الوافدون: قساوة النزوح، سهولة التأقلم، قلق المصير
بات الجنوبي في تهجُّره في صراع العودة واللاعودة. الجنوبيون في مناطق استضافتهم يتساءلون: هل العودة متأخرة؟
-
في هجرتهم أضفى حضور الجنوبيين عناصر جديدة على المجتمعات التي حلّوا بها (أرشيف).
ارتبطت قضية النزوح من الجنوب اللبناني بتطورات المنطقة، وارتدادات الازمة العالمية على لبنان، ونال الجنوب اللبناني الحصّة الأكبر من تداعيات المنطقة وتطوراتها، وكاد الجنوب يصبح هو القضية، امتداداً للقضية الفلسطينية.
وفي ظل الانقسام اللبناني الراهن على فهم مجريات الحرب الصهيونية المتكررة على لبنان، يتجلى فهم جنوبي أكثر تبلوراً، وتحسّس للقضية بصورة أعمق بعد أن عايش أهله، وشاهدوا بأم العين نزوح الفلسطينيين في تهجير النكبة، حيث عبر الفلسطينيون المطرودون من ديارهم إلى لبنان عبر بوابة الجنوب، واستقرت جماعات أهلية فلسطينية بين القرى والبلدات الجنوبية، قبل إعادة تجميعهم في مخيماتهم.
ولعب تلاصق المناطق الجنوبية مع فلسطين المحتلة دوراً في تأسيس حالة متقدمة من الوعي على مخاطر المشروع الصهيوني للمنطقة، خصوصاً على لبنان، وبدايةً على جنوبه. الجنوبيون تحسّسوا مخاطر المشروع الصهيوني، وعرفوا ببيع الأراضي تمهيداً لاغتصاب البقية، وترامت إلى مسامعهم إنهم سيكونون هدفاً في مرحلة ما من مراحل تقدم المشروع الصهيوني كمشروع تابع للهجوم الاستعماري الغربي في المنطقة.
يعبّر الفنّان رفيق علي أحمد في كتاب أخير له تحت عنوان "على خشبة الحياة"، عن الوعي الجنوبي-الشيعي المتقدِّم على مخاطر المشروع الصهيوني وما يخبئه له مستقبلاً، وجاءت التطورات لتثبت مخاوفهم، وليس آخرها الخرائط التي عرضها قائد العالم الغربي الفعلي بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة، وفيها المشروع الاستيطاني المعروف من الفرات إلى النيل، وفيه لبنان وفلسطين وسوريا وبعض العراق، ومصر.
يقول رفيق علي أحمد في كتابه إن والده طالما نصحه بالعلم، وكان ذلك سبيعنات القرن المنصرم، وربما قبل ذلك، قائلاً له: "أدرس. تعلَم. بدهن يهجّرونا من هون. شايفها "لمسكاف عام" كيف مشعشعة؟ هيدي إسرائيل (..) بدهن يهجرونا .ومش رح تاخدوا معكم شي (..) بالقليلي تكونوا متعلمين تتقدروا تعيشوا".
الهجرة الجنوبية ليست جديدة، لكنّها تطورت مع كل حرب ومعركة مع الجار الصهيوني. في حرب 2006، تهجّر الجنوبيون بمئات الآلاف إلى مختلف المناطق، وعند إعلان وقف إطلاق النار يومئذٍ، استغرقتهم العودة ساعات قليلة بطريقة أدهشت العالم لأن وعي الجنوبي، وإدراكه الحسيّ، والفطري متبلور أزاء المشروع المعادي له.
تكرّر المشهد عند إعلان وقف إطلاق النار 2024، ونجح الجنوبيون في العودة المبكرة، فالقضية لم تكن قد بلغت مبلغاً متقدماً من الصراع، ولم يكن الصهيوني قد شرع بالفعل بتطبيق عقيدته ومشروعه عملياً.
المشهد الحالي
تطورات الحرب الصهيونية على غزة ولبنان اتخذت ابعاداً أكبر بكثير من السابق مع اندلاع الحرب الصهيوأميركية على إيران. وعند الإعلان عن وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية-الصهيوأميركة، كرّر الجنوبيون تجربة 2006 و 2024، لكنّهم لم يلبثوا أن عادوا، ولم يستطيعوا الصمود في بلداتهم وقراهم لأن المشروع الصهيوأميركي بدأ يتّخذ أبعاده مما استدعى ممارسة أكثر وحشية، واستمرارية من السابق، وهو يقوم بمسح الأرض من بيوتها، وسكانها، ومعالمها، والهدف تحويل الجنوب إلى فلسطين ثانية، والجنوبيون مدركون لذلك.
بات الجنوبي في تهجُّره في صراع العودة واللاعودة. الجنوبيون في مناطق استضافتهم يتساءلون: هل العودة متأخرة؟ ومنهم من عاد إلى الجنوب، ثم إلى مناطق التهجير مجدداً، فتلمّس المخاطر الاولى التي باتت تستهدفه مباشرة، ولم تعد ارتداداً للقضية الفلسطينية. لذلك، يمكن وصف معاناة الجنوبي الأساسية حالياً هي في القلق الكبير على المصير.
وفي ظل هذا القلق، وعلى الجانب الآخر من مسيرتهم، يعيش الجنوبيون في تهجيرهم حياةً مريحة، وقلّما تعرض أحد منهم لممارسة رفضٍ سلبية. أغلب المناطق استضافتهم برحابة صدر، وحيثما حلّوا، خصوصاً المستأجرون منهم على نفقتهم الخاصة، يختبرون حياةً جديدةً، مريحة، يعززها تفاعل أهالي بلدات الضيافة معهم، واندماجهم بقصصهم، منها قصص التهجير ومنها ظروف الإقامة.
وفي هجرتهم، أضفى حضور الجنوبيين عناصر جديدة على المجتمعات التي حلّوا بها، وأحدثوا تجديداً ملحوظاً في حياتها. كانوا سريعي التأقلم، والتفاعل، ولعب حسّهم الانساني دوراً في التقرب من الآخرين، فوجدوا كثيرين من طينتهم، يتحسّسون معاناتهم، ويلتزمون قضية الوطن، وبات الحضور الجنوبي تكريساً لقضيتهم كقضية وطنية، وليسن مناطقية فحسب.
تقول مريم للأصدقاء المحليين الجدد: "غداً سنعود، وسنأخذكم معنا. ومثلما كانت بيوتكم بيوتنا، فإن بيوتنا هي بيوتكم أيضاً"، ثم تسارع متسائلة بقلق: "هل العودة متأخرة؟"، ولا أحد يملك الجواب.
وفي إقامتهم، يتقبل الجنوبيون ما يحلّ بهم من نكبات أين منها نكبة فلسطين، كأنهم مُهيّأون لهذه اللحظات التاريخية الحرجة. لذلك تراهم طبيعيين في قضاء أوقاتهم، ومطمئنين أن العودة مهما تأخّرت ، آتية. تقول فاطمة: "صحيح إننا بعيدون عن جنوبنا، ومنازلنا، لكنّنا نشعر هنا كأننا في نوع من السياحة. قد نتأخر بعض الوقت، ونحن مرتاحون، ومهما تأخر الوقت، سنعود إلى منازلنا مهما طال الزمن".