الحرب في الشرق الأوسط: تحذيرات دولية من رهانات خاطئة على انهيار إيران

بينما تتصاعد المواجهة في الإقليم، بدأت مراكز الدراسات وصنّاع القرار في الغرب يعيدون النظر في طبيعة النظام الإيراني وقدرته على الصمود في ظل الأزمات.

  •  رهانات خاطئة على انهيار إيران (أرشيف).
    رهانات خاطئة على انهيار إيران (أرشيف).

مع استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، تتزايد التحليلات الدولية التي تحذر من خطورة الرهانات السياسية المبنية على فرضية انهيار الدولة الإيرانية تحت ضغط الحرب أو العقوبات. فبينما تتصاعد المواجهة في الإقليم، بدأت مراكز الدراسات وصنّاع القرار في الغرب يعيدون النظر في طبيعة النظام الإيراني وقدرته على الصمود في ظل الأزمات.

في هذا السياق، أكد نائب رئيس Quincy Institute for Responsible Statecraft أن بنية الدولة في إيران صُممت بطريقة تسمح لها بالاستمرار حتى في حال غياب القيادة العليا. ويعكس هذا التقييم فهماً متزايداً لطبيعة النظام السياسي الإيراني، الذي يقوم على شبكة مؤسسات متداخلة تشمل المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية، بما يسمح بتوزيع مراكز القوة وعدم تركيزها في يد جهة واحدة فقط.

ويشير الباحثون إلى أن النظام الإيراني، منذ قيامه بعد الثورة عام 1979، عمل على بناء هيكل مؤسسي قادر على إدارة الأزمات. فإلى جانب منصب المرشد الأعلى، توجد مؤسسات محورية مثل مجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، والحكومة المنتخبة، إضافة إلى الدور المؤثر للمؤسسة الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها حرس الثورة الإيراني. هذا التداخل المؤسسي يمنح النظام درجة من المرونة تمكنه من الاستمرار حتى في الظروف الأكثر تعقيداً.

وفي الاتجاه نفسه، حذرت International Crisis Group من أن أي سيناريو يؤدي إلى انهيار الدولة الإيرانية قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة. وترى المجموعة أن إيران ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل تمثل محوراً جيوسياسياً مهماً في توازنات المنطقة، سواء من حيث موقعها الجغرافي أو دورها في أسواق الطاقة أو علاقاتها مع عدد من القوى الإقليمية.

وتشير تقديرات خبراء النزاعات إلى أن انهيار دولة بحجم إيران قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدودها، من بينها اضطراب طرق الطاقة العالمية، وتوسع الصراعات الإقليمية، إضافة إلى احتمال ظهور فراغ أمني قد تستغله جماعات مسلحة أو شبكات متطرفة. لذلك، تميل العديد من مراكز الدراسات إلى التحذير من سياسات تقوم على فرضية انهيار سريع للنظام الإيراني، معتبرة أن مثل هذا السيناريو قد يكون أكثر خطورة من استمرار التوتر القائم.

في موازاة ذلك، برز موقف إقليمي لافت من جانب تركيا التي حذرت من أي خطوات قد تهدد الأمن الإقليمي أو تعرض المدنيين للخطر. فأنقرة، التي تتابع التطورات عن كثب بحكم موقعها الجغرافي ودورها السياسي في المنطقة، أكدت أن استمرار التصعيد العسكري قد يقود إلى تداعيات إنسانية وأمنية يصعب احتواؤها.

ويعكس هذا التحذير التركي إدراكاً متزايداً لدى دول المنطقة بأن اتساع رقعة الصراع قد يؤدي إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار، خصوصاً في ظل هشاشة العديد من الملفات الإقليمية، من سوريا إلى العراق مروراً بأمن الطاقة والممرات البحرية.

في ضوء هذه التحذيرات، يبدو أن الحرب الجارية في الشرق الأوسط لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة النظام الإقليمي والدولي على إدارة الأزمات المعقدة. فالتقديرات التي كانت تراهن على انهيار سريع لبعض الأطراف بدأت تواجه مراجعات جدية، بينما تتزايد الدعوات إلى مقاربات أكثر واقعية تقوم على احتواء الصراع بدلاً من الدفع نحو سيناريوهات قد تقود إلى فوضى أوسع.

وفي نهاية المطاف، تكشف هذه التحليلات أن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بنتائج المعارك الجارية، بل أيضاً بمدى قدرة القوى الدولية والإقليمية على إدراك تعقيدات المشهد الجيوسياسي، إذ قد يكون الحفاظ على توازن هش أقل كلفة من الانزلاق إلى فراغ استراتيجي لا يمكن السيطرة عليه.