السلاح كضرورة وجودية في عقيدة المقاومة الشعبية

حالة الإنكار للمخاطر الوجودية، المعززة بتضليل إعلامي-سياسي عن الردع من خلال الدبلوماسية، رهان على سراب، ولا سيّما إذا أخذنا بعين الاعتبار الفارق من حيث الإمكانات المادية والقدرات العسكرية بين المعتدي والمعتدى عليه.

  •  هل أصبح العداء للكيان الإسرائيلي ترفًا سياسيًا؟ (أرشيف).
    هل أصبح العداء للكيان الإسرائيلي ترفًا سياسيًا؟ (أرشيف).

في خضم إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة وفق موازين القوى التي أفرزتها وقائع السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من أحداث، يبرز موضوع السلاح لدى حركات وقوى المقاومة، وفي مقدمتها سلاح المقاومة في لبنان، كأحد الملفات الرئيسية والأكثر حساسية، ربطًا بفعاليته ودوره في الصراع والتأثير في موازين القوى.

منذ نشأة الكيان الإسرائيلي المعزز بفائض القوة والدعم الأميركي والغربي، وقع لبنان تحت الخطر الوجودي المباشر، والمتمثل بأطماع العدو الإسرائيلي التوسعية من جهة، وغياب الدولة التي تفتقر إلى مقومات الدفاع والردع في المواجهات والحروب المتماثلة عن دورها في تحمّل مسؤولياتها في حماية شعبها من جهة أخرى.

ما تقدّم دفع أبناء القرى والبلدات الجنوبية، جنبًا إلى جنب كل من آمن بالمقاومة الشعبية كخيار وسبيل لمواجهة أطماع العدو، ما حمل هؤلاء على تحمّل مسؤولية الدفاع عن وجودهم وأمنهم بأنفسهم، عبر حمل السلاح ووسائل الدفاع عن النفس المتاحة. من هنا، أصبح موضوع السلاح ضرورة وجودية ترتبط بالبقاء والمصير، فضلاً عن سيادة وبقاء الوطن بأسره.

عقب الحرب الإسرائيلية على لبنان في أيلول/ سبتمبر 2024، برز الانقسام الحاد في لبنان حول الموقف من سلاح المقاومة، ليُظهّر الاتجاهات والخيارات للأحزاب والقوى السياسية من المتغيرات في المنطقة، وبالتبعية، تحديد الموقف من سلاح حزب الله على نحو خاص. وفي هذا السياق، أتى القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في الخامس من شهر آب من العام الماضي، والقاضي بنزع سلاح المقاومة تحت عنوان/ ذريعة "حصرية السلاح بيد الدولة".

القرار، الذي جاء جزءًا من إعادة هندسة المنطقة وفق الرؤية الأميركية-الإسرائيلية، لا تخفي دوافعه حالة الإنكار التي يعيشها الفريق السياسي المؤيّد لهذا القرار، سواء لجهة تماهي القرار مع مصالح العدو، الذي استغل القرار للتمادي في عدوانه المستمر، أم لجهة فشل استراتيجية الردع من خلال الدبلوماسية كما يُروجها أنصار القرار نفسه.

ما تقدّم يطرح أسئلة ملحّة أكثر من أي وقت مضى: هل أصبح العداء للكيان الإسرائيلي ترفًا سياسيًا؟ أم لفظًا شكليًا ورد في اتفاق الطائف فحسب؟ هل أصبح تبديد هواجس العدو ومخاوفه لزوم الاسترزاق الحزبي والفئوي والشعبوي على حساب شريك ومكون مؤسس ورئيسي في لبنان؟ أم إن ما يُطرح هو مقدمة لنهاية حقبة من الشراكة في إدارة السلطة، لم ترق للبعض على مدى عقود من الزمن؟

مشروعية هذه الأسئلة تنطلق من حقيقة أنّ في لبنان من لا يرى، أو لم يرَ أصلاً، في الكيان تهديدًا وجوديًا، فضلاً عن كونه أداة احتلال غربية لإخضاع دول وشعوب المنطقة ووضع اليد على ثرواتها ومقدراتها. الفريق نفسه يعيش حالة إنكار للتداعيات الخطيرة على لبنان نتيجة تمادي العدو الإسرائيلي في العدوان على مناطق بعينها وفئة محددة منذ أكثر من عام، كل ذلك يجري في لحظة إقليمية حساسة تُعاد فيها هندسة المنطقة تحت عنوان "السلام" وفق ميزان حق القوة.

وفي هذا الإطار، أتى تصريح المبعوث الأميركي إلى لبنان توم براك في حوار أُجري في سبتمبر 2025 مع صحيفة "ذا ناشونال"، حين قال: "إن الحديث عن السلام في المنطقة ليس سوى وهم، فلم يكن فيها سلام قط، وربما لا يكون. الصراع في جوهره يدور حول الهيمنة، ففيه دائمًا طرف يريد أن يفرض سيطرته، ما يعني أن طرفًا آخر سيجبر على الخضوع"، محددًا بذلك أطر ومحددات الصراع بطريقة مكشوفة وغير مسبوقة.

ما تقدّم، معطوفًا على تصريح سابق لرئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو حول وصفه "إسرائيل الكبرى" بـ "المهمة الروحية والتاريخية"، وتصريح السفير الأميركي في الكيان الإسرائيلي مايك هاكابي، في التعبير عنها خلال إحدى المقابلات بأحقية "إسرائيل" التوراتية في السيطرة على الشرق الأوسط، وغيرها العديد من تصريحات اليمين المتطرف في الكيان الإسرائيلي، يدفع بالنقاش والحوار حول السلاح إلى التعامل مع هذا العدو كخطر حقيقي ووجودي، يهدد الكيان اللبناني بجميع طوائفه ومناطقه. وتالياً، أخذ هذه الحقيقة الثابتة كإحدى المرتكزات في أي نقاش أو حوار جدي حول السيادة الوطنية.

وعليه، تكون حالة الإنكار للمخاطر الوجودية، المعززة بتضليل إعلامي-سياسي ساذج عن الردع من خلال الدبلوماسية، رهانًا على سراب، ولا سيّما إذا أخذنا بعين الاعتبار الفارق الكبير من حيث الإمكانات المادية والقدرات العسكرية والتكنولوجية بين المعتدي والمعتدى عليه.

من هنا، فإنّ أي مقاربة لملف حصرية السلاح بمعزل من قراءة التاريخ والتجارب جيدًا، وبعيدًا من رؤية شاملة لطبيعة الصراع، ولا تأخذ في الحسبان ضرورة إيجاد استراتيجية دفاعية وطنية، توظّف نقاط القوة للبنان، وفي مقدمتها السلاح والمقاومة الشعبية كجزء من العقيدة الردعية الوطنية في سياق المواجهة غير المتماثلة، تكون كمن يهدي عدوه السكين لينحره، فأي عاقل يقبل بذلك؟