حرب السرديّات التي تتقاطع عند مفترق العقل وعلم النفس

حرب السرديّات والخداع الإدراكيّ في الصراع الأميركي–الإسرائيلي مع إيران، بوصفهما أدوات للتأثير في الوعي وتوجيه السلوك وإعادة تشكيل موازين القوى.

  • حرب السرديّات التي تتقاطع عند مفترق العقل وعلم النفس
    حرب السرديّات التي تتقاطع عند مفترق العقل وعلم النفس

لا يمكن قراءة الضربة الأميركية الإسرائيلية المباغتة لإيران (28 شباط 2026) كحدث عسكريّ عابر في سياق مواجهة ممتدّة وطويلة، بل شكّلت لحظة مفصلية أعادت رسم إيقاع المواجهة وحدودها في الإقليم والعالم.

صحيح أنّ الضربة الأولى، وفق الرؤية الأميركية الإسرائيلية، حقّقت أهدافاً واغتيالات، لكنها لم تُسقط النظام في إيران، كما أُعلن في أهداف هذه الضربة، ولم تُحدث تحوّلاً استراتيجياً حاسماً في بنية القوة الإيرانية، كما لم تفرض معادلة ردع نهائية تغيّر الواقع كما أرادتها "إسرائيل" والإدارة الأميركية.

وبخطوة خطوة دخلت الحرب في مرحلة أشدّ تعقيداً، إذ إنها سارت من الضربة الخاطفة إلى حرب الاستنزاف المتدرّج. فقد استطاعت إيران امتصاص الصدمة الأولى، وإعادة تنظيم صفوفها بسرعة، وتحويل المعركة إلى صراع طويل النفَس. وهي مؤشّرات تدلّل على جاهزية إيرانية استراتيجية سابقة، وليست ارتجالاً ظرفياً طارئاً. وهذا الأداء العالي المستوى حرم "إسرائيل" وأميركا من استثمار عنصر المفاجأة أو البناء عليه، وأسقط رهان الانهيار السريع، ونقل المعركة من مسار الضربة القاضية إلى مسار النَّفَس الطويل.

تماسك إيرانيّ

أظهرت إيران تماسكاً لافتاً في الأيام الأولى من الحرب، فلم يحدث الانهيار المتوقّع، ولم تتفكّك مؤسّسات الدولة في طهران، بل بدا أنّ طهران استعدّت لسيناريو المواجهة منذ زمن، وأدارت إيقاع التصعيد بقدر عالٍ من الانضباط، ما منحها صورة القويّ القادر على تجاوز المحنة بسرعة، ورسّخ صورة الدولة القادرة على الصمود والتحدّي والمواجهة.

ففي قراءة للمسار الاستراتيجي للحرب الدائرة بين واشنطن و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمكن التأكيد بأنّ العدوان لم يسِرْ وفق ما خطّطت له واشنطن و"تل أبيب"، وظهرت حالة من الارتباك والتخبّط في أداء إدارة الرئيس دونالد ترامب، وكأنّ الضربة الأولى لم تتبعها رؤية واضحة تشير إلى وجود استراتيجية معيّنة للخطوة التالية.

في العلوم السياسية، ثمّة قاعدة تقول إنّ الحروب الكبرى لا يكفي فيها التفوّق العسكري أو الناري الميداني إذا غابت الخطّة السياسية لما بعد الضربة، وهذا ما حدث في الضربة المفاجئة لإيران، إذ راهنت "إسرائيل" والإدارة الأميركية على خطوات لاحقة تُحدث إرباكاً داخلياً في إيران وفوضى تقود إلى تغيير أو إسقاط النظام بسرعة، ولكنّ المواجهة كشفت كيف توحّد الشعب الإيراني خلف قيادته، حتى إنّ رموزاً من المعارضة الإيرانية عادت إلى بلادها لتخوض المواجهة ضد العدوان، ما دفع الرئيس الأميركي للقول بعد جنازة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية الشهيد علي خامنئي: "اعتقدت أنهم يكرهونه".

حرب السرديّات

أظهرت الحرب بين الجهتين أنها لم تعد تُدار فقط عبر الأدوات العسكرية أو الاقتصادية، بل باتت "السرديّات" تمثّل ساحة مركزية في التنافس بين الدول. وقد مُنيت واشنطن، ومعها حليفتها "إسرائيل"، بهزيمة مبكرة في معركة السردية الإعلامية العالمية، فقد تبدّلت أهداف الحرب بسرعة، من تغيير النظام إلى وقف البرنامج النووي، وتحجيم برنامج الصواريخ الباليستية، والقضاء على الأذرع الإقليمية لإيران في المنطقة، إلى مضيق هرمز. هذا التذبذب أربك الرأي العامّ الأميركي والعالمي وأفقد الخطاب الرسمي تماسكه ومصداقيّته، ولا سيما أنّ الإعلام والرأي العامّ باتا جزءاً لا يتجزّأ من الحروب الحديثة، إذ لا يمكن في أيّ حرب وقعت كسب مواجهة طويلة من دون رواية واضحة ومقنعة، حتى لو كانت منحازة أو انتقائية.

