش اللبناني بإعداد خطة لسحب "السلاح غير الشرعي وبسط سيادة الدولة على أراضيها" بحسب زعمها، وهذا النوع من القرارات هو الأول من نوعه  منذ اتفاق الطائف، وهنا لا يحتاج أي متابع إلى الكثير من العناء ليعرف لصالح لمن تتخذ السلطة اللبنانية هذا القرار؟

علماً أن القرار تم رفضه من كل القوى الوطنية، وخاصة من قبل حزب الله، الذي "وصفه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم بأنه خطيئة وانصياع للإملاءات الأميركية التي "تصب في مصلحة كيان العدو الإسرائيلي". كما رفض بشكل قاطع أي مساس بسلاح المقاومة، معتبراً أن الدور الحقيقي للدولة يجب أن ينصب على مواجهة العدوان الإسرائيلي، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الإعمار، وتحرير الأسرى، لا على نزع سلاح من يدافع عن الوطن". 

علماً أن السلطة لم تقف هنا بل اتبعت قرار السلاح بالعديد من القرارات المشبوهة لا مجال لذكرها ليكون آخر إنجازاتها "الوطنية" بحسب وصفها، الحوار المباشر مع كيان العدو في واشنطن وما تمخض عن ذلك من التوقيع على "الإطار التفاوضي" الموجود فيه كل شيء الا التفاوض باعتباره ورقة إملاءات طٌلب بل أمر الجانب اللبناني بالتوقيع عليها وإمضائها.  

حزب الله ومعركة تأصيل المقاومة

اليوم، يتجاوز دور حزب الله مقاومة الاحتلال، وهو الدور الذي استطاع القيام به على أكمل وجه، وقدم خلاله أفضل نموذج تحرير في التاريخ العربي الحديث.

اليوم، يخوض حزب الله معركة أخرى، ومواجهة ثانية قوامها الدفاع عن "مفهوم المقاومة" والاستمرار والثبات لتأصيل هذا المفهوم، وهذا ما يجسده حزب الله اليوم، من خلال المرابطة على هذا الثغر الإنساني والإسلامي العظيم، باعتباره مُستهدفاً من قبل الجميع، وباعتباره الهدف العام لكل قوى الاستكبار وأدواتهم في المنطقة ليس القضاء على  حركات المقاومة وإنهاء وجودها فقط، بل المطلوب اليوم هو إنهاء وطمس مفهوم المقاومة، و ثقافة المقاومة، وفكر المقاومة، وإنسان المقاومة، وشعب المقاومة، بحيث يُصبح مفهوم المقاومة مرتبطاً بالقتل والتدمير والخراب بدلاً من الحرية والاستقلال. 

اليوم، يقف محور الجهاد والمقاومة بقيادة حزب الله مرابطين على ثغر الصراع الإسلامي مع كيان العدو الإسرائيلي ومن في صفه، باعتباره كما يقول المفكر المغربي طه عبدالرحمن في كتاب "ثغور المرابطة " مدافعاً عن "تزييف الفطرة التي دنسها وسلبها المحتل الإسرائيلي، وأنه بجهاده ومقاومته يعمل على إعادتها إلى أصلها الإيماني التوحيدي، من خلال استحضار “الحالة الإشهادية الأصيلة” التي أشهد فيها الحق سبحانه وتعالى ذريات بني آدم على ربوبيته ووحدانيته التي هي أصل الفطرة؛ وهو ما يُسميه “الخاصية الإشهادية ودفع تزييف الفطرة”.