الهندسة الأمنية الجديدة في الخليج: أين يقف التعاون الأميركي - الإسرائيلي؟
لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو استبدال مباشر للقواعد الأميركية بقواعد إسرائيلية، بقدر ما تتجه إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن ذاته.
-
أين يقف التعاون الأميركي - الإسرائيلي؟ (أرشيف).
في قلب التحولات الجارية في الخليج، لم يعد النقاش محصوراً في شكل الحضور العسكري التقليدي، بل في جدوى هذا الحضور نفسه. فالقواعد التابعة لـ الولايات المتحدة التي شكلت لعقود مظلة الردع الأساسية في المنطقة، باتت تواجه اختباراً قاسياً في ظل تصاعد الضربات التي نفذتها إيران وحلفاؤها ضد أهداف عسكرية وحيوية مرتبطة بالمنظومة الغربية في الخليج.
هذه التطورات لم تقتصر على البعد الميداني، بل خلقت نقاشاً متزايداً داخل دوائر القرار في دول الخليج حول مدى قدرة هذه القواعد على توفير حماية فعالة للمنشآت الحيوية والبنية الاستراتيجية، في لحظة باتت فيها أدوات الهجوم أسرع وأكثر مرونة من منظومات الردع التقليدية.
هذا التحول أنتج، وفق قراءات تحليلية متقاطعة، حالة من إعادة التقييم داخل العواصم الخليجية، حيث يتداخل البعد الأمني مع هواجس سياسية متصاعدة. فجزء من النخب الحاكمة، إلى جانب شرائح من الرأي العام، بات ينظر إلى القواعد الأميركية بوصفها ضمانة غير مكتملة، أو على الأقل غير كافية وحدها في مواجهة بيئة تهديد متعددة الطبقات. ومن هنا بدأت تبرز أسئلة صريحة حول جدوى استمرار الاعتماد الأحادي على واشنطن، في وقت تتصاعد فيه مؤشرات التوجه نحو تنويع الشراكات الأمنية والعسكرية.
في هذا السياق، يتنامى القلق في الولايات المتحدة من أن تؤدي هذه المراجعات إلى انفتاح أوسع من قبل دول الخليج على قوى أخرى، في مقدمتها الصين وروسيا، سواء في مجال التسليح أو بناء منظومات دفاعية مستقلة. مثل هذا التحول، إن ترسّخ، لا يعني فقط تنويع مصادر السلاح، بل إعادة توزيع النفوذ الاستراتيجي في منطقة تعد من أهم أقاليم الطاقة العالمية، وهو ما تعده واشنطن تحدياً مباشراً لمعادلة حضورها التاريخي في الخليج.
وسط هذا المناخ المتوتر، تعود فكرة “القواعد الإسرائيلية” إلى الواجهة، لكن ليس بوصفها بنية عسكرية معلنة، بل كتصور يتداول في بعض التحليلات الإسرائيلية والأميركية حول إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي. فبعد اتفاقيات التطبيع "أبراهام" ، برزت مقاربات تتحدث عن دمج "إسرائيل" في بنية دفاعية أوسع، تقوم على الربط بين أنظمة الإنذار المبكر، والدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ضمن شبكة ردع إقليمية متعددة الأطراف.
قادة أمنيون إسرائيليون، في هذا السياق، لا يتحدثون عن قواعد عسكرية تقليدية، بل عن “تموضع أمني ذكي” يتيح لـ"إسرائيل" أن تكون جزءاً من المنظومة الدفاعية الخليجية من دون الحاجة إلى انتشار عسكري ثقيل أو معلن. هذا التصور ينسجم مع التحول في المقاربة الأميركية ذاتها، حيث تميل واشنطن إلى تقليص الكلفة المباشرة وإدارة الأمن الإقليمي عبر الشركاء، بدلاً من الاعتماد الكامل على القواعد الضخمة المنتشرة في المنطقة.
لكن هذه الرؤية لا تنفصل عن حسابات أوسع. فإعادة النظر في فعالية القواعد الأميركية، تحت ضغط التهديدات غير التقليدية، تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً: تراجع تدريجي في مركزية الدور الأميركي، مقابل صعود أدوار إقليمية وتقنية بديلة، قد لا تكون "إسرائيل" سوى أحد عناصرها. وفي حال تعمق هذا الاتجاه، فإن المخاوف الأميركية لا تتوقف عند فقدان النفوذ فحسب، بل تمتد إلى احتمال تشكل فراغ استراتيجي قد تملؤه قوى منافسة، بما يكرس حضوراً متزايداً لكل من بكين وموسكو في معادلات الخليج.
المعطيات الأولى تشير إلى أنه لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو استبدال مباشر للقواعد الأميركية بقواعد إسرائيلية، بقدر ما تتجه إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن ذاته. أمن لم يعد قائماً على الوجود العسكري الصلب وحده، بل على شبكات متداخلة من الردع، والمعلومات، والتكنولوجيا، تُدار فيها القوة بقدر ما تُوزع، وتمارس بقدر ما تخفي. وبين تآكل نموذج القواعد التقليدية، وصعود منطق الشبكات، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: إعادة هندسة النفوذ في الخليج، لا إعادة تمركزه فقط.