الغائب عن طاولة التفاوض: لبنان بين التسوية والضغوط
السجال حول السلاح والدولة والهوية السياسية في لبنان قد يتحوّل إلى سبب للانقسام. الانقسام سيصبح أكثر حدةً مما كان قبل الحرب.
-
لبنان بين التسوية والضغوط (أرشيف).
قد يبدو في البداية أن وقف الحرب الإيرانية‑الأميركية يجلب الاستقرار للبنان، لكن نظرة أكثر تشاؤماً للمشهد تعطي نتيجة مختلفة تماماً، فقد يواجه لبنان بعد انتهاء الحرب مرحلة صعبة لا تقل صعوبة عن الحرب نفسها، حتى وإن تغيرت الأدوات والعناوين.
توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق شامل، وأحد أهم أهداف هذا الاتفاق هو ضبط مناطق النفوذ الإقليمي وإعادة ترتيبها لمنع حدوث حرب جديدة. أرى أن في هذه الحالة قد يتحوّل لبنان إلى قضية تُطلب منها تقديم تنازلات صعبة لتثبيت الاتفاق. بدلاً من أن يكون لبنان جزءاً من معادلة الردع الإقليمي، قد يصبح ساحة لتطبيق شروط الهدنة وإعادة رسم موازين القوى.
في هذا الإطار، لا يهمنا الآن كيف نوقف الحرب، بل يهمنا من سيتحمّل تكلفة إيقافها. أعتقد أن الضغوط الدولية ستسعى لتقليل دور حزب الله العسكري، سواءً ببطء أو بسرعة. يمكن أن يأتي هذا الضغط عبر فرض ترتيبات أمنية صارمة في الجنوب، أو عبر ضغط سياسي واقتصادي على الدولة اللبنانية.
الآن، الدولة اللبنانية تواجه معادلة صعبة: إما أن توافق الدولة اللبنانية على شروط الدول لتحصل على مساعدات وإعادة بناء، أو أن تقبل بعزلة سياسية واقتصادية متزايدة. حيثما أمكن، نحتاج إلى حلول واقعية.
المشكلة الأعمق هي أن أي تراجع في الدور الإقليمي لحزب الله لا يعني بالضرورة بناء دولة لبنانية قوية. المجتمع الدولي، خلال العقود الماضية، كان يهتم أكثر بضبط مصادر التهديد الأمني من بناء دول ضعيفة. وبالتالي، قد يضعف أحد مراكز القوة الحالية من دون أن يُنتج بديل وطني يملأ الفراغ. ثم قد يدخل لبنان مرحلة جديدة من الاختلال الداخلي وتنافس القوى المحلية على النفوذ.
"إسرائيل" تعتبر انتهاء الحرب فرصة لتطبيق خطة جديدة تحقق أهدافاً لم تنجح في تحقيقها بالقوة العسكرية. بدلاً من محاولة تدمير خصومها بالجيش، تسعى "إسرائيل" إلى خلق بيئة أمنية وسياسية تجعل إعادة بناء قدرات الخصوم صعبة جداً. من هنا، تستمر "إسرائيل" في تنفيذ عمليات استهداف محدودة وتطبيق ضغوط أمنية واستخبارية، حيثما أمكن، حتى مع وجود تفاهمات إقليمية واسعة. هذا يعني أن وقف الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع.
كما أن المشهد الاقتصادي ليس مشرقاً. كثيرون يتحدثون عن إعادة الإعمار، لكن إعادة الإعمار ستظل مرتبطة بشروط سياسية معقدة وبتمويل دولي غير مضمون. لبنان قد يواجه نموذجاً مشابهاً لتجارب سابقة: وُعِد لبنان بوعود كبيرة، لكن المساعدات جاءت قليلة. الفساد والديون وانهيار المؤسسات مشكلات ما زالت تهدد لبنان من دون حل حقيقي. عندما يتوقف القتال، سيتحوّل الوضع من دمار عسكري إلى استنزاف اقتصادي.
أما على المستوى الاجتماعي، فأخطر ما قد يحدث في المرحلة المقبلة هو شعور قطاعات واسعة من اللبنانيين بأنهم خرجوا من الحرب خاسرين سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً. التسويات التي لا تراعي توازنات داخل لبنان تُولّد توترات كامنة تظهر لاحقاً بأشكال مختلفة. في رأيي، السجال حول السلاح والدولة والهوية السياسية في لبنان قد يتحول إلى سبب للانقسام. الانقسام سيصبح أكثر حدةً مما كان قبل الحرب.
وبناءً على ذلك، لا يتحدث السيناريو القاسي عن سلام يأتي بعد الحرب. بل يتحدث عن الانتقال من قتال عسكري واضح إلى مرحلة من الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية، حيثما أمكن، تستمر هذه الضغوط لفترة طويلة. قد تتوقف الحرب، لكن الصراع على مستقبل لبنان ودوره وموقعه في الإقليم سيبدأ فعليًا بعد ذلك. في هذه الحالة، السؤال ليس كيف انتهت الحرب الإيرانية–الأميركية، بل كيف سيعيش لبنان في ظل النظام الإقليمي الجديد الذي ستنتجه تلك الحرب. ومن سيكون الفائز الحقيقي ومن سيكون الخاسر في تسوية لم يكن لبنان طرفًا أساسيًا فيها.