وتشير حرب السرديات إلى الصراع على تشكيل الإدراك العام ـ محلياً ودولياً ـ حول شرعية الفعل السياسي، وتفسير الأحداث، وتحديد من هو "الفاعل المشروع" ومن هو "التهديد".

تعتمد حرب السرديّات على مفاهيم من نظريات القوّة الناعمة والقوّة الذكية، حيث تُستخدَم اللغة والرموز والإعلام والدبلوماسية العامة لتشكيل الإدراك الجماعي. كما تتقاطع مع "البنائية" في العلاقات الدولية، التي ترى أن الواقع السياسي لا يُفهم فقط من خلال القوة المادية، بل عبر المعاني التي تُبنى اجتماعياً. والسردية ليست مجرّد رواية، بل هي بنية تفسيرية متكاملة تُحدّد من هو العدوّ ومن هو الحليف، وما هو التهديد وما هو الدفاع، وما هو المشروع وما هو غير المشروع.

تزامن هذا التخبّط مع تنامي قناعة داخل قطاعات واسعة في الولايات المتحدة بأنّ الحرب تخدم بالدرجة الأولى أولويات "إسرائيل"، ولا تخدم الدولة الأميركية بشكل مباشر، وقد عزّز هذا الانطباع تصاعد الانتقادات في الإعلام الأميركي بشكل لافت، والذي تحدّث صراحة وبوضوح عن فجوة بين البيت الأبيض وقاعدته الجماهيرية في أميركا، وحين يفقد القرار العسكري غطاءه السياسي الداخلي والالتفاف الشعبي حوله، يتحوّل إلى عبء مهما بلغت قوّته النارية العسكرية.

السرديّتان الأميركية والإيرانية

ارتكزت السردية الأميركية على فكرة "القيادة العالمية" وحماية النظام الدولي الليبرالي، إذ تقدِّم الولايات المتحدة نفسها كضامن للاستقرار الدولي ومكافح للتهديدات العابرة للحدود، خصوصاً الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية. وفيما يتعلّق بإيران، تُصوِّر واشنطن طهران كفاعل "مزعزع للاستقرار" يدعم الجماعات المسلحة ويهدد أمن الحلفاء في الشرق الأوسط، أمّا "إسرائيل" فتُضفي عليها السردية الأميركية صفة "الديمقراطية الحليفة" التي تواجه تهديدات وجودية. وتُستخدم أدوات مثل الإعلام الدولي والتقارير الاستخباراتية والخطاب السياسي الرسمي لتكريس هذه السردية، مع التركيز على الشرعية القانونية كالعقوبات الدولية لتبرير السياسات.

في حين تبنّت طهران سرديتها على مفهوم "المقاومة" في مواجهة ما تصفه بـ"الهيمنة الأميركية" و"العدوان الإسرائيلي"، مقدِّمةً نفسها كقوة إقليمية تدافع عن سيادة الدول وحقوق الشعوب، خصوصاً في فلسطين ولبنان. وتُؤطّر إيران سياساتها الخارجية ضمن خطاب ثوري مستند إلى إرث الثورة الإسلامية، حيث يؤكد الصراع على أنه ليس فقط سياسياً بل حضاريّ وأيديولوجي. وتستخدم طهران وسائل إعلام متعدّدة اللغات وشبكات حلفاء إقليميين وخطاباً دينياً-سياسياً لتعزيز سرديتها، مع التركيز على مظلومية تاريخية واستمرارية الصراع ضد "الاستكبار العالمي".

أما السردية الإسرائيلية فترتكز على مفهوم "الأمن الوجودي"، حيث تُصوّر الدولة الاستيطانية نفسها ككيان مهدد دائماً من قوى إقليمية تسعى إلى تهديده. وتُستخدم هذه السردية لتبرير سياسات عسكرية استباقية، بما في ذلك الضربات الوقائية ضد ما تعتبره تهديدات استراتيجية كالبرنامج النووي الإيراني.

