جنوب لبنان بين نار العدوان واختبار السيادة
كيف يمكن لبلد يتعرض جزء من أراضيه للقصف المستمر أن يبقى أسير الانقسامات السياسية وحسابات التفاوض الداخلي والخارجي؟
-
الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني (أرشيف).
لم يكن جنوب لبنان يوماً مجرد مساحة جغرافية تقع على هامش الخرائط السياسية، بل ظل على امتداد العقود الماضية خط تماس مفتوحاً بين مشروعين متناقضين.
مشروع يسعى إلى فرض القوة بوصفها أداة لإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في المنطقة، وآخر يرفع شعار السيادة وحق الشعوب في حماية أرضها وقرارها الوطني. واليوم، مع تجدّد الاعتداءات العسكرية الصهيونية على القرى والبلدات الجنوبية، يعود السؤال نفسه ليُطرح بإلحاح وألم، كيف يمكن لبلد يتعرض جزء من أراضيه للقصف المستمر أن يبقى أسير الانقسامات السياسية وحسابات التفاوض الداخلي والخارجي؟
ما يحدث في جنوب لبنان لا يبدو، مجرد مواجهة حدودية عابرة أو تصعيد ظرفي قابل للاحتواء سريعاً. فالمشهد أوسع وأكثر تعقيداً؛ إذ تتداخل فيه الحسابات الأمنية الإقليمية مع رهانات الضغط السياسي والعسكري، ضمن محاولة تبدو مستمرة لإعادة رسم توازنات القوة في المنطقة.
فاستهداف المناطق السكنية، وتوسيع دائرة التهديد، وإبقاء السكان في حالة قلق دائم، كلها مؤشرات تعكس نمطا قائما على فرض الوقائع بالقوة، بعيدا عن أي التزام فعلي بمبادئ القانون الدولي أو الاعتبارات الإنسانية التي يفترض أن تحكم النزاعات المسلحة.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، كان المنتظر من القوى السياسية اللبنانية أن تتعامل مع التطورات باعتبارها قضية سيادية جامعة تتجاوز الانقسامات التقليدية والخلافات الحزبية والطائفية.
ففي اللحظات المصيرية، تميل الدول إلى توحيد خطابها الداخلي وإظهار قدر من التماسك الوطني، لأن أي تصدع في الموقف السياسي يمنح الخصم مساحة إضافية للمناورة ويعزز رهانه على إضعاف الجبهة الداخلية. غير أن المشهد اللبناني، كما يراه كثيرون، لا يزال يعكس استمرار بعض الأطراف في إدارة الأزمة من خلال حسابات سياسية ضيقة أو رهانات على تفاهمات وضغوط خارجية، وكأن الأولوية ليست لتثبيت موقف وطني موحد بقدر ما هي لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية.
هذا الواقع يطرح إشكالية تتجاوز السياسة اليومية إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بمفهوم السيادة ذاته فهل يمكن لدولة تواجه تهديدا مستمرا أن تحافظ على تماسكها الوطني في ظل تعدد الرهانات الخارجية وتضارب الأولويات الداخلية؟ التجارب التاريخية في المنطقة تقدم إجابات قاسية؛ إذ إن الدول التي ربطت أمنها الوطني بالكامل بإرادة القوى الخارجية، غالبا ما وجدت نفسها أمام معادلة خاسرة، حيث يتآكل القرار السيادي بالتوازي مع تراجع الاستقرار الداخلي.
في المقابل، تكشف التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية عن معطى آخر لا يمكن تجاهله، يتمثل في أن فكرة الردع أصبحت عنصرا حاضرا في المعادلة الأمنية اللبنانية. فقد أظهرت محطات عديدة أن امتلاك القدرة على منع الاعتداء أو رفع كلفته السياسية والعسكرية لعب دورا في الحد من سيناريوهات أكثر خطورة كان يمكن أن تدفع لبنان نحو أوضاع أشد اضطرابا، على غرار ما شهدته دول عربية أخرى عصفت بها الحروب المفتوحة أو الفوضى الممتدة. ولهذا فإن معادلة الردع، بصرف النظر عن الجدل السياسي المحيط بها، فرضت نفسها بوصفها عنصرا لا يمكن تجاهله عند قراءة المشهد اللبناني.
ومن هذا المنطلق، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية باستمرار أن أمن لبنان واستقراره لا ينفصلان عن الأمن الإقليمي، وأن مواجهة الاحتلال أو الاعتداءات الخارجية تندرج ضمن الحقوق التي تكفلها القوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة للشعوب التي تواجه تهديدا مباشرا لسيادتها ووحدة أراضيها. وترى طهران أن دعم قوى المقاومة يأتي في إطار مساندة حق الشعوب في الدفاع عن نفسها، لا باعتباره تدخلا في الشؤون الداخلية للدول، بل كجزء من رؤية تعتبر أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال أو فرض الوقائع بالقوة العسكرية.
ومن هذا المنطلق جاءت رسالة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي إلى الأمين العام لحزب الله اللبناني نعيم قاسم لتؤكد أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو أي تسوية مع الولايات المتحدة أو أي مذكرة تفاهم معها تؤكد وبشكل لا لبس فيه على وقف الاعتداءات الصهيونية على لبنان.
لكن، بعيدا عن الاصطفافات السياسية الإقليمية والخلافات التقليدية، تبدو الحاجة اللبنانية اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى إلى إعادة إنتاج خطاب وطني جامع، خطاب قادر على تجاوز الحسابات الطائفية الضيقة والانقسامات المزمنة، ويعيد تعريف الأولويات على أساس حماية الإنسان والأرض والمؤسسات. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الخلافات السياسية، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وصون حدودها وصناعة قرارها بعيدا عن الارتهان والتبعية.
إن الجنوب اللبناني لا يختبر وحده قسوة القصف والدمار، بل يختبر أيضا قدرة السياسة اللبنانية على الارتقاء إلى مستوى اللحظة. ففي أوقات الأزمات الكبرى، تتحول المواقف إلى معيار أخلاقي قبل أن تكون مجرد خيارات سياسية. والصمت أو التردد أو الانشغال بالمناورات الداخلية في لحظة نزيف وطني يترك أثرا عميقا في الوعي العام، ويعزز الإحساس بأن الدولة ما زالت عاجزة عن بناء موقف متماسك في مواجهة الأخطار.
تبقى قضية جنوب لبنان اختباراً مفتوحاً للمجتمع الدولي كما للنظام السياسي اللبناني نفسه. فالعالم الذي يلتزم الصمت تجاه استهداف الكيان الصهيوني للمدنيين وتدمير البنى التحتية، لا يصنع شروط سلام حقيقي بقدر ما يراكم أسباب التوتر وعدم الاستقرار.
أما الشعوب التي تتمسك بحقها في الكرامة الوطنية والدفاع عن أرضها، فإنها، مهما اشتدت الضغوط وتعددت التحديات، تظل الأقدر على صياغة مستقبلها وفق إرادتها، لا وفق ما يُفرض عليها من خارج الحدود.