إيران في مواجهة التحديات.. عن السيّد الشهيد الذي كان يعلم..

منذ أن أمسك بالقيادة، نحت الشهيد السيد علي الخامنئي لوحة بناء ما يسميه المشروع الإنساني المتكامل، أو ما بات يصطلح عليه في الفقه السياسي الإيراني المعاصر "الحضارة أو المدنية الإسلامية المعاصرة".

  • عن السيّد الشهيد الذي كان يعلم.. (أرشيف).
    عن السيّد الشهيد الذي كان يعلم.. (أرشيف).

لم يكن الطالب لتولّي المناصب في أي لحظة من لحظات حياته، لكنه المندفع بعزم راسخ للقيام بواجب بناء الدولة التي حلم بها منذ نعومة أظفاره ويحلم بها أجيال مشاهد العروج إلى المثل العليا في مشهدية انتفاضة علماء الفيضية الخمينية الشهيرة.

هكذا هو الشهيد السيد علي الخامنئي، رجل دعوة ومجاهد وثائر وجندي ومسؤول حكومي تدرّج في مراحل البناء الثوري والحكومي حتى تولى قيادة رأس الثورة والحكم في دولة الولي الفقيه.

منذ أن أمسك بالقيادة وهو ينحت بكلّ ما يملك من أدوات، لوحة بناء ما يسمّيه المشروع الإنساني المتكامل، أو ما بات يصطلح عليه في الفقه السياسي الإيراني المعاصر "الحضارة أو المدنية الإسلامية المعاصرة"...

بعد خمسة وأربعين ربيعاً عاشها بمرّها وحلوها وبكلّ تعرّجاتها، وهو الشاهد والشهيد على كثير من فصولها صعوداً أو "تراجعاً "، اضطربت فيها البلاد بين مدّ وجزر حتى أطلق هو قبل سنوات، منشوره الاستراتيجي الأهمّ والأكثر تحدّياً والذي سمّاه "الخطوة الثانية" في الثورة. ليقول فيه للجميع إنّ المحافظة على النصر الذي تراكم درجة فوق أخرى، لا يمكنه أن يحصل إلا بالقطع الكامل مع منظومة الغرب الشيطانية، وتنظيم تحالفات الأمة في العلاقات الدولية، بشكل ثوري ومرن بما يجعل منها"جسراً جديداً للنصر ".

يلخّص الشهيد السيد علي الخامنئي في منشوراته التاريخية الاستراتيجية شروط الصعود إلى النصر الحاسم، في سبعة فصول، هي زبدة دروس تجربة الصعود والهبوط التجريبي لثورة إيران الإسلامية التي انطلقت من الصفر وبنت كلّ إنجازاتها بختم ودمغة "صنع في طهران"..

يرى هذا القائد المتطلّع لفتح خيار ثالث بين عالم يأفل فيه نجم أقطاب الهيمنة الدوليين التقليديين، أنّ الفرصة باتت سانحة للإيرانيين الذين خاضوا معه تجربة صمود نادرة، أنّ بإمكان هذا الخيار القيام بخطوات جديدة واعدة وقادرة على شقّ طريق الصعود إلى النصر، على صعيد المنافسة والحضور الفاعل على المستويين الإقليمي والدولي..

ويرى أنّ ما كرّسته إنجازات القائد الكبير المؤسّس الإمام الخميني الراحل والحرس القديم من كوادر الثورة، قادرة عملياً اليوم بالاستمرار، بشرط إمساك الشباب بالسلطة من الآن فصاعداً ليأخذوا بسفينة الثورة وخيارها، لتصبح البديل الناجع والمنقذ لعالم بدأت أقماره التقليدية تأفل ونماذج تنميته القديمة تتكسّر وتتهافت أمام تحدّيات الوعي العالمي المتنامي في تبنّي فكرة رفع علم الروح، مقابل راية المادة ومنظومة التديّن مقابل تهافت الفكر الأيديولوجي الغربي...