تعزيز الاستقطاب العالمي

في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ جولات الحرب العدوانية انتهت بخسارة سياسية واستراتيجية لواشنطن و"تل أبيب" معاً، وخسارة موازية في ميدان السردية، وهو ميدان لا يقلّ أهمية عن ساحات المواجهة العسكرية.

فقد أدّت حرب السرديّات بين هذه الأطراف إلى تعقيد بيئة الأمن الإقليمي، حيث أصبح من الصعب بناء ثقة متبادلة أو التوصل إلى تسويات مستدامة بفعل العدوان. كما أسهمت في إطالة أمد حروب الوكالة، وعززت الاستقطاب الإقليمي، وإضعاف المؤسسات الدولية بسبب تضارب الروايات. وعلى المستوى الدولي، تعكس هذه الحرب تحوّلاً أوسع نحو "سياسات الإدراك"، حيث تصبح المعركة على تفسير الواقع لا تقلّ أهمية عن السيطرة عليه.

إنّ حرب السرديات بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" كطرف معادٍ وبين إيران صاحبة الحقّ، ليست مجرد صراع إعلامي، بل هي امتداد عميق للتنافس الجيوسياسي والأيديولوجي. وفي ظل عالم متّصل رقمياً، تزداد أهمية هذه الحرب، حيث يمكن لرواية معينة أن تُعيد تشكيل موازين القوى دون إطلاق رصاصة واحدة. إنّ فهم هذه السرديات وتحليلها يُعدّ شرطاً أساسياً لأيّ محاولة لفهم ديناميكيات الصراع في الشرق الأوسط أو السعي نحو تسويات أكثر استدامة، تقوم على إدراك متبادل بدلاً من صراع تفسيري دائم. كما أن السرديات بما تحمله من حشوة أيديولوجية ودوافع وأهداف سياسية قريبة وبعيدة الأمد، تشكّل أحد أهم جوانب الحروب الإدراكية في عالم اليوم الذي يشهد أجيالاً جديدة من الحروب، تستهدف الوعي المجتمعي، عبر الأدوات النفسية والإعلامية بقصد التأثير على القناعات والسلوكيات، وهي أداة متطوّرة من أدوات الحرب الإعلامية يبدو أنها ستتكرّر في المستقبل.

وكان إدوارد سعيد من أوائل من تنبّهوا إلى حرب السرديّات، وإن كانت مقاربته قد انحصرت في السرديتين الصهيونية والعربية لما جرى خلال ما يقارب القرن.

إنّ حرب السرديّات تفضي بالضرورة إلى نزاع الهويات، فالغالب يسعى إلى تكريس ما حقّقه بالقوّة وتحويله إلى أمر واقع، أما المغلوب، فهو إمّا أن يتفوّق على شروطه أو يكون ضحيّتها وفقاً للأطروحة الخلدونية.

يدرك المتحاربون أنّه في جوهر الحرب، الخداع ليس مجرّد حيلة عسكرية، بل هو أقدم وأخفى الأسلحة، سلاح يُزرع في العقول قبل أن يُترجم إلى رصاص ودبابات. إنه الظلّ الذي يسبق الفعل، الحقيقة المشوّهة التي يُقال نصفها لتُخفى بقية المعنى. علم وفنّ يتقاطعان عند مفترق العقل والغريزة، جذورهما ضاربة في الفلسفة، ويمتدّان عبر الجغرافيا النفسية للشعوب والجماعات.

من أيام السفسطائيين في اليونان، مروراً بنصوص صن تزو في "فنّ الحرب"، فهِم البشر أن أعظم الانتصارات تلك التي تُنتزع بلا قتال. هذا الفهم شكّل فلسفة الخداع: أن يُرى العدو ضعيفاً، بينما هو قويّ، وأن تُرسل إشارات خاطئة لتضليل الخصم. واليوم، يعرّف العلم الخداع بأنه "نقل معلومات مضلّلة لدفع المتلقّي لاتخاذ قرارات تخدم المرسل".

لكنّ الخداع لا يقتصر على الجيوش فقط، بل هو عنصر مركزي في علم النفس والإعلام. في علم النفس، يُعدّ شكلاً من "الإدراك الموجّه"، حيث تُستغل مرشحات العقل لتوجيه السلوك ضمن وهم الواقع. أما في الإعلام، فيُستخدم ترتيب الحقائق مع ترك فجوات تُملأ بالخيال الجماعي، ليُصنع رأي عامّ موجّه. كلّ ذلك مبنيّ على فهم عميق لخوف الإنسان، وتحيّزاته، وتوقّعاته، وهو ما يُمكّن من دفع مجتمعات بأكملها إلى تصديق حروب وهمية أو تجاهل أزمات حقيقية.