الحرب الموازية: صراع السرديات بين السلطة والمقاومة في لبنان

تستند المقاومة في مشروعية عملها، إلى حقّ أبناء الأرض الدفاع عن أنفسهم أمام المحتل، بعدما عجزت الدولة عن حماية السيادة والأرض والإنسان.

  • صراع السرديات بين السلطة والمقاومة في لبنان (أرشيف).
    صراع السرديات بين السلطة والمقاومة في لبنان (أرشيف).

في موازاة العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، تستعر الحرب على السردية والرواية بين فريقي السلطة والمقاومة في لبنان، لإعادة تشكيل الإدراك والوعي الجمعي حول ماهية وطبيعة العدو الإسرائيلي من جهة، وشرعية المقاومة ودورها من جهة أخرى.

تحتدم المواجهة بين الروايتين بأبعادها السياسية والقانونية والإعلامية وغيرها تحت عنوان السعي لإيجاد أفضل السبل والخيارات للخروج من الحرب الحالية بأقل كلفة ممكنة.

من نافلة القول، إنّ حقّ الدفاع عن النفس هو حقّ أصيل ومشروع عند تعرّض فرد أو جماعة لأيّ اعتداء أو عدوان، وهذا ما كرّسته الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية، ولا سيّما المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، إضافة إلى القوانين التي أقرّت بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاستعمار والاحتلال.

ولأنّ البديهيات في لبنان وجهة نظر في كثير من الأحيان، وذلك بناء على الخلفية السياسية والمناطقية والطائفية، فإنّ النقاش الجاري منذ بدء الحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان، يطعن بمفاهيم وعناوين كانت ثوابت لدى غالبية الشعب اللبناني حتى الأمس القريب. 

يقود فريق السلطة المعارض لاستمرار عمل المقاومة في لبنان، حملة سياسية وإعلامية للدفاع عن استراتيجية الدبلوماسية، للخروج من تداعيات العدوان المستمر على لبنان منذ حرب 2024. إذ تعتمد هذه الاستراتيجية على العلاقات والصداقات مع الدول الإقليمية والدولية ولا سيّما الولايات المتحدة الأميركية.

إضافة إلى ذلك، تُحمّل رواية السلطة مسؤولية ما جرى ويجري من عدوان إسرائيلي على لبنان للمقاومة، بذريعة أنها بادرت إلى إسناد فلسطين بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولاحقاً إسناد إيران مع بداية شهر آذار/مارس المنصرم، وأنّ ما قامت به المقاومة كان دعماً للخارج على حساب الوطن وشعبه. وبالتالي، أتى العدوان الإسرائيلي على لبنان كنتيجة وردّ فعل، وليس كفعل أصيل مرتبط بطبيعة العدو وأطماعه التوسّعية ("إسرائيل الكبرى").

وتماشياً مع هذه السردية، قرّرت الحكومة اللبنانية في الثاني من آذار/مارس الماضي، حظر جميع أنشطة المقاومة الأمنية والعسكرية واعتبارها خارجة عن القانون. وعليه، تكون الحكومة قد نقلت الخلاف حول مقاربة أسباب الحرب على لبنان إلى مرحلة حسّاسة وخطيرة، تتصل بإعادة تعريف حركة مقاومة شعبية، ووصفها بأنها غير شرعية وخارجة عن القانون.     

في المقابل، تُؤكّد سردية المقاومة أنّ التجارب أفرزت حقيقة أنّ الحقوق تُأخذ من العدوّ، الذي لا يمنح أو يُعطي حقوقاً، فضلاً عن أنه لا يعترف بها. وعليه، تُصرّ المقاومة أنّه لا يُمكن للاحتلال أن يخرج من الأرض، إلّا مكرهاً ورغماً عنه، وتحت وطأة مقاومة أبناء الأرض. وبالتالي، يُصبح من الضروري رفع الكلفة عليه أثناء توغّله وأثناء احتلاله، لمنعه من الاستقرار وتحقيق أهداف العدوان.

كما يؤكّد خطاب المقاومة ضرورة الانطلاق في أيّ نقاش للخروج من الحرب الحالية، من النتائج والمعادلات التي أفرزها الميدان، مع ضرورة تضافر وتكثيف الجهود الدبلوماسية التي ترتكز على عناصر القوة، والتي من شأنها أن تساهم في وقف العدوان، وانسحاب قوات العدو خارج الأراضي اللبنانية، وتحقيق الأهداف كافة وصولاً إلى إعادة الإعمار.

وفي خضمّ حرب الروايات، ترفض المقاومة العبث بالمفاهيم وإعادة صياغة المصطلحات وفق النظرة المُعادية، وهي ترفض رفضاً تاماً تحميلها مسؤولية العدوان، انطلاقاً من أنّ العدوّ الإسرائيلي ذو طبيعة عدوانية ولديه أطماع في لبنان والمنطقة، ولا يحتاج إلى ذريعة للتوسّع والاحتلال. وبالتالي، يصبح النضال ومقاومة هذه الأطماع هو لزوم ما يلزم، ولا سيّما مع عجز الدولة عن التصدّي لهذه الأطماع والأعمال العدائية. وهذا ما أكدته وقائع الأشهر الخمسة عشر التي تلت حرب 2024.

تستند المقاومة في مشروعية عملها، إلى حقّ أبناء الأرض بالدفاع عن أنفسهم أمام المحتل، بعدما عجزت الدولة عن حماية السيادة والأرض والإنسان. وهو حقّ يكفله الدستور اللبناني واتفاق الطائف، الذي نصّ في البند المتعلّق بالاحتلال الإسرائيلي على "اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي".

بين تكامل الأدوار لتحقيق الأهداف، من خلال توظيف عناصر القوة بين الدولة والشعب لصدّ العدوان واستعادة الحقوق، بما يساهم في تثبيت الوعي كأحد أهم عوامل الانتصارات (التحرير في العام 2000، والصمود الأسطوري في العام 2006 على سبيل المثال لا الحصر)، وبين التنافر والتصادم تحت شعار "حصرية السلاح بيد الدولة"، الذي يساهم في تشتيت الإدراك الجمعي في لحظة وجودية مصيرية وخطيرة، ثمّة ضرورة تستدعي تأكيد سردية المقاومة بأنها ردّ فعل على الاحتلال، وضرورة وجودية لمواجهة مشروع خطير بحجم "إسرائيل الكبرى"، ليس من أجل المناطق المُعتدى عليها فحسب، بل من أجل الحفاظ على لبنان من أقصاه إلى أقصاه.