إعادة تعريف العدو: المعركة الأخطر على لبنان
في المحصلة، ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش حول الحرب والسلام، ولا مجرد اختلاف في مقاربة سياسية، بل هو اشتباك عميق على هوية لبنان السياسية وذاكرته الوطنية وتعريفه لعدوه.
-
ما يجري اليوم هو اشتباك عميق على هوية لبنان وذاكرته الوطنية (أرشيف).
في خضمّ العدوان المفتوح على لبنان، لا تدور المواجهة في الميدان فقط، حيث القصف والاغتيالات والدمار والتهجير، بل في ساحة أشدّ خطورة وأعمق أثرًا: ساحة الوعي. هناك، تُخاض معركة من نوع آخر، لا تُستخدم فيها الطائرات والصواريخ وحدها، بل تُستخدم اللغة، والصورة، والخطاب السياسي، والمنابر الإعلامية، لإعادة تشكيل ما يُفترض باللبناني أن يراه، وما يُراد له أن يصدّقه، وما يُطلب منه أن ينساه.
هذه ليست لحظة سياسية عابرة، ولا تبدّلًا طبيعيًا في مقاربة الملفات الكبرى، بل مسار متدرّج يُبنى بعناية، هدفه إعادة تعريف العدو في الوعي اللبناني، ونقل صورة العدو الإسرائيلي من موقع المعتدي والمحتلّ إلى موقع "الجار الذي لا بدّ من التفاهم معه"، تحت عناوين براقة من قبيل: "الاستقرار"، "إنهاء الحرب"، "إنقاذ الاقتصاد"، و"التسويات الجديدة". عناوين تبدو في ظاهرها منطقية، لكنها في عمقها تؤسس لتحوّل خطير في البوصلة الوطنية والسياسية، والأخطر من مضمون هذا الطرح هو توقيته.
فهذا الحديث لا يُطرح بعد توقف العدوان، ولا بعد تحقيق عدالة، ولا بعد استعادة حقوق أو إنهاء احتلال، بل يُطرح فيما العدوان مستمر، والغارات لا تزال تحصد الأرواح، والقرى الجنوبية تتعرض للتدمير، وعشرات آلاف اللبنانيين لا يزالون نازحين، فيما تستمر الانتهاكات الجوية والبرية، وتبقى ملفات الاحتلال، والنقاط الحدودية المتنازع عليها، والأسرى، بلا أي معالجة فعلية.
ورغم ذلك، يُراد فرض ما يُسمّى "سلامًا" كخاتمة سياسية لعدوان دموي مفتوح، وكأن المجازر يمكن أن تُمحى بمصطلح دبلوماسي، وكأن الدم اللبناني تفصيل عابر في طريق تسوية تُفرض بمنطق القوة، لا بمنطق الحق.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد الحديث عن قنوات تفاوض مباشرة، وأطر جديدة لإدارة العلاقة، ومسارات تتجاوز وقف إطلاق النار نحو إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي والأمني، وصولًا إلى تفاهمات طويلة الأمد تتعلّق بالأمن والحدود وشكل العلاقة المستقبلية.
وقد بدا هذا المسار أكثر وضوحًا مع ما صدر عن رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون حين قال بوضوح إن "الهدف من التفاوض المباشر مع إسرائيل هو إنهاء الحرب"، معتبرًا أن من جرّ البلاد إليها هو من يرتكب "الخيانة"، ومؤكدًا أن الغاية هي "الوصول إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتفاقية الهدنة التي وقعها البلدان عام 1949"، مضيفًا: "واجبي ومسؤوليتي أن أبذل كل ما يلزم لتحقيق الأمن والسلام للبنان". وهي مواقف، بصرف النظر عن تقييمها السياسي، تشكّل مؤشرًا واضحًا على انتقال النقاش من إدارة الصراع إلى مقاربة إنهائه ضمن أطر تفاوضية مباشرة.
ولم يقتصر الأمر على الخطاب السياسي، بل تمدّد إلى إعادة ضبط اللغة نفسها، وهي إحدى أخطر أدوات تشكيل الوعي، فقد طلب وزير الإعلام في وقت سابق من وسائل الإعلام الرسمية عدم استخدام مصطلح "المقاومة" عند الإشارة إلى حزب الله، وهو ما التزمت به معظمها؛ وقد لا يبدو تغيير المصطلح تفصيلًا لغويًا عابرًا، لكنه في جوهره إعادة تعريف سياسية ومعنوية: فحين تُنتزع التسمية، يُنتزع معها الإطار الذي يمنح الفعل معناه في الوعي العام، ويُعاد تقديمه ضمن سردية مختلفة بالكامل.
ثم جاء تصريح رئيس الحكومة، نواف سلام، بـ"حظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية باعتبارها خارجة عن القانون"، ليعكس انتقالًا إضافيًا في المقاربة الرسمية: من تعديل المصطلحات، إلى إعادة توصيف قانوني وأمني لطرف أساسي في معادلة الصراع مع العدو الإسرائيلي، بما يحمله ذلك من أثر مباشر على فهم طبيعة المواجهة، وحدودها، وأطرافها، في الوعي الوطني العام.
هنا تحديدًا تبدأ معركة السردية.
لا يمكن فصل هذا المسار عن الدور المتنامي لبعض المنابر الإعلامية، فحرية التعبير، بوصفها قيمة وطنية ودستورية، تتحول أحيانًا – في ظل غياب الضوابط المهنية واختلال المعايير – إلى مساحة تُمرَّر عبرها سرديات سياسية تحت عنوان "الرأي" أو "التحليل"، حتى عندما تتجاوز الوقائع والسياق والحد الأدنى من التوازن، فيتحول جزء من الخطاب الإعلامي من ناقل للواقع إلى شريك في إعادة صياغته، ومن منصة نقاش إلى أداة تكييف تدريجي للرأي العام مع ما كان يُعدّ بالأمس سقوطًا سياسيًا وأخلاقيًا ووطنيًا.
