المنطق الأميركي في تعويض تكاليف الحرب على إيران
المشهد الحالي في الخليج العربي "قمة السخرية" إن لم يكن مأساة متكاملة الأركان، بأن تأتي إدارة الرئيس ترامب اليوم لتطالب الدول الخليجية بدفع تريليونات الدولارات ثمناً لحرب لم تطلبها أصلاً، بل طلبتها "إسرائيل"؟
-
تكاليف الحرب على إيران (أرشيف).
كشفت تصريحات رسمية أميركية خلال الساعات الماضية عن توجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإلزام الدول الخليجية بدفع تكاليف العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في المنطقة.
فقد أعلنت كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، في مؤتمر صحفي أن الرئيس ترامب "مهتم جداً" بدعوة الدول العربية لتحمل نفقات العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران.
وأوضحت ليفيت أن هذا الطرح يمثل فكرة يتبناها الرئيس شخصياً، ومن المتوقع أن يُدلي بمزيد من التصريحات حولها قريبا.
ورغم أن تصريحات ترامب الأخيرة لم تتطرق مباشرة إلى هذه المطالب ولكنها يبدو كانت مبطنة ضمن رسائل الطمأنة لحلفائه في المنطقة، إذ تعهّد ترامب "عدم التخلي" عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية، وبطبيعة الحال فإن هذا التعهد يترتب عليه إلتزامات تماماً كالعقود التجارية البحتة ، خاصة وأن ترامب يتصرف كمدير تنفيذي للبيت الأبيض وما يهمه هو تحقيق الأرباح قصيرة المدى بعيداً عن استراتيجيات المدى الطويل،حيث قال في خطابه الأخير من البيت الأبيض "أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط: "إسرائيل"، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والبحرين. لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل".
تكاليف الحرب على إيران
تُشير التقديرات إلى أن طول أمد الحرب يزيد من التكاليف المالية، فقد كلفت الأيام الستة الأولى من الحرب نحو 11.3 مليار دولار، وبحلول اليوم الثاني عشر، ارتفعت التكلفة إلى 16.5 مليار دولار. كما طلبت وزارة الحرب الأمريكية مؤخراً 200 مليار دولار إضافية من الكونغرس لمواصلة العمليات.
ووفقاً لتقارير إعلامية، فإن الضغوط الأميركية تُمارس على الدول الخليجية لدفع 5 تريليونات دولار لاستمرار الحرب، أو 2.5 تريليون دولار كتكلفة لوقف إطلاق النار مقابل "أعمال أنجزتها" الولايات المتحدة. فيما وصف المراقبون هذه المطالب بأنها "ابتزاز هائل"، خاصة أن دول الخليج لم تشارك في قرار شن الحرب.
وأما بالنسبة لتحقيق الأهداف العسكرية والسياسية، فلم تُعلن واشنطن رسمياً عن نجاحها في إنهاء الملف الإيراني وفق الشروط التي وضعتها، حيث حدد الرئيس ترامب السادس من أبريل الجاري موعداً أخيراً للتوصل إلى اتفاق مع إيران، وفي خطابه الأخير قال باستمرار العملية العسكرية لعدة أسابيع بينما يرى محللون أن الحرب لم تحقق أهدافها بعد بل تحولت إلى حرب استنزاف تستنزف جميع دول المنطقة، وترامب وحده القادر على إيقافها كما بدأها.
انعكاس الحرب على دول الخليج
تسببت الحرب التي أكملت شهرها الأول بخسائر اقتصادية جسيمة، حيث قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إجمالي الخسائر في الناتج المحلي للدول العربية بنحو 186 إلى 194 مليار دولار. بينما توقعت مؤسسة أكسفورد للاقتصاد أن تشهد اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي ركوداً في الأشهر القادمة، وسينكمش اقتصاد قطر والكويت بنسبة 14% إذا استمر الصراع حتى نهاية أبريل، فيما يُتوقّع أن ينكمش اقتصاد الإمارات بنسبة 5%، بينما السعودية بنسبة 3%.
وقد تعرضت البنية التحتية في عدد من دول الخليج لأضرار مباشرة، ففي قطر ضُربت منشآت الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان أتلفت حوالي 20% من الطاقة الإنتاجية، فيما ستستغرق إعادة التأهيل من ثلاث إلى خمس سنوات بتكلفة خسائر سنوية تبلغ 20 مليار دولار. وفي البحرين أعلنت شركة ألمنيوم البحرين إغلاق ثلاثة خطوط إنتاج تمثل 19% من طاقتها بسبب نقص المواد الخام، وفي الكويت تعرض ميناءان لأضرار كبيرة جراء هجمات إيرانية، بينما تعرضت مصفاة تابعة لأرامكو في السعودية لهجمات بطائرات مسيرة، واستهدف مصنع ألمنيوم في الإمارات بهجوم صاروخي.
