بين إيران وأميركا مآلات وتموضع
الولايات المتحدة الأميركية ستكون هي العرّاب الخلفي لمنظومة الأمن الإقليمية للمنطقة وهذا ما سيسرّع نشوءها ويسهّل انضمام دول أخرى كالإمارات العربية المتحدة إليها.
-
الحرب على إيران.. إلى أين تسير الأمور (أرشيف).
نشرتُ بعد اندلاع الحرب وتحوّلها إلى مركزية مضيق هرمز، مقالةً بعنوان "الحرب الطويلة و صراع السومو الياباني"، وقد شرحتُ فيها مذاك أنّ هذه الحرب لا يمكن أن تنتهي إلّا بعد أن تتمّ إعادة رسم خارطة النفوذ العالمية الجديدة، تبعاً لتغيّر أحجام القوى اللاعبة على خارطة العالم الراهنة، وهو ما يحتاج اتفاقية يالطا جديدة، لكن على الساخن بسبب تعذّر قيام حرب عالمية ثالثة يستخدم فيها السلاح النووي بما يهدّد البشرية على الأرض.
ها هي ذي اللقاءات تُعقد بين ترامب وشي جين بينغ والأخير مع بوتين، وها هي ذي الحركية الساخنة بين اللاعبين تجري، فيتفاوضون ويتقاتلون، ويتقاتلون ويتفاوضون، عبر الوسطاء والحلفاء، فتُضرب الأذرع والأرجل وتُخنق الأنفاس، من الخليج إلى لبنان وسوريا وأفريقيا وأوكرانيا وفنزويلا، ومنهم من ينتظر.
الحقيقة أنّ شنّ الحرب على إيران كقرار أميركي ليس سوى استمرار لمسار بسط النفوذ الأميركي الجديد الذي أخذ فنزويلا بيسر ثم علق بشرك من اعتقدها حلقة تالية، كما حصل مع بوتين حينما دخل جورجيا وأخذ القرم ثم أدّب كازاخستان، لكنه علق في شرك أوكرانيا ولم يخرج إلى الآن.
وهنا يدرك الأميركي بالملموس بأنّ خارطة النفوذ في المنطقة التي يسمّيها الشرق الأوسط بدأت تتغيّر.
إذ لا يمكن التعاطي مع دول الخليج بعد نهاية سردية الحماية الأميركية المطلقة لدولها واستثماراتها الهائلة، كما كانت قبل هذا الزمان.
فبغضّ النظر عن إيران أو غيرها، ينشأ في دول الخليج حالياً، وعيٌ جديدٌ كلّي يفيد بتصديق الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بأنّ (المتغطّي بالأميركي عريان)، وهذا ما لم يكن بالإمكان تحوّله إلى وعي خليجي عامّ إلا نتيجة لغياب الأمن التاريخي الذي لم يجرّبه أبناء تلك المنطقة، حيث كانت الحروب دوماً تجري على غير أرضها.
هنا يتشكّل فراغ فعلي لا يكفي ملؤه بالمكابرة وترداد ما كان قائماً، ولدول غنية بالثروات، لطالما كانت تمانع دعوات تعدّد التحالفات العسكرية، فإنّ المستقبل سيحمل تغيّراً كبيراً لن يعتبر مجرّد تفصيل صغير في مصيرها بمجرّد عقد أوّل هدنة جدّية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وهذا مولود مهم رغم تعثّر ولادته بالمناوشات الإسرائيلية حتى الآن.
نحو منظومة أمن إقليمية محلية
أخطر النتائج الآيلة إلى الظهور هي ترجمة الجهد الباكستاني المدعوم من الصين، الذي إن حقّق الهدنة الكبرى المنتظرة وليس حتى السلام المنشود فسيعني علاقة عضوية تجمع باكستان مع إيران والسعودية ومصر إضافة إلى تركيا، ولو بدأت بالحدّ الأدنى من الطروحات إلا أنها من العضوية بحيث يمكن أن تتجاوز أكبر الطموحات المتوقّعة.
هذا الأمر سيشكّل أكبر خطر يهدّد النفوذ الأميركي الذي يمثّله الإسرائيلي كوكيل حصري حتى الآن يمنع حصوله في المنطقة، وتلك هي مهمّته التي أُنشئ لأجلها، كما أسلفتُ في ذكر نظرية المفكّر الفلسطيني الراحل الياس شوفاني ومفادُها أنّ "إسرائيل" ما هي سوى الثكنة المتقدّمة للمركز الأميركي.
ضمن هذا الفهم يجب قراءة الأحداث بتأنٍ وفق متغيّراتها، فالولايات المتحدة الأميركية لن تقبل بمنظومة أمنية قابلة للتحوّل إلى حلف بين دول المنطقة يجمع المتناقضين الحاليين والذين وجدوا أكثر من مرة أنفسهم مضطرّين لمنع مزيد من الهجمات على إيران، كما هو الحال في باكستان ومعها وخلفها مراراً السعودية و مصر عدا عن تركيا، وأخطر ما في الأمر هو إمكانية وصل هذه المنظومة الناشئة بحكم الضرورة مع الصين وروسيا، القوتين المرشّحتين لتأمين كلّ أبعاد القوة الجيواستراتيجية للمنطقة بما يزيح فعلياً جلّ النفوذ الأميركي ويبدأ برسم الوجود الإسرائيلي كعبء في حال تمّ لجمه في الأيام والأسابيع المقبلة ولو بشكل مرحلي، لأنّ هذا المرحلي سيصبح قابلاً جدّاً للاستدامة.