وفي موازاة هذا المسار، اندفعت سردية معادية للمقاومة وبيئتها بوتيرة متسارعة ومتراكمة عبر عدد من المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، من خلال البرامج الحوارية، والنشرات الإخبارية، والمواد البصرية، والمنشورات التحليلية التي كرّست خطابًا يُحمّل المقاومة منفردة مسؤولية ما آل إليه العدوان، متجاهلةً في كثير من الأحيان حقيقة المشروع العدواني للاحتلال الإسرائيلي، وطبيعة اعتداءاته المتواصلة، وسجلّه الطويل في القتل والتدمير والانتهاك.
ولم يقف الأمر عند حدود الاختلاف السياسي أو النقد المشروع، بل تجاوز ذلك في كثير من الحالات إلى خطاب تحريضي يلامس إثارة النعرات الطائفية، ويغذّي الانقسامات الداخلية، ويوسّع الشروخ بين اللبنانيين، في لحظة وطنية بالغة الحساسية تستوجب أعلى درجات المسؤولية والانضباط.
لكن ماذا يقول القانون اللبناني؟
إن قانون مقاطعة "إسرائيل" الصادر عام 1955 يجرّم أي شكل من أشكال التعامل أو الاتصال أو التبادل مع العدو الإسرائيلي. كما أن قانون العقوبات اللبناني، ولا سيما المواد المتعلقة بالتعامل مع العدو، يجرّم كل تواصل أو تعاون أو تقديم منفعة له، فيما تعتبر التشريعات الأمنية وأحكام القضاء العسكري أن أي تواصل مباشر أو غير مباشر مع العدو الإسرائيلي قابل للملاحقة ضمن إطار التعامل مع العدو.
كما صدرت على مدى السنوات الماضية تعاميم أمنية وإدارية وإعلامية شددت على منع أي شكل من أشكال التطبيع أو التواصل الذي قد يُفسَّر في هذا السياق.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى: ما يُجرّمه القانون، يجري اليوم تهيئة الأرضية السياسية والإعلامية لتطبيعه في الوعي العام، وما كان يُعدّ يومًا خروجًا على الثوابت الوطنية، يُعاد تقديمه تدريجيًا بوصفه مخرجًا عقلانيًا أو ضرورة سياسية.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو ما يُراد من اللبنانيين أن ينسوه.
يُطلب من شعبٍ عاش الاحتلال والاجتياحات والمجازر والاغتيالات والقصف اليومي وتدمير القرى والبنى التحتية، أن يتعامل مع نصف قرن من الدم والعدوان كأنه مجرد صفحة يمكن طيّها بقرار سياسي، وكأن الذاكرة الوطنية عبء يجب التخلص منه، لا عنصرًا تأسيسيًا في فهم الصراع وتحديد الموقف منه.
غير أن الوقائع الميدانية نفسها تنقض هذه السردية. فالاعتداءات لم تتوقف، والخروقات مستمرة، والدم اللبناني ما زال يُراق، والتهديد قائم، والاحتلال لا يزال يحتفظ بسياسة العدوان والابتزاز والضغط.
وحتى داخل كيان العدو، صدرت تقارير إعلامية تتحدث عن حجم الاستنزاف الذي فرضته المواجهة على الجبهة المقابلة، وعن واقع ميداني أكثر تعقيدًا مما يُروَّج في بعض الخطابات المحلية، فقد نقلت القناة “12” الإسرائيلية أن "حزب الله أطلق خلال شهرين نحو 10 آلاف صاروخ وقذيفة ومسيرة باتجاه إسرائيل"، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن "الوضع انقلب… من ذريعة لإزالة التهديدات إلى واقع يفرض فيه حزب الله معادلات"، وأضافت أن “محاولات استهداف القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان أصبحت أمرًا مألوفًا"، ما يكشف فجوة واضحة بين حقيقة الميدان والصورة السياسية التي يُراد تسويقها داخليًا.
وفي هذا السياق، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تكريس صورة "سلام" مع لبنان تُقدَّم كإنجاز سياسي أمام داخله وأمام المجتمع الدولي، على قاعدة أن العدوان العسكري وما رافقه من قتل وتدمير وضغط واسع قد أفضى إلى نتائج سياسية ملموسة، تُترجم في نهاية المطاف كتحوّل من المواجهة إلى تسوية مفروضة. وبهذا المعنى، لا يُطرح السلام كمسار متكافئ، بل كحصيلة إكراه عسكري يُراد تثبيته كأمر واقع جديد.
في المحصلة، ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش حول الحرب والسلام، ولا مجرد اختلاف في مقاربة سياسية، بل هو اشتباك عميق على هوية لبنان السياسية وذاكرته الوطنية وتعريفه لعدوه.
فالأوطان لا تُهزم فقط حين تُقصف حدودها، بل حين يُعاد تشكيل وعيها بما يدفعها إلى نسيان دمها، وتجاوز ذاكرتها، والتخفف من ثوابتها، وقبول ما كان يُرفض بالأمس باعتباره "حكمة" أو "واقعية".
لذلك، تبقى المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الرواية نفسها: على الوعي، على الذاكرة، على تعريف العدو، وعلى حق اللبنانيين في ألّا يُفرض عليهم نسيان ما فعله بهم الاحتلال الإسرائيلي، لا بالقوة العسكرية، ولا بالقوة الناعمة، ولا بإعادة تدوير الهزيمة تحت اسم السلام.