كما توقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ بداية الحرب، مما أوقف مرور 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال العالمي، وقفزت أسعار النفط من 60 دولاراً للبرميل قبل الحرب إلى أكثر من 100 دولار. وعلى الصعيد المالي، ارتفعت عوائد سندات دول الخليج المقومة بالدولار إلى أعلى مستوى في خمس سنوات.
منطق ترامب وفق نظريات العلاقات الدولية
أولاً، وفق الواقعية السياسية يمكن فهم تصريحات ترامب كترجمة صريحة لمنطق القوة والمصلحة، خاصة وأن الولايات المتحدة تسعى لتقليل تكاليفها وتعظيم مكاسبها بهدف التعتيم على الخسائر التي منيت بها وتحديداً بما يتعلق بمكانتها العالمية، كما أن الحماية الأمنية باتت في منطق ترامب كـ"سلعة استراتيجية" يمكنه تبادلها مقابل موارد مالية، وبالتالي فإنه ينظر إلى الخليج ك "مستفيد"، بحكم اعتماده الأمني على الولايات المتحدة ويجب أن يساهم في التكلفة، وهذا بطبيعة الحال ينسجم مع مفهوم تقاسم الأعباء لكن بصيغة أكثر حدّة ومباشرة مقارنة بالدبلوماسية التقليدية..
ثانياً، وفق الليبرالية السياسية التقليدية لطالما كانت التحالفات تقوم على المؤسسات والتعاون طويل الأمد والاتفاقات متعددة الأطراف وليس على التحالفات الثنائية فقط وتجاوز الحوكمة العالمية نحو إنجاز المعاملات المالية المباشرة أو الصفقات الثنائية تماماً كما كان معهوداً في القرن التاسع عشر، وبالتالي فإن طرح معادلة "الدفع مقابل الحماية" قد يُضعف الثقة ويقوض استقرار التحالفات التقليدية التي كانت مبنية على تبادل أوسع وفي حالة الخليج واميركا كانت قائمة على الأمن مقابل استقرار الطاقة.
ثالثاً، وفق البنائية السياسية يبدو بأن الخطاب الترامبي يعيد تشكيل المعايير في العلاقات الدولية، إذ يحول ترامب في سياسته التحالف من شراكة قيم ومصالح إلى علاقة تعاقدية شبه تجارية، وبطبيعة الحال فإن هذا التغيير في الخطاب قد يؤثر على إدراك الحلفاء لدور الولايات المتحدة كـ"ضامن أمني".
منطق ترامب وفق القانون الدولي والأمن الإقليمي
هناك ثلاثة نقاط أساسية حددها القانون الدولي لتنظيم العلاقات الدولية وهي مبدأ السيادة وعدم الإكراه، وشرعية استخدام القوة، والاتفاقيات الدفاعية، وفيما يتعلق بتعويض تكاليف الحرب فلا يوجد في القانون الدولي ما يُلزم دولة بدفع تكاليف عمليات عسكرية لدولة أخرى وهو ما يحاول ترامب إلزام دول الخليج به متخطياً القانون الدولي الذي يقول بأن أي مساهمة مالية يجب أن تكون طوعية أو بموجب اتفاقيات ثنائية، أما فيما يتعلق بشرعية استخدام القوة فوفق ميثاق الأمم المتحدة، يجب أن يكون استخدام القوة إما دفاعاً عن النفس، أو بتفويض من مجلس الأمن وفق الفصل السابع وبالتالي فإن تمويل الحروب لا يمنحها شرعية قانونية إضافية. في حين أن معظم الدول الخليجية لديها اتفاقيات أمنية مع الولايات المتحدة، لكنها لا تنص على "دفع مباشر مقابل الحماية"، بل تشمل قواعد عسكرية، تسهيلات لوجستية، وصفقات تسليح، ويريد ترامب فرض بند جديد في الاتفاقيات الأمنية بالقوة القاهرة وبحكم الضرورة والحاجة والتبعية وليس بحكم التحالف والندية.
لا شك أن المطالبات بالدفع المبطنة أو العلنية تؤثر بشكل مباشر على الأمن الإقليمي وقد تؤدي إلى زيادة التسلح الذاتي لدول الخليج، أو تنويع التحالفات كالتقارب مع قوى أخرى مثل روسيا والصين، ناهيك عن إعادة توزيع الأدوار الأمنية إذ يعكس هذا الطرح توجه أميركي نحو تقليل الانخراط المباشر، وتحميل الشركاء الإقليميين مسؤولية أكبر وهذا ما جاء بشكل صريح على لسان ترامب عندما حمل الشركاء والمستفيدين مسؤولية فتح مضيق هرمز وربما قد يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وتآكل الثقة في الضمانات الأمنية الأميركية وزيادة عدم اليقين الاستراتيجي الخليجي بتلك الضمانات، خاصةً وأن خطاب ترامب يعكس انتقالًا من تحالفات استراتيجية طويلة الأمد إلى علاقات قائمة على "التكلفة والعائد" أو من سياسة التحالفات إلى الصفقات مستغلاً وجود معضلة أساسية وهي "الإعتماد" فمعظم دول الخليج تعتمد أمنياً على الولايات المتحدة، وهذا يمنح واشنطن قدرة تفاوضية أعلى لفرض شروط مالية أو سياسية..