الأكثر تحدّياً في هذا المضمار، كما كان يرى الشهيد السيد الخامنئي هو أنّ قطار الخيار الثوري المقاوم، صار هو القطار الأكثر أمناً وأماناً والأكثر حصانة في مواجهة موجات الرياح العاتية في الميدان الدولي، بحيث أن لا أحد باستطاعته، بعد كلّ الذي حصل أن يوقف هذا القطار في أيّ محطة من المحطات الثورية، لشعوب وأمم وجماعات عديدة تتمركز في سواحل وشطآن ومضائق وخطوط طول وعرض جغرافية وتاريخية استراتيجية نادرة...

من هنا وحتى يكتب الله أمراً كان مفعولاً، فإنّ من أهم شروط مواصلة المسيرة التقدمية الصاعدة نحو القمة، وتجاوز عنق ومنعرج صعود الجبل الشاهق، كما يرى الإمام الخامنئي، أنّ على الجيل الأول من الثورة أن يرمي الحبل المتين إلى جيل الشباب تاركاً له الإمساك برسن التوجيه والإدارة وخوض تجربة الصعود الثانية نحو الأعلى باعتباره الضمانة الحقيقية لتواصل الأجيال والشرط الضامن لاستمرار نجاح التجربة بأكملها....

ولعلّ حجر الزاوية في ما ورد في البيان الاستراتيجي الذي أصدره الإمام الشهيد الخامنئي في منشوره الآنف الذكر "الخطوة الثانية للثورة الإسلامية" قبل نحو 5 سنوات والمعمول به الآن هو الآتي:

تواجه إيران المقتدرة اليوم أيضاً كما في بداية الثورة تحدّيات يخلقها لها المستكبرون، ولكن بفارق ذي مغزىً كبير. فإذا كان التحدّي مع أميركا في ذلك الحين حول قصّ أذرع عملاء الأجانب أو إغلاق سفارة الكيان الصهيوني في طهران أو فضح وكر التجسس، فالتحدّي اليوم سببه، هو وجود إيران المقتدرة على تخوم الكيان الصهيوني وإنهاء النفوذ غير الشرعي لأميركا في منطقة غرب آسيا ودعم الجمهورية الإسلامية لكفاح المجاهدين الفلسطينيين في قلب الأراضي المحتلة والدفاع عن الراية الخفّاقة لحزب الله والمقاومة في كلّ هذه المنطقة.

وإذا كانت مشكلة الغرب في ذلك الحين الحيلولة دون شراء أسلحة بدائية لإيران فإنّ مشكلته اليوم الحؤول دون نقل الأسلحة الإيرانية المتطوّرة لقوات المقاومة.

وإذا كانت أميركا في ذلك الحين تظنّ أنها ستستطيع بعدد من الإيرانيين البائعين لذممهم وبعدة طائرات ومروحيات التغلّب على النظام الإسلامي وشعب إيران (يعني بالانقلاب)، فإنها اليوم تجد نفسها لمواجهة الجمهورية الإسلامية سياسياً وأمنياً بحاجة إلى تحالف كبير من عشرات الحكومات المعاندة أو المرتعبة، وهي البتة سوف تنهزم في المواجهة رغم ذلك.

إنّ إيران بفضل الثورة تقف الآن في مكانة سامقة ولائقة بالشعب الإيراني وفي أنظار العالم، وقد تجاوزت الكثير من المنعطفات الصعبة في قضاياها السياسية...

ها هي إذاً ثورة المستضعفين العالمية والعابرة للأمطار والأقطار، وبعد خمسة وأربعين ربيعاً إيرانياً، تغسل أقدامها في المياه الساخنة من هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى شواطئ البحر المتوسط لتقول للعالم أجمع: ولّى زمن الإسكندر وكسرى و"الناتو" ووارسو والقوميات المتناحرة وجاء زمن بدر وخيبر.. فهلمّوا يا شباب العرب والمسلمين على خير العمل، لتحقيق قيامة فلسطينية تختصر انتصار القسط والعدل في العالم على الظلم والطغيان على امتداد التاريخ البشري...!