النظام السياسي في لبنان يلفظ أنفاسه
يقف لبنان اليوم في منتصف الطريق بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأميركا؛ الأولى التي دعمت قوى التحرّر والمقاومة في العالم، والثانية التي حاربتهم مجتمعين.
-
الرهان على الجيش اللبناني كوقود لأيّ صدام داخلي هو رهان ساقط (أرشيف).
"لو دامت لغيرك لما وصلت إليك".
وضعت فوق مدخل السراي الحكومي بطلب من الرئيس الشهيد رفيق الحريري (اغتيل في إثر رفضه تجريد المقاومة من سلاحها).
لا يختلف اثنان على أنّ الكيان اللبناني قد بُني كنتاج لتقسيم المنطقة وتقطيع أوصالها، لتسهيل السيطرة عليها، ومنع أيّ وحدة تهدّد أمن الكيان الإسرائيلي الغاصب. كما لا يختلف اثنان أنه منذ تأسيس لبنان الكبير حتى اتفاق الطائف كان الرئيس الماروني حاكماً مستبداً عَكَس الطبقية والأسس الإقصائية الذي قام عليها لبنان، والتي لم ينهِها اتفاق الطائف؛ بل أعاد إنتاجها في صيغة أقلّ استبداداً وحدِّة، وفي محاولة ليكون النظام أكثر توازناً -ربما-.
أُريدَ للبنان أن يكون نقطة سيطرة الغرب على العالم العربي والإسلامي، وأريدَ له تقديم الطاعة للكيان المحتل "إسرائيل"؛ وأراد بعض اللبنانيين غير ذلك. فمنذ ما قبل الـ58، إلى أحداث الـ58، فالحرب الأهلية، ثمّ اتفاق 17 أيار، وصولاً الى عام 2007 وما بعده، كان هذا الكيان بذاته (أي لبنان) مسبّباً للاضطرابات الدائمة على الساحة الداخلية.
اليوم، تعود هذه الاضطرابات إلى الواجهة عبر السلطة الحاكمة المتمثّلة بجوزاف عون ونواف سلام، والتي فرضتها الوصاية الأميركية في إثر حرب الـ66 يوماً. إلّا أنّ للمعطيات رأياً آخر هذه المرة. فما الذي تغيّر؟
إنّ المتغيّر المحوريّ هنا يكمن في تطوّر تجربة المقاومة المتمثّلة بحزب الله لتكون على مستوى القرار الإقليمي، والذي اتضح أنّ الحرب الماضية لم تقوّضه، إضافة إلى دخوله الحرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية كمحور متكامل، في مقابل محور أميركا و"إسرائيل". الأمر الذي يعيده إلى مقدّمة الصراع بحيث لا يقتصر الأمر على منع فرض وقائع لا تناسب مجتمع المقاومة، بل قد يتجاوز ذلك الى إمكانية تحقيق مكاسب أوسع، تبقى رهينة مسار الصراع وتوازناته.
في المقابل، تحاول "إسرائيل" تحقيق مكاسب، عبر الضغط من خلال السلطة الحاكمة في لبنان، المأمورة بالإسراع إلى توقيع صكّ الاستسلام لـ "إسرائيل". ما يعيد طرح التساؤل: هل يمكن أن تتكرّر أحداث الـ17 من أيار؟ وهل يقود ذلك إلى حرب أهلية جديدة؟
المعطيات الحالية تقول لا، للأسباب الآتية:
أولاً، أنّ حزب الله وحلفاءه ممَثّلون في الحكومة اللبنانية والمجلس النيابي، ما يجعل أيّ قرار مصيري من دون موافقتهم فاقداً للشرعية الدستورية والميثاقية.
ثانياً، الرهان على الجيش اللبناني كوقود لأيّ صدام داخلي هو رهان ساقط، إذ إنّ المؤسسة العسكرية بقيادة العماد رودولف هيكل، أعلنت رفضها الانجرار إلى مواجهة داخليّة، كما أظهرت موقفها الرافض لتصنيف حزب الله منظّمة إرهابية.
ثالثاً، إنّ تجربة حزب الله تؤكّد عدم انجراره إلى اقتتال داخلي عبثيّ يبدّد ما حقّقه في الميدان، ويُذهب بالتضحيات الجسام للمجتمع المقاوم أدراج الرياح.
ورابعاً، إنّ الواقع المستجد الذي فرضته الحرب الدائرة - حتى الآن - من حيث الحضور المتين للجمهورية الإسلامية الإيرانية في الحرب وصعودها كقطب جديد، وفرضها مسار التفاوض مع أميركا، سيرخي بآثاره على التوازنات الداخلية اللبنانية.
يقف لبنان اليوم في منتصف الطريق بين الجمهورية الإسلامية الايرانية وأميركا؛ الأولى التي دعمت قوى التحرّر والمقاومة في العالم، والثانية التي حاربتهم مجتمعين. والنتيجة ستنعكس على المجتمع المقاوم في لبنان وعلى صياغة واقعه ومستقبله في ظلّ ميدان مستعر في الجنوب يفرض معادلاته.
في هذا السياق، لم يعد للسلطة الحاكمة من مكان مستقر، وهي الآن تصارع لا لبقائها هي، بل لبقاء أسيادها. لكنّه صراع لن يلبث أن يخيب. إذ إنّ النظام السياسي في لبنان يقترب من نهايته في ظلّ تغيّرات إقليمية وعالمية كبرى ستنتج عنها إعادة رسم الخرائط والنفوذ في المنطقة.
ما زالت الحرب في بدايتها، ما يعني أنّ جولات عديدة لم تأتِ بعد، قبل اتضاح الصورة النهائية للمنطقة. إلّا أنّ المؤكّد هو أنّ المرحلة المقبلة ستكون مختلفة، وأنّ من يقاوم حجز مكاناً مهمّاً على طاولة الأقطاب.
لبنان هذا يقف أمام مستقبل لا يشبه نشأته ولا ماضيه ولا حاضره. وينتظره مخاض عسير، جداً.