وفي الوقت نفسه ينعكس هذا الاعتماد على مخاطر تتعلق بتماسك التحالف مع تداعيات الحرب على إيران وتوجيه الضربات الإيرانية على القواعد والمصالح الاميركية ناهيك عن الإغلاق التدريجي لمضيق هرمز وآثاره على الاقتصاد الخليجي تحديداً وهذا قد يؤدي إلى تراجع الالتزام الأميركي بالحماية، أو بحث الحلفاء عن بدائل لإيجاد نوع جديد من توازن القوى
المنطق الأميركي في التحالف مع الخليج
وعليه، فإن المشهد الحالي في الخليج العربي "قمة السخرية" إن لم يكن مأساة متكاملة الأركان، بأن تأتي إدارة الرئيس ترامب اليوم لتطالب الدول الخليجية بدفع تريليونات الدولارات ثمناً لحرب لم تطلبها أصلاً، بل طلبتها "إسرائيل"؟
فالدول الخليجية كانت تميل إلى خيار الاتفاق مع طهران، وتحديداً عبر مسار التفاوض الذي رعته مسقط، لأنها أدركت أن الاستقرار الإقليمي والازدهار الاقتصادي لديها مرتبط بعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وليس بالانحياز الكامل إلى خيار الحرب، في حين أن "تل أبيب" ظلت لسنوات تحرض واشنطن على توجيه ضربة عسكرية لإيران. وبعد أن جعلت أمريكا الأراضي الخليجية منطلقاً لمغامراتها العسكرية، بوضع قواعدها العسكرية في قلب المدن الخليجية، وتحويلها إلى "دروع بشرية" في الصراع مع إيران، تعود اليوم لتطالبها بالمال بدلاً من أن تدفع لها تعويضات عن الأضرار الاقتصادية الهائلة التي لحقت ببنيتها التحتية ومنشآتها النفطية.
كما يمكننا قراءة المشهد من منظور آخر، يُشرع لإيران اليوم كدولة تتعرض لعدوان عسكري على أراضيها، الدفاع عن نفسها وسيادتها، وهو ما تفعله من خلال استهداف القواعد العسكرية الأمريكية التي تستخدم لشن الهجمات عليها في الدول المجاورة. وإيران من خلال وزير خارجيتها عباس عراقجي أكدت أكثر من مرة أن طهران تحترم دول الجوار وتعتبرها دولاً شقيقة، وأن عملياتها العسكرية لا تهدد هذه الدول بقدر ما تستهدف القوات الأمريكية المحتلة أو المتواجدة على أراضيها، كما أنها لم تعلن الحرب على دول الخليج، بل خصومها هم الاحتلال الأمريكي والكيان الإسرائيلي وليس جيرانها العرب.
وفي العودة إلى خطاب ترامب فيبدو أنه كان موجّهاً للاستهلاك الداخلي، لتبرير تقليل الإنفاق العسكري الخارجي، وتقديم نفسه كمدافع عن أموال دافعي الضرائب، كما يعكس توجه ضمني أوسع نحو الانعزالية النسبية التي يتبعها ترامب في السياسة الأميركية ولو خطابياً، لتشكل مطالبة دول الخليج الضمنية بدفع تكاليف الحرب تعبيراً عن منطق القوة وتقاسم الأعباء، وتهديداً لاستقرار التحالفات المؤسسية، وعاملاً محتملاً لعدم الاستقرار وإعادة تشكيل التوازنات، والأهم مؤشر استراتيجي على تحول في دور الولايات المتحدة من "حامٍ" إلى "مزود خدمة أمنية بشروط"..
في المحصلة، أن ما يحدث اليوم هو انعكاس لخلل جوهري في التحالفات، فمن غير المنطقي أن تدفع دول الخليج ثمناً باهظاً لحرب إسرائيلية-أميركية كانت في الأساس معارضة لها أو على الأقل غير راغبة فيها، وأن تواجه في النهاية مطالب بالمال وكأنها استأجرت الجيش الأميركي لشن هذه الحرب، بينما الحقيقة أن القواعد الأميركية في الخليج كانت أداة لخدمة الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية في المقام الأول، وليس دفاعاً عن دول الخليج كما تُروّج واشنطن، وإذا كان هناك منطق يجب أن يطبّق اليوم، فهو أن تُدفع تعويضات للرياض وأبوظبي والدوحة والكويت والمنامة ومسقط، لأنها تحملت وطأة حرب لم تشنها، واستُخدمت أراضيها منصة لانطلاقها.