جيوسياسية المأزق.. كيف أعاد التحكم في مضيقين تعريف توازن القوى في غرب آسيا؟
التقرير يحلل استراتيجية إيران في التحكم بمضيقي هرمز وباب المندب، لفرض "ردع الانسداد" وتعطيل تفوق واشنطن التكنولوجي عبر خنق شرايين الطاقة العالمية.
-
ناقلة الغاز الطبيعي المسال "جاج فاسانت" التي ترفع العلم الهندي في ميناء مومباي في الهند بعد عبورها مضيق هرمز (أ ب)
تبنّت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً فريداً من "الحرب الجيوسياسية غير المتكافئة" في مواجهتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".
يعتمد هذا النموذج، الذي بلغ ذروته خلال التصعيد العسكري الأخير، على استثمار اثنين من أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، وهما مضيقا هرمز وباب المندب.
لقد أظهرت طهران، من خلال تفعيل هذين الرافدين للضغط في آن واحد، أنها قادرة خلافاً للقوة البحرية التقليدية الأميركية على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي وتحدي معادلات القوّة بالاعتماد على الجغرافيا وشبكة من الحلفاء.
1- المنطق الاستراتيجي: الردع عبر "قطع الشريان الحيوي"
في نظريات الردع الكلاسيكية، تُقاس القوة بناءً على القدرة على التدمير المتبادل، لكن الجمهورية الإسلامية، ومن خلال إدراكها للتبعية الشديدة للاقتصاد العالمي لطاقة الخليج، قامت بتفعيل مفهوم "الردع القائم على الانسداد".
ومن منظور "الواقعية الهجومية"، اتجهت إيران نحو الاستراتيجيات غير المتكافئة كلاعب استثمر في تعويض التفوق التكنولوجي للعدو في ساحة المعركة التقليدية. إن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط (ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي)، لم يعد مجرد تهديد تكتيكي، بل تحول إلى أداة لفرض النفوذ في السياسة الدولية.
2- العمق الاستراتيجي: الارتباط بين هرمز وباب المندب
النقطة الجوهرية في هذه المعادلة هي الربط بين المضيقين، فلم تكتفِ إيران بالتهديد في هرمز فحسب، بل تمكنت، وعبر التنسيق مع حلفائها في اليمن، من سحب المعادلة إلى باب المندب أيضاً.
إن حضور القوات المسلحة اليمنية في هذا الممر المائي، الذي تعبره يومياً ملايين البراميل من النفط نحو أوروبا وآسيا، زاد من العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة. هذا التحالف وفر عملياً إمكانية الحصار البحري لدول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد على المسارين لتصدير طاقتها، حيث يؤدي انسداد أي منهما إلى أزمة يستحيل إدارتها.
3- تحليل فشل التكنولوجيا أمام الجغرافيا
دخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها هذه المواجهة بالاعتماد على تفوقهم الجوي والبحري، ومع ذلك، واجهت قوتهم العسكرية مشكلات جوهرية أمام تهديد متعدد الأوجه:
- الألغام والهجمات غير المتكافئة: أظهرت التجربة أنه لا توجد إمكانية كاملة لمواجهة الزوارق السريعة، الألغام البحرية، والهجمات بالمسيّرات، وهي إجراءات كافية لإحداث شلل في الملاحة.
- عدم جدوى البدائل: يشير تحليل خطوط الأنابيب البديلة إلى أنه في حال انسداد هرمز، فإن خط أنابيب (بترولاين) السعودي وخط (حبشان-الفجيرة) الإماراتي قادران بحد أقصى على تعويض 5.5 مليون برميل فقط من العجز البالغ 20 مليون برميل، وهذا يعني وجود "عجز فيزيائي صافٍ" قدره 14.5 مليون برميل، وهو ما لا تستطيع أي تكنولوجيا تعويضه.
4- التداعيات الجيواقتصادية وانهيار التحالفات
وحملت هذه الاستراتيجية تداعيات عميقة للطرف الآخر، أبرزها:
- الهشاشة الاقتصادية الإقليمية: تستورد الدول المطلة على الخليج نحو 85% من موادها الغذائية، ما جعل تهديد المسارات البحرية خطراً مباشراً على أمنها الغذائي وسلاسل التوريد.
- الانكفاء الأوروبي: وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام ارتفاع حاد في أسعار الطاقة (الغاز بنسبة 30 إلى 60%)، ما دفعه نحو خيار الوساطة، لأن تكلفة التماهي الكامل مع سياسات واشنطن التصعيدية كانت تفوق قدرة اقتصاده المنهك.
- الانقسام الداخلي في أميركا: أدى العجز عن احتواء الأزمة والاستهانة بمخاطر إغلاق هرمز من قبل مخططي البنتاغون إلى تأجيج فجوة سياسية عميقة في واشنطن.
تمكنت الجمهورية الإسلامية، عبر تحويل مضيقي هرمز وباب المندب إلى ساحة للمعركة، من إبطال مفعول التفوق العسكري التكنولوجي لواشنطن وحلفائها، وأثبتت هذه الاستراتيجية أنه في جيوسياسية الطاقة، يمكن للتحكم في "المخانق" (Chokepoints) أن يكون أكثر حسماً من "القوة النارية"، ففي هذه الحرب، لا تكمن القوة الحقيقية في الطائرات الأكثر تقدماً، بل في القدرة على تعطيل تدفق الطاقة في أميال بحرية ضيقة.