من أجل كلّ ذلك نجد أنّ الولايات المتحدة الأميركية تعزّز نفوذها في المنطقة التي تقع شمال منطقة الخليج أي كامل منطقة الهلال الخصيب أو سوريا الطبيعية بدءاً من العراق إلى سوريا ولبنان وهي أصلاً موجودة في الأردن، بما يمكن أن يشكّل تعويضاً عن التغيّر الجيوسياسي في دول الخليج، و ما الاستعصاء الراهن في الملفين السوري واللبناني وتعيين المبعوث توماس برّاك الذي يشبه في خصائصه الشخصية الرئيس ترامب نفسه، لسوريا ثم لبنان وإضافة إلى العراق عدا عن كونه أصلاً هو السفير الأميركي في تركيا، إلّا ليمثّل دور المبعوث المخوّل بنبش خرائط التاريخ وتمزيقها وقت الضرورة لتهيئة الجو العامّ نحو المقبل من الأحداث.
للخروج من كعب أخيل عند مضيق هرمز لا بدّ من الحرب الكبرى أو التأسيس لاتفاق، وكلّ الترجيحات تستبعد الخيار الأول الذي يصل بأنصاره إلى استسهال استعمال الخيار النووي أو تدمير كلّ المنطقة وهذا غير منطقي، لكن من قال إنّ الاتفاق الأميركي الإيراني الاستراتيجي بعيد المدى هو أيضاً غير منطقي والذي شرطه الوحيد من الجانب الإيراني هو أن يكون على حساب "إسرائيل"؟
هذا الأمر مطروح رغم أنه معقّد ويناقض أساس تأسيس "الدولة" الثكنة "إسرائيل"، لكنه سيتيح للولايات المتحدة الأميركية عدة أركان أساسية في حال تمّ إخراجه بشكل حرّيف.
فهذا سيعني أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستكون هي العرّاب الخلفي لمنظومة الأمن الإقليمية للمنطقة، وهذا ما سيسرّع نشوءها ويسهّل انضمام دول أخرى كالإمارات العربية المتحدة إليها غير أنّ تيسّر حصولها من الأساس أمام السعودية وتركيا وحتى مصر وباكستان، لكنّ كلّ ذلك سيعني أنّ الحوار الأميركي الإيراني سيصبح عميقاً وعالي المستوى.
كلّ ذلك سيعني ترتيبات كاملة تشمل المنطقة من باب المندب إلى هرمز وصولاً إلى استخراج النفط والغاز من السواحل السورية واللبنانية، أي ترتيب جميع العلاقات الشائكة على قاعدة بدء الشراكة وليس العداء في لبنان وسوريا والعراق الذي يشكّل أصلاً مساحة سياسية مشتركة في التحالفات بين إيران وأميركا منذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق صدام حسين.
ثمّة معضلتان كأداءتين أمام الأميركي تتمثّلان بإدخال المستوى السياسي داخل "إسرائيل" في إعادة ترتيب يتيح القبول بحلول مستدامة في غزة وجنوب لبنان ظاهرُها مكسبٌ تاريخي للكيان بانتهاء التهديد الذي أشعل السابع من أكتوبر من غزة والثامن من أكتوبر (الإسناد) من لبنان، وحقيقته الفعلية هي إحاطة "إسرائيل" بالنفوذ الأميركي المباشر في غزة وجنوب لبنان على شكل علاقات استثمارية، لطالما أفصح ترامب بولعه بها، كإعادة إعمار قطاع غزة وجنوب لبنان، ولكنّ الترتيب الذي سيستبعد "إسرائيل" سيعني حتماً شراكات محلية أميركية فلسطينية في غزةـ وأميركية لبنانية في جنوب لبنان أي تحديد كامل لدور "إسرائيل" التاريخي.
طبعاً هذا كلّه لا يتمّ في أجواء الحرب، بل بالتفاوض والذي سيعني مصلحة أميركية كبرى في هذه الشراكة قبل شرح المصلحة الإيرانية أو مصالح دول المنطقة، لأنّ الولايات المتحدة الأميركية ستضمن وجودها العضوي في صلب المنظومة الإقليمية للمنطقة وستحدّد هي أدوار اللاعبين الآخرين كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، وهذا ما سيعني أنها ستعود لتصبح صاحبة الدور الأكبر في إعادة تشكيل كامل المنطقة في حال تمكّنت هي من تحويل التفاوض الحاصل حالياً لإنهاء الحرب إلى صيغة مستدامة لرسم ملامح العالم الجديد.
قد يعتقد البعض في هذه الصيغة عداءً للصين أو روسيا أو أوروبا التي تنتظر أُفول العصر الأميركي لتحلّ محلّها وهذا التحليل مستعجل كما باقي التحليلات التي تنطلق من أنّ الهيمنة الأميركية المطلقة هي قدر كوجود كوكب المشتري في المجموعة الشمسية، مع بقاء كلّ تحالفاتها كما هي، فالصين لا تعتبر نفسها حتى الآن راغبة في الحلول مكان الولايات المتحدة الأميركية ولا تأدية أدوارها المالية عالمياً فكيف بالأحرى العسكرية منها، ولا حاجة بالحديث عن روسيا التي تلحق بإيطاليا على سلّم الدول الأكبر اقتصادياً ولا تسبقها رغم ضخامة مساحتها ومواردها، أو الاتحاد الأوروبي العاجز عن توليد قيادات غير تابعة لا للسياسات الأميركية فحسب، بل لبعض السماسرة والمتموّلين من خارج منظومات الضرائب.
إنّ ما أُورده ههنا هو مقاربات للتفكّر في مآلات محتملة وليست حتمية أو سريعة، والمطلوب هو نقاش الأفكار على أساس مقارنة البدائل لا التمترس في بيانات الماضي، ثمّ رسم السياسات على أساس مصالح الشعوب التي تستأهل مكانة لها في المسقبل، لا الغارقة في سرديات الانتقام بين جساس وكليب و الزير سالم.